عشرون عاماً من الحنين إلى الحج
ونحن نعيش الآن في هذه الأيام المباركات من أشهر الحج، تذكّرت حقبة تأريخية من حياتي وما زلتُ أعيشها حتى الآن، حيثُ مرّت عشرون سنة من الانتظار وكأنها عشرون قرناً من الشوق لأداء فريضة الحج التي لم تتحقق، بل عشرون خريفاً من البكاء الصامت والأنين الخافت، والتنهيدة التي ما برحت تملأ صدري منذ أن ودّعت الحجاج عام 2005م في مدينة الأعظمية بالعاصمة العراقية بغداد وقد نويت أداء فريضة الحج منذ تلك اللحظة.
ولمّا وفقني ربي
لأداء مناسك العمرة في صيف العام 2012م وكانت المرّة الأولى في حياتي التي حططت
فيها رحلي ببيت الله الحرام، وكنت قادماً من الأردن إلى مطار جدّة، وأشعر أن
أقدامي لا تسعفني، وضربات قلبي ازدادت بشكل لا يوصف، وكأني كنت أعيش لحظة اللاشعور
حتى انتبهت وأنا أصوّب نظري إلى الكعبة المشرّفة وأقول في نفسي: «لعلّها لا تكون
آخر العهد»، والحمد لله اعتمرت مرات عدة، لكن الحج الذي ملأ كياني وروحي وخططت له
سنين طوالاً ما زلت أنتظره حتى الساعة، وأرجو الله ألا يخيب رجائي، فهو القائل: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) (مريم: 21)،
وهو القادر على كل شيء.
ما زلت أذكر تلك
اللحظة، في أول صلاة فجرٍ صليتها بالحرم كأنها الآن، وكان الإمام يومها الشيخ
عبدالله الجهني، وأتذكر لحظة الخشوع من قراءة الإمام حين تسلّلتْ دموعي وأنا
أستعرض شريط حياتي وأستغيث بالله من ذنوبي، معلناً توبتي في رحاب بيته العتيق، بل
وأذكر قبلها وأنا أطوفُ بعد منتصف تلك الليلة الفريدة، وأردد: «اللهم إن كان هذا
آخر عهدي ببيتك فاجعلني عندك من المقبولين»، وقلبي يرتجف ويكاد أن يُخلع من مكانه
مهابة وجلالاً وتعظيماً لبيت الله الحرام.
لقد مرّت عشرون
عاماً من عمري -على أول لحظة نويت فيها الحج- وأنا أنتظر أن يتحقق حلمي لأداء هذه
الفريضة العظيمة، وأنتظر بشوق يكوي الحشا تلك اللحظة التي أطأ فيها تراب مكة
المكرمة مرتدياً الإحرام وأسير بين جنبات المسجد الحرام، وأقول لربي: «لبيك اللهم
لبيك»، وأتخفف من ذنوبي وأعلن توبتي مرة أخرى، فعسى الله أن يكتبني من أهل النداء
الخالد الذين (لَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: 62)، وبالحج أتمّ الركن الخامس
من أركان الإسلام.
وكل عام حين أرى
جموع الحجاج تغادر لأداء مناسك الحج وهم يفدون إلى الله مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
أشعر كأن جزءًا من قلبي يُنتزع من مكانه ويُرسل معهم، ولمّا أراهم يلبّون ويبتهجون
بما أنعم الله عليهم وأنا أردد خلفهم الحسرة، وأراهم يطوفون وأنا أطوف بأدمعي
الساخنات على وسادتي، أقول لنفسي: ما أثقل شعور العجز حين يكون الشوق في أقصاه،
والروح تتوق إلى الله جل وعلا لكن الجسد
مربوط بأغلال الواقع وبالظروف وبالقرعة وبالموافقات، وبما لا يمكن أن يُقال!
الجدير بالقول
هو أن قصتي ليست بدعاً من القول، بل هي حكاية كثير من العراقيين ممن لم يُكتب لهم
الحج، إما بسبب زحام الحجاج العراقيين، أو بسبب غلق القرعة لسنوات عدة، أو لظروف
أخرى، ومن لم يوفق في القرعة ربما يدركه الموت وقد لا يوفق لأداء هذه الفريضة التي
يحنّ لأدائها، أو ربما يكون محكوماً بالواقع والظروف التي يعيشها، أو المرض التي
ينهش جسده، وسط غياب الإيثار عند كثير من الحجاج الذين أدّوا المناسك لمرات عدة،
فلكل منا وجعه الخاص وجرحه الذي ينزف في داخله ويكوي أحشاءه دون أن يُرى، ولأنني
لم أحج فإنني أتألم كلما شاهدت صور الحجاج، وكأنها طُبعت على قلبي لا على الشاشة.
وقد انتظرت
عشرين عامًا وما زلت، وكل عام يمرّ أُمنّي النفس وأتأمل، وأقول: «لعله هذا العام
يتحقق حلمي»، ثم تمرّ الأعوام كأنها شريط طويل من الانتظار الممزوجة بالأمل، وليس
من السهل عليّ أن أكتب عن هذا الحنين الذي يقطع نياط القلب، إذ إنه ليس شعورًا
عابرًا، وإنما عمر كامل من الانتظار.
ويكفي القارئ أن
كل سطرٍ في هذا المقال قد كُتب من وجع وحنين وشوق ومن صبر ومكابدة، لكنه في الوقت
ذاته كُتب أيضًا من يقين ومن ثقة أن الله لا يترك من اشتاق إليه ويبتغي مرضاته
ويطمع بجنته ودار مقامته، وأملي في ذلك (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا) (الأنفال:
70)، ولعل هذا الحلم أقرب إلينا مما نظن.
اللهم افتح لنا
من رحمتك بابًا، وارزقنا حجًّا قبل الممات، وزيارةً لا تُنسى، وسجدة هناك لا نقوم
بعدها إلا وقد استجبت دعاءنا وغُفرت ذنوبنا وكتبتنا عندك من المقبولين.
اللهم إنك تعلم كم بكيت، وكم رجوتُ، وكم دعوتُ، وكم أحببتُ بيتك، فأجبني يا أرحم الراحمين، واكتبني من الحجاج، ومن العابرين على أطهر أرض، ومن الواقفين في عرفات، ومن الطائفين حول الكعبة، ومن الراكعين في روضة حبيبك، اللهم بلّغني حجّ بيتك، وزيارة حبيبك، وارضَ عني، وارزقني ختامًا طيبًا يُرضيك(1).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً