قراءة في فقه الاجتماع السياسي في الإسلام..
هل تمنع وحدة الأمة خصوصيات الشعوب؟
في معركة «اليمامة»
عام 11هـ/ 633م، كان خالد بن الوليد يحارب المرتدين أتباع مسيلمة الكذاب، فحمل
خالد في الأعداء حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا، واشتد القتال، وقاتل العدو قتال
المستميت، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة لبني حنيفة، واستشهد أبو حذيفة
بن عتبة ومولاه سالم، وزيد بن الخطاب.. وغيرهم من كبار المسلمين.
ولما رأى خالد
ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغيرة فقال: امتازوا
أيها الناس، لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين نؤتى.
وكان أهل
البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرون والأنصار، فلما امتازوا
قال بعضهم لبعض: اليوم يُستحى من الفرار فما رئي يوم أعظم نكاية منه1.
في هذا الموقف
استدعاء لخصوصية كل قوم، لكنه استدعاء يدفع إلى التكامل والنصرة، لا التعصب
والنفرة، وهو ما أقره الإسلام ودعا إليه.
مفهوم الأمة الإسلامية
الأُمَّة هي الجَمَاعَة
من النَّاس أَكْثَرهم من أصل وَاحِد، وتجمعهم صِفَات موروثة، ومصالح وأماني
وَاحِدَة، أَو يجمعهُمْ أَمر وَاحِد من دين أَو مَكَان أَو زمَان2، والأمة
الإسلامية هي الأمة التي اختارها الله لإعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وإيصال هذا الهدى
والنور إلى أمم الأرض3.
فإذا قامت الأمة
الإسلامية بمهمتها الدعوية وإرشادها للإنسانية؛ فهل يلزم لكل من دخل تحت لوائها،
واهتدى بهديها أن يذوب في عادات ونظم دعاتها، أم يمكن الاحتفاظ بالخصوصية لكل قوم
مع الاتفاق في الإطار العام للأمة الإسلامية؟
دعوة الإسلام إلى الوحدة
دعا الإسلام إلى
الوحدة، انطلاقاً من الوحدة الإنسانية، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء: 1)، وقال أيضاً: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف:
189)، ثم حث الإسلام على الوحدة العامة للأمة في قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء: 92)، وفي صحيح
البخاري، ومسلم، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ
بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».
إقرار الإسلام للتنوع والخصوصية
إذا كان الإسلام
دعا إلى الوحدة والاجتماع؛ فإنه لم يمنع التنوع والخصوصية، بل جعل الاختلاف
والتنوع آية من آياته، حيث قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ
أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) (الروم: 22)، لكن هذا الاختلاف ليس المقصد
منه النزاع والصراع، بل التعارف والتكامل.
فقد قال عز وجل:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، وقال تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 148).
الإسلام لا يمنع الخصوصية إلا إذا تحولت إلى عصبية
إن الإيمان بالأُمّة
المؤسسة على عقيدة الإسلام، وأخوّة الإيمان، التي تضم جميع المسلمين في رحابها
-حيث كانوا- لا ينفي أن هناك خصوصيات معينة لكل قوم، يعتزون بها، ويحافظون عليها،
ولا يفرطون فيها، ولا مانع من ذلك إذا لم تتحول إلى عصبية عرقية تقاوم أخوّة
الإسلام، أو إلى نزعة أنانية انفصالية تهدد وحدة دولة الإسلام.
ولقد ترك الرسول
صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده القبائل تقاتل تحت راياتها الخاصة، في ظل
القيادة الإسلامية العامة، ليكون ذلك مصدرًا إضافيًا لحماستهم وإقدامهم، حتى لا
يجلبوا العار على أقوامهم وعشائرهم.
إن حب الرجل
لقومه وعشيرته ورغبته في جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم نزعة فطرية لا غبار عليها،
ولا خطر فيها، كما لا خطر في حبه لأسرته، واهتمامه بها.
ولا غرو أن أمر
الرسول صلى الله عليه وسلم بتعلم الأنساب، لما وراءها من تواصل في الأرحام وإن
تباعدت، ففي سنن الترمذي بسند صححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ
مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ»، وفي سنن أبي داود عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ
مَالِكِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
«خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ».
إن الخطر إنما
يتمثل فيما إذا وقف قومه موقفًا معاديًا للإسلام، وحادوا الله ورسوله، هنا تحرُمَ
المودَّةُ والموالاة، ولو كانت لأقرب الناس للإنسان، كأمِّه وأبيه، وبناته وبنيه،
وزوجه وأخيه، ويقول تعالى: (لَا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة: 22).
ويقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ
عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
{23} قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة).
فلا بأس أن يحب
الرجل أسرته، ويحب قومه وعشيرته، ولكن إذا تعارض ذلك مع حب الله ورسوله، فإن حب
الله ورسوله أغلى من كل شيء، هنا يتغنى المسلم بقول القائل:
أبي الإسلام لا
أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
هنا يقول المسلم
ما قاله سلمان حين سُئل: ابنُ مَنْ أنت؟ فقال: أنا ابن الإسلام4.
الوحدة الإسلامية.. والأديان الأخرى
حين يسود
الإسلام ويقود المسلمون العالم، يتوجه الدعاة إلى الناس جميعاً بالحث على الدخول
في الإسلام والانضمام تحت لوائه؛ فإن أسلموا فبها ونعمت؛ وإلا فإنهم يعيشون في
رحابه آمنين مطمئنين، ما لم يحدثوا في المجتمع خللاً أو أذى.
بل يأمر الإسلام
أتباعه بالبر والقسط مع المتعايشين في أمن وأمان، قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {8}
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة).
وفي هذا دليل على أن الإسلام يأمر أتباعه باحترام الأديان الأخرى، واحترام معتقداتهم، وعدم التعدي عليها، فيترك أهل كل دين وما يدينون به وفق عقائدهم، مع المحافظة على الانتماء العام -رغم اختلاف الأديان والأفكار- إلى المرجعية الإسلامية المدنية التي تحافظ على بقاء التنوع في إطار الوحدة5.