غزة في ذكرى «طوفان الأقصى».. رسالة إلى أهل الصبر وأمة المسؤولية
يا أهلنا في
غزة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
نكتب إليكم في
هذه الذكرى -ذكرى طوفان الأقصى- والكلمات تستحي من جراحكم، وتتضاءل أمام ما
حملتموه من أثقال، فما الذي يمكن أن تقوله الكلمات لأم أَغمَضت عينَيْ ولدها
بيديها، أو لأب عاد إلى موضع بيته فلم يجد البيت ولا بعض أهله، أو لطفل كبر في
أعوام قليلة أكثر مما ينبغي لطفل أن يكبر، أو لأسرة حملت ما بقي من حياتها في
حقيبة وانتقلت به من مكان إلى مكان، ثم لم تجد في المكان الجديد إلا انتظارًا آخر
وخوفًا آخر؟ ماذا نقول لمن رأوا من الموت ما لم يكن ينبغي لبشر أن يراه، وذاقوا من
الفقد ما تضيق بحمله النفوس، ومشَوا فوق رُكام بيوتٍ كانت بالأمس دفئًا وذكريات
وضحكات ومائدة تجمع الأسرة، ثم أصبحت حجارة مبعثرة تشهد أن حياة كاملة كانت هنا؟
ولهذا لا أريد
أن أبدأ رسالتي إليكم بكلمة: اصبروا؛ ففي هذه الكلمة، إذا قالها الآمن للمنكوب،
والشبعان للجائع، ومن ينام في بيته لمن فقد بيته وأهله، شيء من القسوة غير
المقصودة إن لم تسبقها مواساة صادقة واعتراف بحجم الألم، لقد صبرتم حتى صار الصبرُ
بعض سيرتكم، وثبتّم حتى أصبح الثباتُ شاهدًا لكم، وحملتم من البلاء ما يجعل واجبنا
أن نربت على أكتافكم لا أن نضع عليها حملًا جديدًا، وأن نقول لكم بكل وضوح: نحن
نعرف أنكم تعبتم، ونعرف أن الجرح عميق، ونعرف أن للصبر دموعًا، وأن للثبات لحظات
ضعف، وأن المؤمن قد يضيق صدرُه ويشتد حزنُه ويغلبه البكاء، ويبقى مع ذلك صابرًا
محتسبًا متعلقًا بربه الكبير المتعال!
وليس الصبر في
شريعة الله أن تتجمد المشاعر، ولا الثبات أن يفقد الإنسانُ إحساسه بالألم، ولا
الرضا أن يكف القلب عن الحزن على الأحبة، لقد بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- ابنَه إبراهيم وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى
ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، رواه البخاري. فاجتمع في قلبه
الشريف كمالُ الرضا وصدقُ الحزن، ولم يكن أحدُهما نقيضًا للآخر، ومن هنا نقول
لأهلنا في غزة: لا يحملنكم حديثُ الناس عن صمودكم على أن تُخفوا وجعَكم، ولا
تجعلوا صورة البطولة التي رسمها العالمُ لكم عبئًا جديدًا فوق أعبائكم؛ فلكم أن
تبكوا أحبتكم، وأن تشتاقوا إلى بيوتكم، وأن تتعبوا من طول الطريق، وأن تتمنوا
يومًا عاديًّا بلا قصف ولا نزوح ولا جوع ولا خوف، واللهُ الذي أمركم بالصبر هو
أرحم بضعفكم من الخلق جميعًا، وهو القائل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
يا أهل غزة.. لقد علم الله ما قدمتم
قد ينسى العالم،
وقد تتغير عناوينُ الأخبار، وقد تنصرف الشاشات إلى حرب أخرى أو أزمة أخرى، وقد
تتحول المأساةُ إذا طال أمدها في وعي البعيدين إلى أرقام تتكرر حتى تفقد قدرتها
على الإدهاش؛ ولكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب مؤمن: أن الله لا ينسى. ما
من ليلة خوف عشتموها إلا علمها، ولا دمعةٌ كتَمتْها أمٌّ حتى لا يراها أطفالُها
إلا رآها، ولا أبٌ اقتسم كسرة الخبز بين صغاره وبقي جائعًا إلا أحصى الله جوعَه
وإيثاره، ولا طبيبٌ واصل عمله بما بقي بين يديه من دواء، ولا مُسعفٌ اندفع إلى
جريح وهو يعلم أنه قد يصبح الجريحَ التالي، ولا معلمٌ جمع الأطفال ليحفظ لهم شيئًا
من علمهم وطفولتهم، ولا جارٌ آوى جاره، ولا امرأة تماسكت بعد فقْد زوجها لتُقيم
لأطفالها ما بقي من معنى البيت، ولا طفلٌ حمل الماء لأسرته وهو أحوج إلى أن يحمل
حقيبته المدرسية؛ إلا كان ذلك كله في علم الله الذي لا يغيب عنه مثقالُ ذرة.
وهنا تتجلى إحدى
أعظم مواساة القرآن للمنكوبين: أن الأشياء قد تضيع في الدنيا، ولكن ما كان لله لا
يضيع. قد يضيع البيت الذي أمضى صاحبُه عمرًا في بنائه، ويذهب المالُ الذي جُمع
عامًا بعد عام، وتحترق الصور والوثائق والكتب والذكريات، ويفقد الإنسانُ أشياء لا
يستطيع أحدٌ أن يعيدها إليه كما كانت؛ ولكن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115]، وبين كل ما يمكن أن يضيع في هذه
الدنيا يبقى هذا اليقين حصنًا للقلب: أن شيئًا واحدًا لا يضيع أبدًا، وهو ما
استودعه الإنسانُ عند الله من إيمان وصبر وإحسان واحتساب.
عند الله لا تتحول آلامكم إلى أرقام
إن من أقسى ما
تفعله الحروب الطويلة بالإنسان أن تحوله في نشرات الأخبار إلى رقم؛ فيقال: قُتل
كذا، وجُرح كذا، ونزح كذا، وهُدم كذا، وتختفي وراء الأعداد أسماءٌ ووجوهٌ وحكاياتٌ
وعلاقاتٌ وذكرياتٌ وآلامٌ وآمال، غير أن ميزان السماء ليس كذلك؛ فعند الله لا يوجد
إنسانٌ مجهول، ولا دمعة بلا اسم، ولا وجع يذوب في المجموع؛ هناك الأم التي يعرف
اللهُ اسم ولدها ومقدار حبها له، وهناك الطفل الذي يعلم اللهُ خوفه، وهناك الأب
الذي يعرف الله ما انكسر في قلبه، وهناك المريض الذي أحصى الله أنفاس ألمه، وهناك
كل إنسان بما حمل في صدره وما قاله وما لم يستطع أن يقوله.
ولهذا كانت
الآخرةُ ضرورة من ضرورات العدل في التصور الإسلامي؛ لأن الدنيا أضيق من أن تستوعب
الجزاء الكامل على كل خير أو القصاص الكامل من كل ظلم، كم من مظلوم رحل قبل أن يرى
إنصافه، وكم من أم ماتت وفي قلبها سؤال لم يجب عنه أحد، وكم من طفل غادر الدنيا
قبل أن يفهم لماذا هُدم بيته أو فُقد أهله، ولو كانت الدنيا الصفحةَ الأخيرة
لبقيتْ أسئلة كثيرة بلا جواب، ولكنها ليست الصفحة الأخيرة؛ ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:
42]، ويقول في جزاء الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وإذا كان البشر يستطيعون إحصاء الأيامِ والخسائر
والبيوت والأموال، فإن الله فتح للصابرين بابًا لا يدخل تحت قوانين حساب البشر
أصلًا: "بغير حساب"؛ وحسب القلب المتعب سكينةً أن يعلم أن الذي يتولى
جزاءه هو رب العالمين.
تضحياتكم لن تمر بلا أثر
ولعل سؤالًا
يطرق قلب بعض أهل غزة بعد هذا الثمن الفادح: ماذا صنعت هذه التضحيات؟ وهل يمكن لكل
هذا الألم أن يترك أثرًا يليق بما دُفع من ثمن؟ والواجب هنا ألا نقدم وعودًا لا
نملكها، ولا أن نجزم بمستقبل سياسي لا يعلمه إلا الله؛ لكننا نستطيع أن نقول إن
غزة أحدثت بالفعل تحولًا عميقًا في حضور القضية الفلسطينية داخل الضمير الإنساني.
لقد دخلت صور أطفالها ونسائها وأطبائها ومسعفيها وصحفييها وبيوتها المهدمة إلى
بيوت ومجتمعات وجامعات ومنابر في أنحاء العالم، وأصبحت الأسئلة المتعلقة بالعدالة
وحقوق المدنيين وفلسطين أكثر حضورًا في أوساط وأجيال لم تكن القضية تحتل في وعيها
هذه المساحة من قبل، وهذا أثر لا ينبغي الاستهانة به، وإن كانت نتائجه التاريخية
الكاملة لا يمكن قياسها الآن.
إن أهل البلاء
لا يرون دائمًا مدى الأثر الذي يُحدثه بلاؤهم في الآخرين؛ فالواقف في قلب العاصفة
منشغل بالنجاة منها، ولا يستطيع أن يقيس المسافات التي بلغها صداها، وربما احتاج
العالم سنواتٍ طويلةً حتى يدرك كيف غيّرت غزة لغة أجيال كاملة وأسئلتها الأخلاقية
ونظرتها إلى فلسطين والعدالة والقوة والقانون الدولي، والتاريخ يعلمنا أن بعض
التحولات الكبرى تبدأ في الضمير قبل أن تظهر في السياسة، وأن بذورًا تُغرس في لحظة
الألم قد لا يرى زارعها موسم حصادها؛
ولذلك لا ينبغي أن تقاس تضحيات أهل غزة فقط بما يظهر من نتائج عاجلة؛ فآثار
الأحداث الكبرى أوسع من لحظتها، وأطول من أعمار الذين شهدوا بدايتها.
لكنني لا أريد
أن يكون عزاؤكم معلقًا بالتاريخ وحده؛ فالتاريخ قد ينصف وقد يجور، والبشر قد
يتذكرون وقد ينسون، والمواقف الدولية تتغير بتغير المصالح، وقد يرى الإنسان ذلك في
حياته وقد يتحقق بعد مماته: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ
مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ
مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41-42]. أما ميزان الله فلا يتغير، فإذا كان لصبركم أثر
في تغيير وعي العالم، فذلك خير نرجوه ونقدره؛ لكن وراء هذا الأثر أثرًا أعظم لا
يتوقف على اعتراف أحد، ولا يحتاج إلى تصويت مؤسسة، ولا إلى شهادة مؤرخ: ما ادخره
الله لكم من أجر، ومن هنا يصبح المعنى الأخروي في قلب المأساة ليس تعزية هروبية من
الواقع، بل تثبيتًا للعدل في أوسع معانيه؛ فما عجزت الدنيا عن تعويضه، وما لم
يستطع التاريخ أن يكافئ عليه، وما لم يعرف البشر أصلًا أنه وقع، محفوظ عند من ﴿لَا
يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52].
صفحات لا يكتبها المؤرخون
ربما يكتب
المؤرخون يومًا آلاف الصفحات عن غزة، وتنعقد المؤتمرات، وتصدر الكتب والدراسات،
وتتناول الجامعات ما جرى فيها من زوايا السياسة والقانون والاجتماع والنفس
والعمران؛ لكن هناك تاريخًا آخر لن يستطيع المؤرخون كتابته: تاريخ القلوب ساعة
البلاء. لن يستطيع مؤرخ أن يعرف مقدار دمعة نزلت في جوف الليل ثم مسحها صاحبها
وقال: الحمد لله، ولا مقدار الصراع في قلب أم دفنت ولدَها ثم رفعت يديها إلى
السماء، ولا ما دار في نفس أب حين عاد إلى أطفاله وهو لا يعرف ماذا سيطعمهم، ولا
معركة إنسان قاوم اليأس في داخله كي يبقى قلبه موصولًا بالله .. تلك صفحات لا
تلتقطها الكاميرات، ولا تحفظها الأرشيفات، ولكنها مكتوبة في كتاب لا يغادر صغيرة
ولا كبيرة إلا أحصاها.
وفي هذا المعنى
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ
ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من
خطاياه"، متفق عليه. فإذا كان الله لا يترك ألم شوكة يمر على المؤمن بغير أثر
في ميزانه، فكيف بسنوات من الخوف والفقد والجوع والنزوح والحرمان؟ نحن لا نشهد
لأحد بعينه بمنزلة مخصوصة عند الله، فذلك من علمه وحده، ولكننا نؤمن بوعده العام
الذي لا يتخلف: أن الصبر لا يضيع، وأن الألم المحتسب لا يذهب سدى، وأن الجزاء يوم
القيامة أوسع من قدرة عقولنا على التصور، وقد قال ابن عطاء الله السكندري:
"إنما جعل الدار الآخرة محلًّا لجزاء عباده المؤمنين؛ لأن هذه الدار لا تسع
ما يُريد أن يعطيهم، ولأنه أجلَّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها"؛
ولهذا نقول لكل قلب مكلوم في غزة: إذا عجز العالم عن أن يعطيكم ما تستحقون، وإذا
قصر التاريخ عن إنصاف كل واحد منكم باسمه وقصته ودمعته، فكفى بالله مُثيبًا، وكفى
بالله مجازيًا، وكفى بالله عالمًا بما قدمتم.
لا نريد منكم بطولة بلا دموع
لقد أكثر العالم
من الحديث عن «صمود غزة»، وهي كلمة حق تحمل من الإعجاب بأهلها ما يحمل، لكنني أخشى
أن تتحول مع كثرة استعمالها إلى عبء آخر يوضع على أكتاف المنكوبين؛ فكأن المطلوب
من أهل غزة أن يبقوا أقوياء دائمًا، وأن يقدموا للعالم صورة البطولة حتى وهم
ينزفون، والحقيقة أن أهل غزة بشر قبل أن يكونوا رمزًا، ومن حقهم أن يتعبوا ويحزنوا
ويشتاقوا إلى حياة عادية؛ من حق الأب أن يريد بيتًا آمنًا لا بطولة، ومن حق الأم
أن تريد ليلة تنام فيها مطمئنة على أطفالها، ومن حق الطفل أن يريد مدرسة وكتابًا
ولعبة لا خيمة وركامًا، ومن حق المريض أن يجد دواءه دون أن تتحول رحلةُ العلاج إلى
معركة أخرى، وليست هذه الأمنيات الصغيرة نقيضًا للصمود، بل هي الغاية التي من
أجلها تكون الكرامة ويكون العمران وتُحفظ الحياة.
ومن هنا فإن
الوفاء الحقيقي لأهل غزة لا يكون بترديد الإعجاب بصمودهم وحده، وإنما بالسعي لأن
لا يضطروا إلى الصمود بهذه الصورة إلى الأبد، فمقاصد الشريعة لا تقف عند حفظ
الإنسان من الموت، بل تتطلع إلى حفظ حياته وكرامته وعقله وأسرته وماله وأمنه
وقدرته على العبادة والعلم والعمل والعمران، وواجب العالم تجاه غزة ليس أن يطالب
أطفالها بأن يصبحوا أكثر احتمالًا للجوع، ولا أمهاتها بأن يصبحن أكثر اعتيادًا على
الفقد، وإنما أن يعمل ليتوقف الجوع والفقد والخوف، وأن يستعيد الإنسان حقه في أن
يعيش حياة طبيعية كريمة، فإن أصدق تكريم لصمود غزة أن نعمل ليأتي يوم لا تحتاج فيه
إلى هذا القدر الأسطوري من الصمود.
يا أمة الإسلام.. صبر غزة ليس إعفاءً لنا
وإذا كان الخطاب
إلى أهل غزة يقتضي المواساة والتقدير والاعتراف بما قدموا، فإن الخطاب إلى الأمة
ينبغي أن يكون خطابَ مسؤولية ومحاسبة؛ فقد تحمَّل أهلُ غزة ما لا يجوز أن يتحول
إلى حجة لتقصير غيرهم، إن من أسوأ ما يمكن أن نصنعه أن نُعجَب بصبرهم حتى نجعلَ
صبرَهم بديلًا عن فعلنا، أو أن نطالبهم بالثبات كلما اشتد عليهم البلاء بينما نخفض
نحن سقفَ واجباتنا تجاههم، إن صبر غزة ليس إعفاءً للأمة من المسؤولية، بل مضاعفة
لهذه المسؤولية؛ وكلما ازداد الحمل على المنكوب ازداد السؤال الموجَّه إلى القادر:
ماذا فعلت مما تستطيع؟
ولا يطلب الشرعُ
من أحد ما لا يقدر عليه، لكنه لا يعفي قادرًا مما يقع في وسعه؛ فللعالم مسؤوليته
في البيان، ولصاحب المال مسؤوليته في البذل، وللطبيب مسؤوليته في الإغاثة والعلاج،
وللمؤسسة الإنسانية مسؤوليتها في الكفالة والإيواء والإعمار، وللإعلامي مسؤوليته
في حفظ الحقيقة من النسيان، وللقانوني والحقوقي مسؤوليته في استخدام الوسائل
القانونية المشروعة لحماية الحقوق ومساءلة من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات،
وللمربي والكاتب مسؤوليتهما في حفظ فلسطين في وعي الأجيال، وقد قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، رواه مسلم، ودقة التعبير
النبوي في لفظ "تداعى" جديرة بالتأمل؛ فالجسد لا يكتفي بمعرفة أنَّ
عضوًا منه يتألم، وإنما يستجيب له كلُّه، وهكذا ينبغي أن يكون معنى الأخوة: شعورًا
يتحول إلى فعل، ورحمةً تتحول إلى مسؤولية.
وما عند الله خيرٌ أبقى
يا أهلنا في
غزة؛ لست أزعم أن الكلمات تستطيع أن تبني بيتًا هُدم، أو تعيد حبيبًا رحل، أو تمحو
من ذاكرةِ طفلٍ ليلةً من ليالي الخوف، ونستحي أن نقدم لكم الكلمات بدل الحقوق، أو
المواساة بدل العمل، أو الدعاء ذريعة للتخفف من الواجب، ولكن للكلمة الصادقة وظيفة
لا ينبغي الاستهانة بها: أن تقول للمتعب إن ألمه مرئي، وللمكلوم إن مصابه معلوم،
ولمن طال عليه الطريق إنه ليس رقمًا في نشرة أخبار، وأن تذكّره قبل ذلك وبعده بأن
الله يراه ويسمعه ويعلم ما في صدره، وأن كل ما خفي على الخلق ظاهر عند الخالق.
ولذلك فإن
رجاءنا لكم لا نعلقه بوعد سياسي لا نملكه، ولا بموعد لا نعلمه، وإنما نعلقه أولًا
بمن بيده الأمر كله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:
153]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، وهذه المعية ليست كلمة تقال لتسكين الألم، وإنما عقيدة
يحمل بها المؤمن ما يعجز عن حمله وحده؛ فحين تضيق الأسباب يبقى رب الأسباب، وحين
يتغير الناس لا يتغير الله، وحين تتبدل المواقف لا يتبدل وعده، وحين تعجز موازين
الدنيا عن تحقيق العدل الكامل يبقى وراءها يوم سماه الله يوم الدين، لا تضيع فيه
مظلمة ولا حسنة ولا دمعة.
يا أهل غزة؛ لقد
عرفنا بلاءكم، ورأينا جانبًا من تضحياتكم، وأدركنا أن وراء ما رأيناه أضعافًا لم
تره الكاميرات ولم تنقله الأخبار، وسيبقى لصبركم أثر في ذاكرة هذه الأمة، ونرجو أن
يكون لما تحملتموه أثر بعيد في ضمير العالم ووعيه وموقفه من فلسطين؛ لكن فوق ذاكرة
الأمة وضمير العالم وتاريخ البشر جميعًا كتاب لا يضيع فيه شيء. هناك تحفظ الدمعة
التي لم يرها أحد، والصدقة التي لم يعلم بها أحد، والصبر الذي لم يصفق له أحد،
والخوف الذي قاومه صاحبه وحده، واللقمة التي آثر بها أبٌ أبناءه، والدعاء الذي خرج
من قلب أمٍّ في جوف الليل، وهناك فقط يظهر الحسابُ كاملًا، وتنكشف قيمةُ الأشياء
على حقيقتها، ويوفَّى الصابرون أجرهم كما وعد الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
فيا أهلنا في
غزة، إذا أعياكم الطريقُ فتذكروا أن الله يعلم كل خطوة فيه، وإذا أثقل الفقد
قلوبَكم فتذكروا أن الدنيا ليست دار اللقاء الأخير، وإذا خذلكم البشر فلا تجعلوا
خذلانهم يحجب عنكم معية الله، وإذا رأيتم أن تضحياتكم أكبر من الجزاء الذي يستطيع
العالم تقديمه فلا تحزنوا؛ فإن أجركم لم يُكتب في دفاتر العالم أصلًا حتى يضيع
فيها، إنه عند الله، وما عند الله خير وأبقى، وقد يهتز العالم بما رأى منكم، وقد
تتغير بسببه أفكار ومواقف وأجيال، وذلك أثر عظيم نرجوه؛ لكن الجائزة الكبرى ليست
هنا، والجزاء الأكمل ليس في هذه الدنيا، فكفى بالله شاهدًا على ما عانيتم، وكفى
بالله حافظًا لما قدمتم، وكفى بالله جابرًا لما انكسر من قلوبكم، وكفى بالله
مثيبًا ومجازيًا، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً