معبد الإلحاد يهتز (26)
هل سفينة نوح مجرد أسطورة بدوية؟! (2 - 2)
من أكثر القضايا
التي تتعرض للاستهزاء من قِبل الملحدين قصة سيدنا نوح عليه السلام والطوفان
العظيم.. فبدل أن تتم مناقشتها باعتبارها معجزة لنبي الله نوح عليه السلام.. فإنها
تتحول في الخطاب الإلحادي الشعبوي وكأنها مادة هزلية صُنعت خصيصًا للسخرية.
فتُصوَّر القضية كلها في صور كاريكاتورية ليصبح الاستهزاء في ذاته دليلًا لتكذيب
المعجزة!
لكن الحقيقة أن
سخافة الإلحاد لا تصنع برهانًا.. لأنها تقوم على مغالطات منهجية عميقة.. ومصادرة
على المطلوب، وخلط بين النصوص، وإسقاط للمفاهيم الحديثة على نصوص قديمة بغير
ضابط.. وافتراضات تُبنى ثم تُهاجَم وكأنها هي النص نفسه!
ونستكمل في هذه
الحلقة تفنيد هذه الشبهة، والرد على الملحدين:
خامسًا: الإلحاد نفسه قائم على الإيمان بأشياء غير مرئية:
يتهم الملحد
المؤمن دائمًا بـ«الإيمان بالغيب» و«قبول أساطير قديمة بدون دليل»، ويسخر من
قبولنا لخبر سفينة نوح عليه السلام أو غيره من المعجزات، لكنه في الوقت نفسه يؤمن
بأكبر قصص الغيب في التاريخ، ويقبل بنماذج تفسيرية هائلة لم يرَ منها شيئًا
مباشرة، ولا يستطيع إعادة تجربتها، هذا هو التناقض الإبستمولوجي (المعرفي) الأكبر
في الإلحاد المعاصر، فنجد الملحد يؤمن بـ:
1- الإيمان
بالماضي السحيق غير المشاهد:
الملحد يؤمن بـ:
- الانفجار
العظيم (Big Bang) قبل 13.8 مليار سنة، لم يره أحد، ولا
يستطيع أحد إعادة إنتاجه، يعتمد على استدلالات غير مباشرة مثل: إشعاع الخلفية
الكونية (CMB)، وانزياح الضوء الأحمر، ونسبة الهيدروجين
والهيليوم.
- التطور
الدارويني من أصل مشترك واحد قبل مئات الملايين من السنين، التحولات الكبرى (Macro-evolution) لم تُشاهَد مباشرة، ولا توجد سلسلة انتقالية كاملة في السجل
الأحفوري.
- أصل الحياة (Abiogenesis): تحول مواد كيميائية غير حية إلى كائن حي، وهذا لم يحدث في أي
مختبر على الإطلاق، رغم عقود من التجارب، حتى الآن، يبقى أكبر لغز في البيولوجيا.
كل هذه أمور
غيبية تاريخية، يؤمن بها الملحد لأنها تتناسب مع رؤية للعالم المادي (worldview)، بينما يرفض خبرًا نبويًا له سند تاريخي وإسناد بشري مستمر.
2- ازدواجية
المعيار في قبول «الغيب»:
- إذا قبل
الملحد الانفجار العظيم بناءً على أدلة استدلالية غير مباشرة، فلماذا يرفض طوفان
نوح الذي له أدلة جيولوجية إقليمية (طبقات الطمي في الرافدين) وأدلة أثرية وروايات
جماعية في أكثر من 500 حضارة؟
- الملحد يقبل
المليارات من السنين التي لم يعشها أحد، لكنه يسخر من 950 سنة دعوة نوح.
- يقبل أن الكون
جاء من «لا شيء» (أو من قوانين فيزيائية موجودة قبل وجود الكون!)، ثم يرفض فكرة
خالق عظيم لهذا النظام المعجز.
الواقع ما يفعله
الملحد ليس رفضًا لـ«غير المرئي»، بل رفض انتقائي لكل ما يشير إلى إرادة إله حكيم
عليم.
ولنتأمل في هذه
النقاط:
- التمييز
التعسفي (Special
Pleading):
الملحد يستخدم
معيارين مختلفين لنفس النوع من المعرفة، يقبل «الاستدلال التاريخي» في العلوم
الطبيعية، ويرفضه في العلوم الدينية، وهذا تحيز مفضوح، لا علاقة له بالعلم.
- مشكلة
الاستقراء والماضي غير القابل للتكرار:
كل العلوم
التاريخية (الجيولوجيا، علم الكونيات، علم الأحياء التطوري) تعتمد على نماذج
تفسيرية لأحداث لم تُشاهَد، يقول الفيلسوف ديفيد هيوم نفسه إننا لا نستطيع إثبات
السببية في الماضي بشكل قاطع.. فإذا كان هذا النوع من «الإيمان» مقبولاً في العلم،
فلماذا يُحرم على الدين؟
- الضبط الدقيق
للكون (Fine-Tuning):
الملحد يفسر
الضبط الدقيق للثوابت الكونية (قوة الجاذبية، الشحنة الكهربائية، نسبة القوى
الأساسية...) إما بالصدفة أو بالـ«Multiverse» (ملايين
الأكوان المتوازية)، وهذا أكبر إيمان غيبي ممكن: يفترض وجود كون غير مرئي لا دليل
عليه سوى رغبته في الهروب من استنتاج وجود خالق.
- الوعي
والأخلاق:
الملحد يؤمن بأن
المادة أنتجت «الوعي» والشعور والحب والأخلاق الموضوعية من تفاعلات ذرات عمياء،
وهذا إيمان أكبر من الإيمان بمعجزة نوح، فكيف تحولت المادة غير الواعية إلى «أنا»
أشعر وأفكر؟!
الفرق الحقيقي
ليس بين «من يؤمن بالغيب» و «من لا يؤمن»، بل بين:
- من يؤمن بغيب
منظم له دلائل عقلية وتاريخية ووجودية (التوحيد).
- ومن يؤمن بغيب
فوضوي (صدفة عمياء، multiverse، abiogenesis) ليهرب من استنتاج وجود خالق.
الملحد لا يرفض
«الغيب» مطلقًا، بل يرفض الغيب الذي يحمل مسؤولية أخلاقية، وهو مستعد أن يؤمن بـ14
مليار سنة من الصدفة، لكنه غير مستعد أن يؤمن بإله يطالبه بالخضوع والالتزام.
قال الله تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35].
إن الإلحاد ليس
تحررًا من الإيمان، بل يُحول الإيمان من الله سبحانه وتعالى إلى المادة، ومن الوحي
إلى النظريات العلمية المتغيرة.. والمؤمن يقبل الغيب الذي جاءه بالبرهان والرسالة،
بينما الملحد يقبل غيبًا يخترعه ليبرر رفضه لله عز وجل.
هذا هو جوهر
المسألة: المشكلة ليست في عدم الرؤية، بل في الرغبة في عدم الخضوع لأوامر الله
تعالى.
سادسًا: التناقض الأخلاقي: إلهٌ «ندم» فقرر الإبادة الجماعية:
هذه النقطة من
أكثر نقاط الشبهة سفاهة، لأنها تلعب على الوجدان الإنساني، لكنها في الواقع أضعف
نقاط الشبهة منطقيًا وتعتمد على خليط من التحريف والمغالطات والافتراضات المسبقة.
1- أولاً:
التحريف النصي «الندم» غير موجود في القرآن:
القرآن الكريم
لا يذكر مطلقًا أن الله تعالى «ندم» أو «تأسف»، هذه كلمة موجودة في سفر التكوين
(6:6) في التوراة المحرفة: «وحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه».
القرآن الكريم
يصف الحدث بكل جلال وعدل:
- الله يعلم منذ
الأزل فساد قوم نوح.
- أرسل نوحًا
950 سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية.
- أمهلهم،
أنذرهم، أقام عليهم الحجة.
- لم يهلكهم إلا
بعد أن استنفدوا كل فرص الهداية، وبلغوا قمة الفساد والطغيان.
﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]
القرآن يؤكد
مرارًا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾.
2- طبيعة الفساد
عند قوم نوح.. لم تكن مجرد «عدم إيمان»:
لم يكن الأمر
«مجموعة لم تؤمن»، بل كان فسادًا شاملاً خطيرًا يشمل الآتي:
- شرك بالله
وعبادة أصنام.
- ظلم شديد،
استبداد، فساد أخلاقي (زنا، خمر، سحر، ربا...).
- اضطهاد
المؤمنين وقتلهم وسخرية مستمرة.
- تطرف في الكفر
حتى أنهم هددوا نوحًا بالرجم والطرد.
كانوا مجتمعًا
فاسدًا بالكامل، يفسد الأرض ويُفسد الجيل القادم. الطوفان لم يكن عقابًا عشوائيًا،
بل عملية جراحية إلهية لاستئصال سرطان أخلاقي وحضاري كان سيدمر البشرية لو استمر.
3- المسألة
الحقيقية: من يملك الحياة؟
هنا يقع الملحد
في تناقض كارثي، فهو يتحدث بلغة «البراءة» و«الرحمة» و«السادية»... لكنه في الوقت
نفسه مادي يؤمن بأن الكون جاء صدفة، وأن الإنسان والحيوان والنبات مجرد ذرات وصدف
كيميائية، وليس للحياة أي قيمة مطلقة أو غاية!
إذا كان الله عز
وجل غير موجود وفق زعم الملحد، فمن أين جاءت لديك هذه القيم الأخلاقية المطلقة؟!
لماذا يُعد قتل الأطفال «شرًا» في عالم مادي محض؟
أما المؤمن
فيؤمن أن الله هو مالك الملك، خالق الحياة والموت، هو الذي أعطى الحياة أصلًا، فله
أن يأخذها متى شاء وبأي طريقة شاء، هذا ليس «سادية»، بل عدل مطلق من المالك
الحقيقي.
مثال تقريبي..
لو صنعت روبوتات ذكية ثم قررت إيقافها أو تدميرها لأنها بدأت تُفسد النظام الذي
وضعته، هل يحق للروبوتات أن تتهمك بالسادية؟
4- الأطفال
والحيوانات والنباتات:
- الأطفال: في
الإسلام، الأطفال غير المكلفين يموتون على الفطرة، وهم في الآخرة من أهل الجنة
(رحمة إلهية واسعة). موتهم في الدنيا انتقال إلى رحمة أوسع، لا فناء.
- الحيوانات
والنباتات: كانت جزءًا من العالم الفاسد الذي أُعيد تشكيله، والكون ليس متحفًا
للحفاظ على كل كائن حي، بل هو مسرح لاختبار الإنسان، ويُعاد تشكيله حسب الحكمة
الإلهية (كما حدث في انقراضات كبرى سابقة).
الطوفان لم يكن
«إبادة عبثية»، بل إعادة تأسيس للبشرية على أساس التوحيد بعد استئصال الشر.
5- الرحمة
الحقيقية في الطوفان:
- أنقذ الله
نوحًا ومن آمن معه (رحمة بالمؤمنين).
- أعطى فرصة 950
سنة (رحمة بالكافرين).
- جعل السفينة
آية باقية للعالمين.
- أعاد بناء
الحياة على أرض جديدة ونقية.
﴿فَأَنجَيْنَاهُ
وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15].
من يصف عدل الله
سبحانه وتعالى بالسادية إنما يحكم على الله بمعايير بشرية محدودة وناقصة. الإله
الذي يترك مجتمعًا فاسدًا يفسد الأرض ويذبح الأبرياء ويُفسد الأجيال القادمة دون
عقاب، هو الإله القاسي الظالم!
الرحمة الحقيقية
ليست التساهل المطلق مع الشر، بل «قطع الشر» وإنقاذ الخير وإعطاء الفرصة ثم تنفيذ
العدل.
قوم نوح لم
يُهلكوا لأنهم «لم يؤمنوا» فقط، بل لأنهم «ظالمون» بعد إنذار طويل. والله لا يظلم
الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
﴿وَمَا
أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا
ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: 208-209].
هذا هو التوازن
الكامل بين الرحمة والعدل. أما اتهام الله عز وجل - وحاشاه تقدس وتنزه- بالسادية
فهو وقاحة فكرية لا تليق إلا بمن ينكر الخالق أصلًا ثم يستعير منه مفاهيم الرحمة
ليطعن بها فيه.
سابعًا:
«الحد الأدنى للمجتمع الحيوي» (MVP)..
انتحار الجينات:
1- الافتراضات
الخاطئة في الشبهة:
- افتراض أن
نوحًا حمل «كل» الأنواع الحديثة المصنفة بدقة.
- افتراض طوفان
كوني مطلق يشمل القارات كلها.
- معاملة MVP :Minimum Viable Population
(الحد الأدنى
للسكان القابل للبقاء) كرقم سحري ثابت يؤدي تجاوزه إلى الانقراض التلقائي.
القرآن الكريم
لا يلزم بهذه الافتراضات، قال الله تعالى ﴿وَمِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يأتي
بالمفهوم اللغوي العام، والطوفان موجه أساسًا لإهلاك قوم نوح في منطقتهم.
2- ما هو MVP؟
MVP (الحد الأدنى للسكان القابل للبقاء وهو
تقدير
وليس رقمًا مطلقًا، ويختلف حسب النوع، معدل
التكاثر، الظروف البيئية، وقدرة النوع على التخلص من الجينات الضارة (genetic purging). التقديرات تختلف كثيرًا، ولا تعني أن أي عدد أقل منها يؤدي
حتماً إلى الانقراض.
3- أدلة علمية
واقعية: أنواع نجت من اختناقات جينية حادة:
- الفقمة
الفيلية الشمالية (Northern
Elephant Seal): انخفضت
إلى 20-30 فردًا فقط في أواخر القرن التاسع عشر، ثم تعافت إلى أكثر من 220,000 فرد
اليوم رغم انخفاض التنوع الجيني.
الفهد (Cheetah): مر
باختناق جيني شديد قبل آلاف السنين، مما جعله شديد التشابه الجيني، ومع ذلك نجا
واستمر.
- البلاك روبن (Black Robin): انخفض إلى 5 أفراد فقط (من أنثى واحدة) عام 1980م، ثم تعافى إلى
مئات الطيور.
هذه الأمثلة
الواقعية تثبت أن الادعاء بـ«الانقراض في الجيل الثالث» مبالغ فيه علميًا..
الطبيعة بأمر الله تمتلك آليات للتطهير الجيني والتعافي مع النمو السكاني السريع.
4- أما بالنسبة
للبشر:
نحن كمسلمين
نؤمن أن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام خلقًا مباشرًا، وأن البشرية جميعًا تنحدر
منه ومن زوجه حواء عليهما السلام. خلق آدم كان معجزة إلهية منذ البداية، وليس
نتيجة عملية تطورية طبيعية.
وبالتالي، فإن
بداية البشرية من أصل واحد (آدم) أمر إيماني مثبت، والله سبحانه هو الذي أنشأ
التنوع الجيني في ذرية آدم وهيأ له الظروف المناسبة للانتشار والاستمرار.
كما أن الله
قادر على أن يُعيد إنشاء التنوع الجيني ويطهر الصفات الوراثية بعد الطوفان، تمامًا
كما كان قادرًا على خلق آدم من تراب ونفخ الروح فيه. فالذي أوجد الحياة والوراثة
أصلاً لا تعجزه إعادة تهيئتها.
5- معجزة نوح:
الملحد يعامل
الحدث كعملية طبيعية بحتة بدون أي تدخل إلهي، ثم يدَّعي الاستحالة. أما نحن فنقول:
الحدث معجزة، والسفينة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بحفظ الله ورعايته المباشرة.
الله الذي خلق
آدم من تراب، وخلق الجينات والوراثة، قادر على حفظ ما يشاء من التنوع الجيني
وحمايته من الاختناق، وإعادة إعمار الأرض بنسل طيب بعد الطوفان.
الشبهة تبني على
استخفاف بالعلم وتجاهل لقدرة الله عز وجل. والعلم يشهد بنجاة أنواع من أعداد ضئيلة
جدًا، فكيف تعجز قدرة الخالق الذي أبدع الحياة كلها عن حفظه وإعادة إنشائه؟
﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ
لَهَا مَالِكُونَ﴾.
سفينة نوح لم
تحمل انتحار الجينات، بل حملت أمل الحياة وبذرة الإعمار بأمر من الذي يحيي ويميت
ويُعيد الخلق بعد فنائه سبحانه وتعالى. والله على كل شيء قدير.
ثامنًا: السخرية ليست دليلًا:
إن أيسر الطرق
وأوهاها للرد على فكرة ما هو أن تسخر منها. فالسخرية لا تحتاج جهدًا فكريًا.. ولا
برهانًا، ولا بحثًا، ولا تدبرًا. تكفي صورة كاريكاتورية، أو نكتة ساخرة، أو وصف
مبالغ فيه حتى يشعر المستهزئ أنه «منتصر» دون أن يقدم دليلاً واحدًا.
لكن السخرية
ليست حجة.. ولا تُبطل حقيقة ولا تُغير واقعًا. هي فقط مجرد انفعال يحاول أن يغطي
على ضعف البرهان. ومن يلجأ إليها في نقاش فكري فهو يعترف ضمنيًا بعجزه عن مواجهة
الفكرة بالعقل والدليل.
المنطق السليم
في التعامل مع القصة.. قصة نوح عليه السلام ليست عرضًا علميًا يُقدم لهيئات
ومنظمات دولة، إنما هي خبر إلهي يُقدم للعقل والقلب معًا.. والعقل السليم يسأل
أسئلة منطقية:
هل يوجد إله
قادر على كل شيء؟ هل يستحيل على هذا الإله أن يُحدث طوفانًا عظيمًا؟ هل يستحيل
عليه أن يحفظ من شاء في سفينة بأمره؟ هل النص الذي بين أيدينا يحتوي على تناقض
داخلي؟
فإذا كان الجواب
«لا يستحيل» على الله، و«لا تناقض» في النص، فقد سقط أساس الاعتراض.. أما تحويل
النقاش إلى «كم كان شكل البطريق على السفينة؟» أو «هل الكنغر سبح أم قفز؟» فهذا
هروب من السؤال الحقيقي إلى سخرية سطحية.
تاسعا: الملحد يُعادي العقل:
قد يسأل الإنسان
مجموعة من الأسئلة: ما طبيعة الطوفان؟ هل كان إقليميًا شاملًا لمنطقة قوم نوح أم
أوسع؟ ما هي آليته؟ كيف تم الحفظ البيولوجي والجيني؟ وكيف عادت الحياة إلى التوازن
بعد الجفاف؟
هذه الأسئلة
تبدو مهمة، وهي تُناقش منذ قرون بين المفسرين والعلماء والمؤرخين.. لكن السؤال: هل
وجود أسئلة عن تفاصيل حدث تاريخي استثنائي يعني بالضرورة أن الحدث كاذب أو
مستحيل؟! الإجابة المنطقية والعلمية هي: لا.
وهذا الانتقال
من «لا أفهم كل التفاصيل» إلى «إذن القصة كاذبة قطعًا» ليس استنتاجًا علميًا، بل
قفزة إلحادية تعكس موقفًا متعنتا.. فالعلوم التاريخية والجيولوجية تعتمد على
الاستدلال وليس على المشاهدة المباشرة.
والعلم لا يمتلك
«كاميرا» تصوّر الماضي.. حتى أكثر النظريات العلمية قبولاً في العصر الحديث (مثل
نظرية الانفجار العظيم، أو أصل الحياة، أو أحداث الانقراض الكبرى) تعج بالفجوات
والتفاصيل غير المفسرة تمامًا.. مع ذلك، لا يرفض العالم الجاد النظرية بأكملها
لمجرد وجود أسئلة مفتوحة. لكنه يبقيها كنموذج أفضل تفسير متاح حتى يأتي دليل
أقوى.. فلماذا يُطبَّق الملحد معيار مختلف تمامًا على قصة نوح؟
ولنأخذ أمثلة
علمية تاريخية شهيرة: قبل اكتشاف الديناصورات وآثارها، كان من الممكن أن يسخر
البعض من أي رواية تتحدث عن كائنات عملاقة منقرضة.. وكان العلماء يظنون أن القارات
ثابتة، ثم جاءت نظرية الانجراف القاري وأثبتت العكس رغم معارضة علمية شديدة في
البداية.
وحتى اليوم، لا
يزال أصل الحياة (Abiogenesis) لغزًا كبيرًا.. ولا يوجد نموذج كامل، لكن
أحدًا لا يجرؤ أن يقول «إذن الحياة مستحيلة».
الطوفان ليس بلا أدلة
فكما ذكرنا..
توجد طبقات طمي سميكة في مواقع سومرية متعددة، وفرضيات علمية قوية مثل فيضان البحر
الأسود، وأكثر من 500 رواية طوفان منتشرة في حضارات بعيدة جغرافيًا ولغويًا، هذا
الانتشار العالمي للرواية يُعد دليلاً إيجابيًا قويًا على حدث كارثي كبير ترك بصمة
في الذاكرة الجماعية البشرية، وليس مجرد «أسطورة بدوية محلية».
المعيار الحقيقي للصدق
لتقييم قصة
سيدنا نوح هو أن نسأل: هل يوجد إله قادر على فعل ذلك؟ وبالقطع الله سبحانه وتعالى
قادر على كل شيء.
إذن الاعتراض
الإلحادي بـ«لا أستطيع تخيل كيف حدث» هو اعتراض على قدرة الله عز وجل، وليس على
صدق الرواية.
إن قصة سيدنا
نوح عليه السلام هي آية على قدرة الله عز وجل المطلقة.. وحكمته البالغة.. وعدله
الذي لا يُرَد. من يتأمل السفينة التي نجت بأمر رب العالمين وسط طوفان يغمر الأرض
المعمورة.. يدرك أن الذي خلق الكون بقانون قادر على أن يعلِّق قانونه أو يتصرف فيه
متى شاء، دون أن ينقض حكمته.
إن الملحد الذي
يستنكر المعجزة لا ينكر نوحًا فقط.. بل ينكر أصل الوجود: إمكان وجود خالق قادر
عاقل مدبر، فإذا كان الله هو الذي أوجد الماء والجبال والجينات والأنواع والتوازن
البيئي من العدم، فكيف يعجز عن حفظه أو إهلاكه أو إعادة تهيئته بطريقة تتجاوز
مدارك البشر المحدودة؟ إن الاستحالة الحقيقية ليست في قصة نوح، بل في الاعتقاد بأن
كونًا معقدًا إلى هذا الحد جاء صدفة، ثم يُدار بعدها بلا إرادة ولا حكمة!
وتبقى سفينة نوح
رمزًا خالدًا يخبر البشرية بأنه لا نجاة إلا بالإيمان.. ولا نجاة إلا باتباع رسل
الله.. كما نجا نوح وقومه القليل بالسفينة، سينجو من أراد النجاة في كل عصر
بالتمسك بالوحي الإلهي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، مهما علت أمواج الشك
والمادية والاستهزاء.
إن الحقيقة
الكبرى: أن وراء هذا الكون إلهًا واحدًا لا إله إلا هو، وهو سبحانه الذي أرسل
نوحًا رحمة للعالمين، وأغرق من كفر بعد الإنذار.
﴿فَأَنجَيْنَاهُ
وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15].
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً