9 فضائل للرفق بين الناس
من أبرز أخلاق
الإسلام الرفق واللين والرحمة في المعاملات اليومية، ولنا أن نتصور مجتمعًا تغلب
عليه القسوة والحدة والعناد؛ كيف تضيق فيه الصدور، وتتفكك الروابط، وتتحول الحياة
فيه إلى صراع دائم لا يورث إلا الشقاء.
لقد أثنى الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم بصفة اللين والرحمة، وجعلها سببًا في اجتماع الناس حوله، فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).
كما أمر سبحانه
بحسن القول وجعله ضمن ميثاقه مع بني إسرائيل، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (البقرة: 83).
قال ابن كثير في
تفسيره: قوله تعالى: (وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْنًا): كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر بالمعروف.
وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه البخاري،
ومسلم)، كما قرر قاعدة جامعة بقوله: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (متفق
عليه).
وتتجلى فضائل
الرفق في صور متعددة، منها:
أولًا: الرفق خُلُق رباني محبوب:
الرفق مشتق من
اسم من أسماء الله الحسنى «الرفيق»، ومن هنا كانت محبته سبحانه لهذا الخُلُق، ففي
الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها حين ردّت على
اليهود بحدة: «يا عائشة، إن الله رفيقٌ يُحبُّ الرفق ويُعطي على الرِّفق ما لا
يُعطي على العُنف، وما لا يُعطي على ما سواه» (متفق عليه)؛ فالرفق سبب لمضاعفة
الأجر وعظيم العطاء.
ثانيًا: الرفق مفتاح الخير كله:
ليس
الرفق خلقًا هامشيًا، بل هو مفتاح جامع لأبواب الخير، وسبب لنيل معونة الله
وتوفيقه، قال صلى الله عليه وسلم: «من يُحرم
الرفق يُحرم الخير كله» (أخرجه مسلم)؛ فالمحروم حقًا من حُرم هذا الخلق.
ثالثًا: الرفق زينة للأعمال وصمام أمان لها:
الرفق يُجمّل
الأفعال ويكملها، ويجعلها أقرب إلى القبول والتأثير، قالت عائشة رضي الله عنها:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من
شيء إلا شانه» (رواه مسلم)؛ فهو عنوان حسن للحق، وطريقة عرض راقية للفكرة.
رابعًا: الرفق منهج قرآني في الدعوة:
أمر الله تعالى
بالدعوة القائمة على الحكمة والموعظة الحسنة، فقال: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125).
ولا سبيل إلى
بلوغ القلوب إلا بالرفق واللين، إذ القسوة لا تثمر إلا نفورًا وعنادًا.
خامسًا: الرفق سبب لاجتماع القلوب واستقرار المجتمع:
به تتآلف النفوس
وتذوب الأحقاد، وبه تحفظ المجتمعات وحدتها، وصدق الله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)؛ فالرفق قاعدة
قيادية ودعوية تصلح لكل زمان.
سادسًا: الرفق دليل قوة وفقه لا علامة ضعف:
الرفق ليس
استكانة، بل هو ثمرة قوة وضبط للنفس، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير
وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن
بالله ولا تعجِز» (أخرجه مسلم)؛ فالرفق يصدر عن وعيٍ بالمقاصد، لا عن عجز أو خور.
سابعًا: الرفق أدعى لقبول النصيحة:
الكلمة اللينة
مفتاح القلوب، أما القسوة فحاجز يمنع الانتفاع بالنصح، بل قد تقلب الموقف إلى
خصومة وعداء.
ثامنًا: الرفق حماية من الغلو والتشدد:
قال صلى الله
عليه وسلم: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (أخرجه البخاري)؛ فالرفق
يحفظ التدين من الانحراف، ويقي الشباب من مزالق التطرف الناتج عن سوء الفهم.
تاسعًا: الرفق طريق إلى رفعة الدرجات:
الرفق عبادة
يتقرب بها العبد إلى ربه، قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا
أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ
مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ،
فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (أخرجه مسلم).
إن الرفق أصل
عقدي، ومنهج شرعي، وضرورة إنسانية، لا يستقيم حال الفرد ولا المجتمع إلا به، فهو
روح الدعوة، وزينة الأخلاق، ومفتاح الخير، وسبب رفعة الدرجات، وإذا كانت الأمة
تطمح إلى استعادة قوتها ووحدتها، فإن أول الطريق يبدأ بإحياء هذا الخلق في البيوت،
والمدارس، والمساجد، ومؤسسات المجتمع كافة.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً