«الأقصى» في الإستراتيجية «الإسرائيلية».. إدارة صراع أم حسم تدريجي؟

د. أمجد بشكار

27 أبريل 2026

145

«الأقصى» في الإستراتيجية «الإسرائيلية».. إدارة صراع أم حسم تدريجي؟

يحتل المسجد الأقصى مكانة مركزية في الصراع مع الاحتلال «الإسرائيلي»، ليس فقط باعتباره موقعاً دينياً مقدساً للمسلمين، بل أيضًا كرمز سياسي وسيادي يتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة ليصبح عنواناً للهوية والصمود والمواجهة، فمنذ احتلال القدس الشرقية عام 1967م ظل «الأقصى» في قلب سياسات «إسرائيل» المتغيرة، التي تراوحت بين إدارة الصراع ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.

في العقود الأولى بعد الاحتلال، بدا أن «إسرائيل» تميل إلى تبني سياسة إدارة الصراع فيما يتعلق بـ«الأقصى»، فقد أبقت على ما يُعرف بـ«الوضع القائم» الذي يمنح المسلمين حق الصلاة في المسجد، فيما يسمح لليهود بزيارة الموقع دون أداء شعائر دينية.

هذه السياسة لم تكن نابعة من احترام ديني أو قانوني بقدر ما كانت تعبيراً عن حسابات سياسية دقيقة تراعي حساسية المكان وخطورته على استقرار المنطقة، فالمسجد الأقصى كان دائماً نقطة اشتعال محتملة، وأي تغيير فيه قد يشعل موجات من التصعيد تمتد إلى ما هو أبعد من فلسطين.

تصاعد نفوذ اليمين «الإسرائيلي» جعل تغيير الوضع القائم بـ«الأقصى» هدفاً معلناً

غير أن هذه المقاربة بدأت تتآكل تدريجياً خاصة مع صعود التيارات الدينية والقومية المتشددة داخل «إسرائيل»، التي ترى في «الأقصى» موقعاً يجب إعادة تعريفه بما يتوافق مع الرواية اليهودية، ومع مرور الوقت تحولت الاقتحامات اليومية للمستوطنين إلى مشهد شبه اعتيادي ترافقها حماية أمنية مشددة، في مؤشر واضح على تغير قواعد اللعبة، فالمسألة لم تعد مجرد زيارات، بل تحولت إلى محاولات لفرض حق ديني موازٍ يمهد لتقسيم زماني ومكاني شبيه بما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي الداخلي في «إسرائيل»، فالحكومات المتعاقبة، خاصة تلك التي تعتمد على دعم الأحزاب اليمينية والدينية، تجد في «الأقصى» ورقة تعبئة جماهيرية قوية، ومع تزايد نفوذ هذه التيارات أصبحت السياسات تجاه «الأقصى» أكثر جرأة وأقل اكتراثاً بردود الفعل الدولية أو الإقليمية، بل إن بعض الوزراء والمسؤولين لم يعودوا يترددون في التصريح علناً بنيتهم تغيير الوضع القائم، وهو ما كان يُعد في السابق من المحظورات السياسية.



إستراتيجية الحسم التدريجي وفرض الأمر الواقع

في المقابل، يمكن القول: إن «إسرائيل» لا تزال في بعض جوانب سلوكها تحافظ على منطق إدارة الصراع، فهي تتجنب حتى الآن اتخاذ خطوات صريحة ومباشرة نحو فرض السيادة الكاملة على «الأقصى»، مثل السماح الرسمي بإقامة صلوات يهودية جماعية أو تقسيم المكان بشكل قانوني، هذا التردد يعكس إدراكاً عميقاً لحساسية الملف، وخشية من انفجار شامل قد يهدد الاستقرار الأمني ليس فقط في القدس، بل في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر وربما في الإقليم بأسره.

لكن ما يميز المرحلة الحالية هو الجمع بين المسارين إدارة الصراع من جهة، والحسم التدريجي من جهة أخرى، فبدلاً من اتخاذ قرار حاسم قد يؤدي إلى مواجهة مفتوحة، تعتمد «إسرائيل» على سياسة التآكل البطيء للوضع القائم، يتم ذلك عبر خطوات صغيرة ومتراكمة كزيادة أعداد المقتحمين، وتوسيع أوقات الزيارة، وفرض قيود على دخول الفلسطينيين، وتعزيز الوجود الشرطي داخل ساحات المسجد، والتضييق على دائرة الأوقاف الإسلامية، هذه الإجراءات رغم أنها تبدو محدودة في كل مرة، فإنها في مجموعها تؤدي إلى تغيير عميق في طبيعة السيطرة على المكان.

إستراتيجية الاحتلال بـ«الأقصى» مزيج معقد يعتمد الحسم التدريجي وتجنب المواجهة الشاملة

هذه الإستراتيجية تشبه إلى حد كبير ما يُعرف في العلوم السياسية بـ«سياسة فرض الأمر الواقع»، حيث يتم إحداث تغييرات تدريجية يصعب التراجع عنها مع مرور الوقت، ومع كل خطوة جديدة يصبح الوضع السابق مجرد ذكرى، ويُعاد تعريف الوضع القائم بما يتناسب مع المعطيات الجديدة، وبهذا المعنى فإن الحسم لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكل عبر سلسلة من التحولات الصغيرة التي تفضي في النهاية إلى واقع مختلف جذرياً.

المقاومة الشعبية ومستقبل الصراع على السيادة

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور العامل الفلسطيني في هذا السياق، فالمقاومة الشعبية في القدس والرباط داخل المسجد الأقصى، والرفض المستمر لأي تغيير في هويته، تشكل جميعها عائقاً حقيقياً أمام المخططات «الإسرائيلية»، وقد أثبتت التجارب السابقة مثل «هبَّة باب الأسباط» عام 2017م، أن الفلسطينيين قادرون على فرض تراجع «إسرائيلي» عندما تتوفر الإرادة الجماعية، كما أن ارتباط «الأقصى» بالوجدان العربي والإسلامي يمنحه بُعداً إضافياً يجعل أي محاولة للمساس به محفوفة بالأخطار.

لذلك يمكن القول: إن الإستراتيجية «الإسرائيلية» تجاه «الأقصى» لا تنتمي بشكل كامل إلى نموذج واحد، فهي ليست إدارة صراع تقليدية تهدف إلى تجميد الوضع، ولا هي حسم سريع يسعى إلى فرض واقع نهائي، بل هي مزيج معقد من الاثنين، يعتمد على التدرج واستغلال اللحظات السياسية المناسبة وتجنب الانفجارات الكبرى، وهذا ما يجعل التعامل مع هذه الإستراتيجية أكثر صعوبة؛ لأنها لا تقدم نفسها كخطر مباشر، بل كعملية بطيئة تتسلل إلى الواقع اليومي.

إن فهم هذه الديناميكية يتطلب قراءة متأنية تتجاوز ردود الفعل اللحظية، وتبحث في الاتجاهات طويلة المدى، فـ«الأقصى» ميدان صراع على السيادة والهوية والرواية، وما يجري فيه اليوم قد لا يكون مجرد أحداث متفرقة، بل هو جزء من مسار أوسع يعيد تشكيل معالم الصراع في القدس، وفي ظل هذا الواقع سيبقى «الأقصى» نقطة مقاومة تعرقل أي محاولة للحسم مهما كانت بطيئة، وستحدد مستقبل القدس وربما مسار الصراع مع الاحتلال بشكل كامل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة