الإقطاع الجديد.. هل يعيد التاريخ الاقتصادي نفسه؟
حين نسمع كلمة «إقطاع»، يتبادر إلى الذهن ذلك التباين بين أولئك الذين يملكون، وأولئك الذين لا يملكون، ومن لا يملك يعمل لصالح من يملك في أرضه التي يملك، ليجني المالك قطاف عمل الفلاح، مُخَّلفًا له منها النزر اليسير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ويضاف إلى هذه المعادلة كاهن يضفي لهذا الظلم والإجحاف بحق هذا العامل مشروعية دينية، معتبرًا النظام الإقطاعي إرادة الله في الكون، وحتى لو ارتكب المالك ذنبًا عمومًا فكفارته شراء صك غفرانه.
ومع التحول من
الإقطاعية الزراعية إلى الرأسمالية الصناعية والديمقراطية الليبرالية، بدا وكأن
الإقطاع لن يكون إلا نسيًا منسيًا، ذكرى لا نرغب جميعًا في تذكرها، لكن الباحث
الأمريكي في الشؤون الحضرية جويل كوتكين يناقش في كتابه «قدوم الإقطاع الجديد:
تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية» أن البنية الاجتماعية-الاقتصادية التي نعيشها
اليوم، خصوصًا في الاقتصادات الغربية المتقدمة، أقرب في جوهرها إلى نظام إقطاعي
معاد تدويره منها إلى الوعد الرأسمالي بأن من جد وجد، ومن زرع حصد.
استمرار الأنظمة مع اختلاف المسميات
إذا قارنا بين
النظام الإقطاعي الأوروبي القديم، الذي قام على طبقتين متحالفتين -يمثلان معًا قمة
الهرم الاقتصادي الاجتماعي- تتقاسمان السلطة والشرعية (الأرستقراطية الحاكمة،
ورجال الدين الذين يبررون شرعية حكمها)، ونظام معاصر ناشئ يقوم على التحالف ذاته،
لكن بمسميات جديدة.
الطبقة الأولى: الأوليغاركية الجديدة:
والأوليغاركية
خي نظام حكم تتركز فيه السلطة الفعلية في يد نخبة صغيرة من هؤلاء الأفراد أو
العائلات، بحيث تكون القرارات العامة انعكاسًا لمصالحهم أكثر من كونها نتاج إرادة
شعبية واسعة، حتى لو بقيت المؤسسات الديمقراطية الشكلية (انتخابات، برلمان) قائمة
ظاهريًا، ويمثلها حاليًا طبقة صغيرة من عمالقة وادي السيليكون، الذين مكّنتهم
التقنية الحديثة -لا الأرض والسيف كما في السابق- من تركيز ثروة غير مسبوقة مكنتهم
من التأثير على دائرة اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي بما يخدم مصالحهم
ويُمكِّنهم من تحقيق المزيد من الثروة.
ومن أحدث
الأمثلة على ذلك تقليص بورصة ناسداك المدة الزمنية المستغرقة لإدراج شركة في
البورصة من ثلاثة أشهر إلى 15 يومًا فحسب تمهيدًا لدخول أسهم شركة سبيس إكس
المملوكة لأول تريليونير -سابق- في تاريخ الإنسانية إيلون ماسك، وهو نفسه أكبر
متبرع انتخابي لحملة ترامب بما يقارب 290 مليون دولار ليضمن بهذا التبرع منصبًا
إداريًا لدى حكومة ترمب تمثل في خفض الإنفاق الحكومي، بالإضافة للعقود التي
أبرمتها شركته هذه مع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التي تتراوح قيمتها بين 14 و16
مليار دولار.
فالفارق الجوهري
هنا أن هذه الثروة لا تُبنى بالضرورة على إنتاج سلعة تُباع وتُشترى، بل على شركات
يتم التلاعب في قيمتها، والمبالغة في أسعار أسهمها، أو أنها كما في حالة مواقع
التواصل الاجتماعي تملك أكبر كنز إستراتيجي في تاريخ الإنسانية وهو البيانات
الرقمية لمليارات المستخدمين التي تعبر عن رغباتهم، وتوجهاتهم، ونقاط ضعفهم،
وسلوكهم الاستثماري، وتمثل حاليًا أغلى الأصول قيمة على وجه الأرض.
الطبقة الثانية: رجال الدين الجدد:
وكان يمثلها
تاريخيًا رجال الدين، الذين وفّروا التبرير الأخلاقي والفكري لسلطة الأوليغاركية،
ويقابلها اليوم ما يُطلق عليه طبقة المفكرين؛ وهي طبقة تضم أساتذة الجامعات
والصحفيين والكتَّاب والفنانين والعاملين في المؤسسات غير الربحية ومراكز الفكر.
وجدير بالذكر أن
هذه الطبقة اكتسبت سلطانها لكونها ممثلة للعلم الذي أزاح الدين عن عرش التشريع بعد
عصر النهضة الأوروبية ليتبوأ مقعده، فما جرى حقيقة هو عملية استبدال للسلطة
التشريعية بالعلمية بدلًا عن الدينية، وهذه الطبقة تخرجت في نفس الجامعات المرموقة
التي انتسب إليها وإن لم يتخرج فيها عمالقة وادي السيليكون، فهم ينتمون بالفعل إلى
نفس الطبقة الاجتماعية ويتبنون في الغالب نفس التوجهات الفكرية.
نضف إلى ذلك، أن
هذه الجامعات لا تختلف كثيرًا عن الحاضنة السياسية التي تنشأ فيها، إذ كلاهما
يتحكم في توجيه دفته ممولِه، وتكمن أهمية هذه الطبقة لا في شرعنة سلوكيات
الأوليغاركية فحسب، بل في تشكيل الخطاب العام وتحديد ما هو مقبول في قضايا
الاقتصاد والعرق والجنس الجندر والبيئة، بما يخدم في النهاية استقرار ممولي النظام
الحالي والمتربعين على عرشه.
ولإحكام القبضة
على هذا الخطاب، شرع بعض من طبقة الأوليغاركية الجديدة في شراء صحف بأكملها، كشراء
جيف بيزوس، مؤسس أمازون وثاني أغنى رجل في العالم لصحيفة «واشنطن بوست» التي وعد
عند شرائها بأنه لن يتدخل فيما يُنشر فيها، لكن يبدو أن تاريخ انتهاء صلاحية وعده
قد حان، حيث أعلن بيزوس أن قسم الرأي في الصحيفة سيركز حصريًا على الحريات الشخصية
والأسواق الحرة، موضحًا في مذكرته أن وجهات النظر المعارضة لهذين المبدأين سيُترك
نشرها لجهات أخرى، كما أوقف بيزوس خطة هيئة التحرير لتأييد كامالا هاريس، قبل
الانتخابات بأحد عشر يومًا فقط.
وتهيمن الطبقتان
معًا على الطبقة الثالثة التي تمثل قاع الهرم الاجتماعي الاقتصادي.
الطبقة الثالثة: الأقنان الجدد:
تحل محل
الفلاحين المرتبطين بالأرض طبقة عمالية وطبقة وسطى متآكلة، تعمل غالبًا في وظائف
هشة (اقتصاد الوظائف المؤقتة)، كعمال التوصيل، وسائقي أوبر، وتفتقر هذه الطبقة إلى
الملكية العقارية المستقرة، أما عن الحلم الرأسمالي بضمان الترقي الاجتماعي ببذل
المجهود الكافي فحسب، فيبدو أنه لم يعد حتى يراود هذه الطبقة.
إذ يبدو أن
الاقتصاد مصمم بوضعه الحالي لجعل الأغنياء أكثر غنى بتعظيم هوامش ربحهم وتقليل
ضرائبهم، وجعل الفقراء أكثر فقرًا وذلك من خلال أتمتة وظائفهم من الفعل الإنجليزي باستبدال
الذكاء الاصطناعي في الوظائف المكتبية والآلات في الوظائف الصناعية بهم؛ ما أدى
إلى تقليص عدد الوظائف التي لا تتطلب شهادات عليا، التي شكّلت تاريخيًا العمود
الفقري للطبقة الوسطى الغربية في القرن العشرين.
ثانيًا: أزمة
الملكية العقارية؛ بالقضاء على المشاريع الحكومية التي كانت تضمن لهم تَمَلُّك
مساكن تلبي احتياجاتهم وتتناسب وإمكانياتهم، واستبدال بمشاريع يتولى كِبرها شركات
خاصة باتت تملك معظم السوق العقاري بها.
وإذا أعاد
التاريخ الاقتصادي نفسه في تشكيل الطبقات ذاتها مع تغيير مسمياتها، هل يعيد نفسه
في نهايتها كذلك؟!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً