الدراما التاريخية.. غياب أم تغييب؟
لا يمل المشاهد
العربي من تكرار سؤاله الملحّ عن غياب الدراما التاريخية حين يعاين جيوشاً جرارة
من المنتجين والممثلين تشمر عن سواعدها متهيئة لخوض ما يعرف مع، كامل الأسف، بـ«السباق
الرمضاني»، أو تلك العادة السيئة التي بدأت منذ عقود في المحروسة مصر من خلال لمة
العائلة لمشاهدة مسلسل معين يحمل هدفاً نبيلاً، ويطرح قضية اجتماعية شائكة، أو
يناقش موضوعاً وطنياً يبعث على الفخر ويسمي الأشياء بمسمياتها.
حينها كانت
القنوات الفضائية تعد على رؤوس الأصابع قبل أن تحدث الهبة التلفزيونية، ويتحول شهر
العبادة إلى «سوق عكاظ» الدراما العربية لدرجة التخمة وبشكل يبعث على الدهشة
والاستغراب!
السؤال المتجدد
الذي يمكن رصده من خلال جولة بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي: أين الدراما
التاريخية؟ وهل هي غائبة أم مغيّبة؟
هذا الحنين
المستبد بالمتلقي العربي يدفعه للعودة إلى الدفاتر العتيقة والأرشيف من خلال طرح
مقارنات بين ما أضحى يصنف في خانة الكلاسيكيات العربية على غرار مسلسلات «الزير
سالم»، والثلاثية الأندلسية «صقر قريش» و«ربيع قرطبة» و«ملوك الطوائف» للثنائي
المميز د. وليد سيف؛ كاتباً، والراحل حاتم علي؛ مخرجاً، دون إغفال مسلسلات مصرية
مثل «عمر بن عبدالعزيز»، و«هارون الرشيد» وغيرها الكثير، وبين الفراغ المهول الذي
يراه اليوم لتزداد الحيرة وتتعاظم الشكوك فيما وصلت إليه حال الدراما العربية.
نهاية الحقبة الذهبية
يمكن الجزم بأن
مسلسل «عمر» عن سيرة الفاروق رضي الله عنه الذي أبصر النور عام 2012م من إنتاج «تلفزيون
قطر» وجهات عربية أخرى، وكانت الميزانية المخصصة له قياسية وغير مسبوقة بتاريخ
الدراما العربية؛ إذ بلغت حوالي 200 مليون ريال سعودي (53 مليون دولار)، واستمر
تصويره والتحضير له عامين، وكان طاقم المسلسل وصل لأكثر من 30 ألف شخص بين ممثلين
وتقنيين ومشرفين.
ورغم الجدل الذي
رافقه، فإن هناك لجنة من كبار العلماء اطّلعت على النص وأجازت عرضه، وكانت مشكَّلة
من الشيوخ الأفاضل يوسف القرضاوي، وعبدالوهاب الطريري، وعلي الصلابي، وسعد مطر
العتيبي، وسلمان العودة، وأيضاً أكرم ضياء العمري.
من هذا المنطلق،
نجد حالة من الرضا التام سادت بعد عرض المسلسل سواء من جانب الهيئات الدينية، وحتى
النقّاد المتخصصين، وصولاً للمتلقي العادي؛ لكن الملاحظ أن هذا العمل الضخم إنتاجياً
الذي تلته أحداث «الربيع العربي» شكَّل منعطفاً حاسماً في حضور الدراما التاريخية
على الشاشات العربية، حيث بدأت بالأفول التدريجي وصولاً للغياب التام ولسنوات
متتالية في خطوة غير مسبوقة أثارت استغراب المشاهدين الذين يحبذون رؤية هذه
النوعية خلال الشهر الفضيل.
دراما تاريخية من أجل «الترند»
نعم منذ توقف
ثنائية وليد سيف، وحاتم علي، وتدهور أوضاع الدراما السورية التي صنعت مجدها الرئيس
أساساً من الأعمال التاريخية سواء من خلال ما يعرف بـ«الفانتازيا التاريخية» التي
كان عرابها الكاتب الراحل هاني السعدي، رفقة شريكه المخرج نجدة أنزور وأثمرت
مسلسلات من قبيل «الجوارح» و«الكواسر» و«البواسل» و«المسلوب» و«الموت القادم إلى الشرق»..
وغيرها؛ مروراً بالأعمال الموثقة لشخصيات تاريخية بارزة على غرار «صلاح الدين الأيوبي»
و«الحجاج بن يوسف الثقفي» و«ذي قار» و«المرابطون والأندلس»، والكثير من المسلسلات
التي خلَّفت انطباعات راسخة في ذاكرة ووجدان الجمهور العربي.
لكننا وبعد
مرحلة عام 2012م بدأنا ندخل في مرحلة الدراما التاريخية المعدة من أجل تسلق سلم «الترند»؛
على سبيل المثال لا الحصر نجد مسلسلات أنتجت بميزانيات هائلة، لكنها تفتقر لمضمون
جاد وتركز على عناوين عريضة لإثارة الجدل، وحتى اللغة العربية الفصحى المستخدمة في
الحوارات تبدو بعيدة كل البعد عن السياق التاريخي للأحداث.
وكان آخر
النماذج الحية مسلسل «معاوية» الذي عرض في العام الماضي وأثار ضجة واسعة ووقع في
عدة مطبات وأخطاء بشهادة العلماء وكبار المتخصصين، وقبله كانت هناك مسلسلات من
قبيل «هارون الرشيد» الذي أنتج عام 2018م واختصر شخصية بهذا الحجم في صراع الجواري
من أجل تقليد المسلسلات التركية.
ونجد أيضاً
مسلسل «سمرقند» (2016م) الذي سار على نفس المنوال، كما أشعل مسلسل «المهلب بن أبي
صفرة» الصراع بين بعض الدول حول أحقيتهم بنسب الشخصية، كما فعل أيضاً مسلسل «فتح
الأندلس» وأعاد نقاش الهوية وأصول سكان شمال أفريقيا للواجهة.
وإذا حذفنا ما
تم ذكره، لم تترك هذه الأعمال أثراً يذكر، وانتهت صلاحيتها بعد إسدال الستار على آخر
مشهد فيها وتوقف المناوشات الإلكترونية التي تؤججها مواقع التواصل الاجتماعي خلال
فترة العرض.
أزمة إنتاجية أم فقر في الكتابة والنصوص؟
الجواب المتكرر
على لسان أغلب المنتجين العرب اليوم حين يقابلون بسؤال حول غياب الأعمال التاريخية،
يختصر في عدم قدرة المنتج على تحمل التكاليف الباهظة بمفرده لا سيما في غياب
ضمانات حقيقية من لدن القنوات على الشراء؛ وبالتالي العرض التلفزيوني المرتبط هو الآخر
بعدة شروط مستجدة في الوقت الراهن، ولم تكن موجودة في الماضي، حيث تغير الخط
التحريري للقنوات، وشروط المعلنين، وتفاصيل أخرى معقدة تحد من قدرة المنتج على خوض
مغامرة غير محسوبة العواقب.
هذه نقطة مفصلية،
تليها أخرى لم تعد تخفى على القاصي والداني، وتتجلى في عدم وجود كتَّاب بنفس
القدرة والزخم المتوفر منذ سنوات في الأجيال السابقة، أسوة بأسماء من قبيل الراحل
ممدوح عدوان مثلاً الذي كتب مسلسلات مثل «الزير سالم» و«المتبني».
وهنا لا بد من
استحضار خطوة تبرز بجلاء الزاد الثقافي والرصيد المعرفي لدى هؤلاء، فحين عرض «الزير»
عام 2000م، وحاولت بعض الأسماء التشكيك في الخط السردي المبالغ فيه لكاتب
السيناريو، لم يتوانَ عدوان في الرد على كل تلك الاتهامات، وحتى الانتقادات
الصائبة من خلال إصدار كتاب خاص حمل عنوان «الزير سالم.. البطل بين السيرة
والتاريخ والبناء الدرامي» ليرد بطريقة أكاديمية مدروسة على كل الآراء في لفتة
تعكس حجم رقي النقاش والحوار الصحي الدائر حول شخصية تاريخية لها ما لها وعليها ما
عليها.
وهنا يكمن دور
الدراما أساساً من خلال إحياء الحوار والعودة للنبش في المصادر والكتب والمعاجم
لإثراء المشهد الفني والثقافي؛ ما ينعكس على المتلقي كطرف أصيل في المعادلة كذلك.
أيضاً لا يمكن
تجاهل الإرث المهم الذي يحمله كاتب أكاديمي من الطراز الرفيع وهو قامة أدبية تبعث
على الاعتزاز، ونقصد د. وليد سيف، والثورة الهائلة التي أحدثتها نصوصه الدرامية
التي تحمل إسقاطات عجيبة على الواقع العربي الراهن، منذ ميلاد ثنائيته مع الراحل
حاتم علي، التي بدأت بمسلسل «صلاح الدين الأيوبي»، وصولاً لـ«الملك فاروق» بمصر، و«التغريبة
الفلسطينية»، والثلاثية الأندلسية التي لم يسعف القدر علي في استكمالها بالجزء
الرابع الذي يحمل «غرناطة آخر الأيام».
ومن خلال
تواصلنا مع محيط الكاتب، علمنا أن الجزء الأخير تم الانتهاء من كتابته وجاهز
للتصوير، لكن في غياب أي جهة إنتاجية تتولى المهمة التي يتمنى الكثيرون في الوطن
العربي أن تبصر النور؛ ليغلق هذا المشروع المهم الذي يوثق لحقبة التواجد العربي في
الأندلس التي امتدت لثمانية قرون مكتنزة بالدروس والعبر والمحطات.
عودة «تلفزيون قطر» للواجهة
من الإنصاف
الحديث عن الدور البارز لـ«تلفزيون قطر» في إنتاج المسلسلات التاريخية منذ عقود
خلت؛ وقد لا يعرف البعض أنه أشرف على مسلسلات مثل «ابن تيمية» و«عبدالرحمن بن
خلدون» و«نور الدين زنكي» و«مصرع المتبني» في عام 1985م.
وصولاً لفترة
شهدت كثافة متواصلة وأفرزت أعمالاً خالدة مثل «الحجاج» و«ذي قار» و«القعقاع بن
عمرو التميمي» و«زمان الوصل» و«امرؤ القيس» و«آخر أيام اليمامة».
لتتوقف لسنوات
وتحديداً في عام 2012م كما سبق وذكرنا، لتعود للواجهة في العام 2025م بمسلسل حمل
عنوان «سيوف العرب» يوثق لمرحلة نشأة السيف العربي في إطار درامي وتوثيقي.
وتواصل المؤسسة
القطرية المغامرة العام الجديد بمسلسل «أبطال الرمال» المكون من 15 حلقة تتوزع على
3 خماسيات؛ الأولى حول الصعاليك وما ارتبط بهم من سرديات الجاهلية، والثانية عن
الخنساء وشعرها وتاريخها، والثالثة تحكي سيرة زبيبة من زاوية جديدة تسلط الضوء على
دور الأم في تكوين شخصية عنترة.
هذه الدينامية الجديدة قد تكون مؤشراً مهماً لعودة عجلة الدراما التاريخية للدوران وكسر الجمود الحاصل، وأيضاً قد تشجع أطرافاً أخرى على المضي قدماً في البحث عن تحديات جديدة، مع العلم أن هناك مؤشرات قوية على تواجد مسلسل «حاتم الطائي» للمنتج والمخرج الكويتي محمد العنزي في خريطة المسلسلات المعدة للعرض القادم، فهل انتهت فترة القطيعة وبالتالي فسح المجال أمام محبي هذه النوعية من المسلسلات لرؤيتها مجدداً على الشاشات؟
اقرأ أيضاً: