تاريخ الإسلام وحملات التشويه المغرضة

د. علاء حسني

01 يوليو 2026

84

تاريخ الإسلام وحملات التشويه المغرضة

يتعرض التاريخ الإسلامي لحملة تشويه وتزييف منظمة منذ أواسط القرن التاسع عشر، ناهيك عن غارات أخرى عبر تاريخ الأمة الطويل من قبل أفراد وجماعات من الحاقدين الشانئين، أو الجاهلين المستغفلين.

ويتولى كبر هذه الحملات الظالمة، ويقف خلفها دول الاستكبار القديمة والحديثة التي اصطلى العالم من قبل بنيران بطشها وظلمها في حقبة الاستعمار العسكري المشؤومة التي يبدو اليوم أن بعضًا ممن ورث تركة أوزارها يتوق إليها، ويسعى جاهدًا لاستحيائها، أو لاستعادتها من جديد مصطحبة معها أدوات ذلك الزمن الرديء، وأحقاده الدفينة.                         

وتنوء بكفل غير قليل من تبعة تلك الحملات هذه الدويلة التي ورثت -فيمن ورث- ذلك الإرث الاستعماري المشين، ولم تزل تمارس أساليبه الوحشية التي عفى عليها الزمن، ومن تكون غير ذلك الكيان المسخ الذي أنشئ خنجرًا مسمومًا في خاصرة الأمة الإسلامية يعرقل وحدتها واستعادتها عافيتها وريادتها؛ «إسرائيل».

بيد أن عداوة وكيد هؤلاء جميعًا لا تصرفنا أو تنسينا كيداً لا يقل ضراوة يستهدف تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية، كذلك يبوء بإثمه تلك الحكومات الظالمة المستبدة التي تتسلط على مقدرات كثير من البلاد الإسلامية، وتسعى لاستدامة سيطرتها بكل وسيلة من وسائل البطش، وغسل الأدمغة، وتدجين الشعوب المستضعفة المغلوبة على أمرها، ومن ثم يتم تشويه تاريخ الإسلام، بإعادة الصياغة، أو الابتسار المخل، أو الانتقاء المغرض أو غير ذلك من أساليب المكر لتنشأ أجيال على أعين الظالمين خانعة، مستسلمة الإرادة مسلوبتها، واهنة العزائم، محدودة الآمال.

وقد لا تعجب -والحال كذلك- حين تطالع خطة إحدى تلك الحكومات المستبدة يوم أرادت أن تحسم صراعها المرير مع إحدى الجماعات الإسلامية العاملة في بلادها لاستعادة مجد الإسلام حيث ترى ما اقترفته أيديهم في تلك الخطة، وما نفذوه عملياً من إعادة كتابة مادة التاريخ الإسلامي الذي يتربى عليه التلاميذ في المدارس لينشأ هؤلاء بلا هوية موجهة، أو حمية محفزة(1).

كما لا يأخذك العجب حين تقرأ أن من أهم وسائل التطبيع، أو التدجين للعقل المسلم لقبول وجود السرطان «الإسرائيلي» في جسم الأمة أن ضمنت اتفاقات السلام بين ذلك الكيان الغاصب، والحكومات التي قبلت عقد الاتفاق معه النص الملزم لهؤلاء على إعادة كتابة التاريخ الإسلامي الذي يدرس بالمدارس للناشئة لمحو الأحقاد التاريخية كما يزعمون، ولم يكتفوا بوضع بنود ميتة في الاتفاقات، بل حرصوا على متابعة إلزام الطرف المقابل بالتنفيذ مع الاستعانة بالقوى الدولية التي لا تملك إزاءها بعض الحكومات الشرقية غير الإذعان(2).

وبعد حادثة 11 سبتمبر المشؤومة، التي لم يزل يشك العقلاء في حقيقتها، وتداعياتها ومنطقيتها، ومن عسى أن يكون خلفها ازدادت الضغوط ضراوة، وعادت من جديد دعوات أو إملاءات القوى الغربية المستكبرة المتسلطة لإعادة النظر في التاريخ الإسلامي، بل بلغت بهم الوقاحة والجرأة علينا في زمن الذل، وذهاب الريح إلى المطالبة بإعادة النظر في الإسلام نفسه، وكتابه العزيز؛ فيلزموننا بتعليم ناشئتنا آيات دون أخرى بزعم مقاومة الإرهاب، ونشر ثقافة السلام ودعم الوحدة الوطنية، وغيرها من الدعاوى المتهافتة!

ولم ولن يعدموا دائماً من بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا، وينتسبون إلينا من يسارع في تنفيذ مطالبهم رغبة أو رهبة، وفي واقعنا الراهن أمثلة مريرة على ذلك، وما أدق الوصف القرآني لعقلية هؤلاء المتهوكين المستعبدين، ونفوسهم المريضة إذ يقرر: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (المائدة: 52).

آثار مؤسفة لكيد مستمر

من المؤسف أن نقول: إن هذه الحملات الظالمة قد آتت أكلها، فنشأت أجيال من أبناء المسلمين جاهلة بتاريخ أمتها المجيد، وربما كارهة له، ساخطة عليه لا ترى فيه مصدر عزتها، ومدعاة فخرها، أجيال لا تعرف لها هوية مميزة، ولا تجد فيها حمية محفزة، أجيال مستسلمة استسلام القطيع من الغنم يسوقها الراعي أو الجزار حيث شاء، أجيال ضعيفة الهمم، واهنة العزائم، محدودة الآمال والتطلعات بحدود الحاجات الدنيوية الدانية.

نعم، لم تكن تلك الصورة المزرية حصاد تغييب الذاكرة التاريخية للأجيال وحدها أو تسميمها، ولكن هذا التغييب أو التشويه المتعمد لتلك الذاكرة التاريخية كان له من الآثار ما لا يقل فداحة عن إضعاف العقيدة الإيمانية ذاتها، وخلخلة المنظومة القيمية، والبنيان الأخلاقي وغيرها من الجوانب التي استهدفتها مكائد الكائدين المتربصين الشانئين لخير أمة، وخير دين.

والأدهى من ذلك، والأمر نجاحهم في اصطناع بعض من يتسمون بأسماء المسلمين ليشارك متحمساً في هذه الحملة الظالمة عن جهل حينًا، وعن قناعة مضللة أحيانًا، ولعل دور هؤلاء أخطر بكثير من دور الذين يقودون الحملة، من منطلق أحقادهم القديمة، وعصبيتهم القومية أو الدينية، فانخداع الناس باسم مسلم يدس السم في الدسم أكثر من انخداعهم بغير مسلم يمارس العمل نفسه.

وقد بتنا اليوم نرى بين ظهرانينا من أطلق عليهم المفكر الكبير عبدالوهاب المسيري وصف «اليهودي الوظيفي»، وهم كما عرفهم في محاضرة له مسلمون يتكلمون بألسنتنا، ويدعون الانتساب لديننا، ولكنهم يقومون بنفس الدور الذي يمارسه اليهودي، ويخدمون أجنداته، ويعملون لحسابه لا من منطلق العمالة التقليدية القديمة، ولكن بقناعة شبه تامة أنهم يحسنون صنعًا، أو يمارسون مهام طبيعية لا غبار عليها(3).

تساؤلات بالغة الأهمية

وثمة أسئلة تطرح نفسها هنا: لماذا هذا الاهتمام المريب من قبل القوم بالتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص؟ ولماذا يحرصون على تشويهه أو تزييفه؟ وما أبعاد هذه الحملة؟ وما أساليب مخططاتهم في التشويه والتزييف لنكون على وعي بها فنأمن شرها باتخاذ التدابير المواجهة وبذل الجهود اللازمة في هذا السبيل بلا توان أو هوادة؟

كما ينبغي أن نتساءل ونتلمس ونتتبع آثار ومظاهر ومدى تغلغل هذه الخطط المغرضة في واقعنا المعاصر، وفي ثنايا زادنا الفكري المتاح لنتساءل من بعد عن دورنا الرئيس في المقاومة والمواجهة على الصعيد الفكري أساسًا، وعلى غيره من الصعد الثقافية والاجتماعية، وهو ما ينبغي أن تتضافر على مناقشته ودراسته دراسة تسبر أغواره مراكز أبحاث مخلصة متخصصة وليس فقط أفراد مهتمون مختصون أو غير مختصين، وإن لم يخل المضمار من محاولات تستحق الإعجاب والثناء كما نرى لدى عبدالرحمن الحجي، وعماد الدين خليل، وعبدالحليم عويس، وأنور الجندي، ويوسف القرضاوي.. وغيرهم.

الهوامش
  • 1 انظر: «قذائف الحق» للشيخ محمد الغزالي للاطلاع على الوثيقة السرية المتضمنة لمعالم تلك الخطة/المؤامرة.
  • 2 انظر: تصريح تيلرسون، وزير خارجية أمريكا الأسبق حول مركز مكافحة التطرف بالسعودية، المنشور في «الجزيرة» 13/ 12/ 2017م، ووقائع برنامج حواري بـ«الجزيرة» حول حمى تغيير المناهج في العالم العربي في 30/ 9/ 2014م.
  • 3 محاضرة مشهورة للدكتور عبدالوهاب المسيري بجامعة القاهرة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة