الهجرة من المطاردة إلى تغيير المفاهيم وصناعة الحضارة

الهجرة من المطاردة إلى تغيير المفاهيم وصناعة الحضارة

13 عامًا من المعاناة المصحوبة بأعلى درجات الصبر، لا يكاد يمر يوم إلا ويقع لون من ألوان الأذى على المؤمنين، حتى بلغ الأمر ذروته في حصار شعب أبي طالب بوصفه نموذجًا صارخًا للقطيعة والإقصاء والتضييق.

كان مفهوم القوة آنذاك في المجتمع المكي قائمًا على معايير المال والعشيرة والنفوذ؛ فالقوي هو من يملك السلطة، ويفرض سطوته على غيره، ويحتمي بالقبيلة.

ظنت قريش حين ظهرت الدعوة أن سيادتها التجارية والاجتماعية كفيلة بإخماد الدعوة الناشئة، فضلاً عن حصرية البيت الحرام الذي تقوم على شأنه، وكان يمكن للدعوة الناشئة ألا تصمد أمام هذا الطغيان المتجذر، الذي صار أصلاً في البيئة وقانوناً يشبه قانون الطبيعة، والمسببات الناتجة عن السبب اللازم.

لقد بدا المسلمون في أول الأمر قلة مضطهدة تتعرض للأذى والمقاطعة والتنكيل، حتى خُيّل لكثير من الناس أن ميزان القوة قد حُسم نهائيًا لصالح قريش؛ غير أن التاريخ كثيرًا ما يخفي تحولات كبرى لا تُقاس ببداياتها الظاهرة؛ فالأفكار العظيمة لا تبدأ غالبًا محاطة بأسباب التمكين، بل تولد في ظروف المقاومة والحرمان، فكيف إذا كانت رسالة خاتمة يحملها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؟ وقد وصف صلى الله عليه وسلم حال العالم قبل البعثة: «.. إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب».

جاءت البعثة على إثر التردي الذي وقع في الكون، فوقف لها أهل مكة بالمرصاد، وكان كثير منهم يعلم صدق الرسالة، لكن الكبر والحمية حالا بينهم وبين اتباعها، وقد عبّر أبو جهل عن هذا المعنى حين قال: واللَّه إني لأعلم أن ما يقول محمد (صلى الله عليه وسلم) حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، فقالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، فقلنا نعم، ثم أطعمنا، حتى إذا تحاكّت الركب قالوا: منا نبيّ، واللَّه لا أفعل، فلم يكن رفضه ناشئًا عن غياب القناعة، أو ضعف حجة الحق، لكنه كان عصبية مقيتة قادت للكفر والهلاك.

وكذلك كان موقف جل اليهود؛ إذ سُئل حيي بن أخطب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟ قال: نعم، قيل: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قيل: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت، وهكذا قد يعرف الإنسان الحق ثم يمنعه الحسد أو الكبر من اتباعه.

الهجرة.. وإعادة تعيين مفهوم القوة

جاءت الهجرة ضرورة فرضتها وقائع الأحداث الجارية على مدار 10 سنوات هي عمر الدعوة الجهرية، وكانت سبقتها ثلاث أخرى، فجاءت الهجرة بعد 13 سنة، لكنها لم تكن هروبًا من المواجهة، وإنما انتقال من البيئة المعادية إلى أفق الرسالة القادرة على صناعة المستقبل، لقد أرادت قريش أن تحاصر الدعوة بعزيمة لا تلين في المجابهة داخل المكان، فجاءت الهجرة لتعلن أن الرسالة أوسع من حدود الجغرافيا الضيقة التي حاولت قريش حبسها فيها.

إن الهجرة لم تغير موقع المسلمين الجغرافي فحسب، بل غيّرت مفهوم القوة ذاته؛ فلم تعد القوة مجرد غلبة عسكرية أو سيطرة قبلية، بل أصبحت قدرة على الثبات على المبدأ؛ ولذلك ترك المؤمنون وطنهم على مضض؛ إيمانًا بأن السعي لتمكين الدين وانتشار شريعته، أعظم مما يحمله المكان وموطن النشأة الأولى، فالرسالات، والدعوات التي تحيي القلوب وتعيد تأهيل العقول، وتسعى لصناعة إنسان الاستخلاف، وتحقيق مبدأ الشهادة على الناس، بحاجة لطول الصبر من ناحية.

كما أنها لا تُبنى بالمساومات، ولا بالتنازلات، فتلك تصرفات الساسة، لا أخلاق المصلحين، وكثير من المصلحين والدعاة يجتر أخلاق الساسة إلى ساحة الدعوة، رغبة في توسيع الآفاق، أو تمديد الجغرافيا، لكن الدعوة تكسب حيناً وتخسر بعدها دهوراً، كما أنه يصعب أن تطور الدعوة آفاقها وتوسع آمادها في ظل الحصار الممتد، والتضيق الممنهج الذي لا تبدو له نهاية.

بناء المدينة

جاء الذهاب إلى المدينة كخيار لا مناص منه، عمل فيه الإلجاء والمطاردة دوراً فاصلاً، لكن سرعان ما تحولت المدينة إلى نواة الخير التي وصلت إلى كل بقاع الأرض، وقد تحول المطاردون بالأمس إلى مجتمع منظم يقوم على المؤاخاة والعدل والتكافل، لا مكان فيه للعرق أو القبيلة.

يقول الشيخ البوطي عن الأساس الذي عليه قامت الأخوة: «لقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى التي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق؛ إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة، فأصبح كل منهم ملكاً لأنانيته وأثرته وأهوائه».

ويقول الغزالي عن التجليات والآثار والواجبات التي ترتبت على ذلك: «جعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة عقداً نافذاً؛ لا لفظاً فارغاً، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال؛ لا تحية تثرثر بها الألسنة، ولا يقوم لها أثر».

(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)؛ فقد صنعت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نموذجًا إنسانيًا تجاوز الحسابات المادية، ووفّرت البيئة النفسية والاجتماعية اللازمة للنهضة القادمة، ثم جاءت وثيقة المدينة لتؤسس مفهومًا متقدمًا للتعايش والتنظيم السياسي، فظهرت القوة الحقيقية للمجتمع المسلم؛ قوة قائمة على الثقة والعدل والانضباط، لا على الرهبة وحدها.

التأثير العالمي

أطلقت الهجرة قوة امتد أثرها إلى العالم؛ فالإسلام لم ينتشر -كما يروّج خصومه- بالسيف، بل بما حمله من نموذج أخلاقي قائم على العدل والرحمة وحفظ الكرامة الإنسانية، مع اعتبار القوة والإعداد جزءًا أصيلًا في بناء الدولة، ويمكننا أن نردد مطمئنين مقولة الشيخ الغزالي: إن الإسلام انتشر بالحق لا بالسيف، وانتصر على السيف الذي اعترض طريقه، ولم يكن السيف في يده أداة إرغام أو قسر على الدخول في الإسلام؛ وبذلك تحولت المدينة إلى مركز إشعاع حضاري خرجت منه قيم العلم والتنظيم والأخلاق، حتى غدت الحضارة الإسلامية من أعظم الحضارات تأثيرًا بقوة الإقناع والنموذج المعرفي القائم على احترام الآخر.

درس معاصر

لا تزال الهجرة تحمل معاني تتجاوز بعدها التاريخي؛ فكثير من الناس يعيشون اليوم صورًا من الاستضعاف الفكري أو الأخلاقي، ويحتاجون إلى هجرة داخلية تنقلهم من الركود إلى البناء، ومن التبعية إلى الوعي، ومن الانطفاء إلى الفاعلية، فالهجرة ليست مجرد مغادرة للأماكن، وإنما تحرر من كل ما يعيق نمو الإنسان الروحي والفكري.

والدرس الأكبر أن الأمم قد تبدأ نهضتها إذا امتلكت الفكرة القادرة على صناعة المستقبل، حتى ولو من لحظة تبدو في ظاهرها ضعفًا أو خسارة؛ فقد خرج المسلمون من مكة قلةً مطاردة، لكنهم حملوا قوة الرسالة، فصنعوا حضارة امتد أثرها إلى العالم، وهكذا غيّرت الهجرة مفهوم القوة، فلم تعد تفوقًا ماديًا فحسب، بل قدرة على صناعة المعنى، وإحياء القيم، وبناء الإنسان، والثبات على الحق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة