اللغة العربية.. بين الإهمال والاستعمال

تصوير يرمز الى اهمية اللغة العربية

تعاني اللغة العربية اليوم من جهتين؛ جهة إهمال أهلها استعمالها بصورتها اللائقة بها وهي الفصحى، ومن جهة تحميلها تبعة هذا الإهمال الذي ترتب عليه غيابها عن الساحات العلمية والعملية على حد سواء، فلا يدرس بها غير علومها، ولا يتبوأ الإنسان مقعدًا وظيفيًا إلا بإتقان غيرها من اللغات الأجنبية، فصارت اللغة العربية كالضحية الملومة، فلا هي سلمت ولا من أهلها غنمت!

اللغة العربية بين الإهمال والاستعمال

«اللغة تعيش بالاستعمال وتموت بالإهمال»، بهذه العبارة استفتح عبد العلي الودغيري كتابه «العربية بين الإهمال والاستعمال» الذي اعتبر فيه اللغة بمثابة كائن حي يحتاج إلى التعهد حتى ينمو ويكبر، ونمو اللغة يكون بتغذيتها بالاستعمال واستحداث ألفاظ جديدة تتناسب والمستحدثات في كل عصر.


أما الاتكال على غيرها من اللغات لأداء هذه الوظائف ثم وسم العربية بالجمود فدعوى حازت من البطلان على أعظم نصيب، والكلام على علو كعب العربية على سائر اللغات، وتشريف الله عز وجل إياها بكلامه الذي نتلوه آناء الليل وأطراف النهار، كلام أسال فيه غيري من المداد أبحرًا، وإنما الكلام هنا منحصر في الحالة التي أوصلنا لها اللغة العربية كما عرج أهل اللغات الأجنبية بلغاتهم للدرجات العلا. 


وحتى مع كون اللغة الإنجليزية أكثر اللغات انتشارًا في أرجاء المعمورة، فإننا نرى الألمان في ألمانيا يدرسون بالألمانية ومثلهم الفرنسيون والإسبان، بيد أننا بمجرد الخروج من أوروبا والدخول للعالم العربي نجد أهله قد تفرقوا شعوبًا وقبائل لكل منهم لهجته التي لا يحسن غيرها ويجد في الفصحى صعوبة قد يجدها الأجنبي في غير لغته الأم، ثم نتهم بعد ذلك اللغة العربية بأن كل شيء بات باللغة الإنجليزية، وماذا قدمنا نحن للغة العربية حتى يصير أي شيء بها؟!

بين الماضي والحاضر

كان هناك زمن نشأ ناشئ الفتيان فيه منا على برمجيات عربية أنتجتها شركة تُسمى «صخر»، ومسلسلات كرتونية نقلت للعربية الفصحى لغة وموضوعًا، إلى غير ذلك من قصص مصورة من أمثال «ماجد» و«سمير»، ولا يكاد أحد اليوم يسمع عما ذكرت إلا فيما ندر لحرص الآباء على تنشئة أبنائهم على غير العربية؛ لأنها لن تساعدهم في الحصول على وظيفة.

وليس هذا مكمن الخطر الأكبر؛ بل الاعتقاد الخاطئ بأن اللغة لا دور لها في حياتنا غير دور تأمين وظيفة المستقبل، بل اللغة في الحقيقة هي جسر الحضارة العربية الإسلامية التي تصل بيننا وبين الكنوز التراثية التي أفنى أجدادنا وسلفنا أعمارهم في تدوينها،  فإن لغة أمةٍ، هي خلاصة ما يمكن أن تعرفه عن حضارتها وتاريخها وثقافتها ونفسيتها وأفكارها وأعرافها وتقاليدها وديانتها وعلومها وآدابها وصناعاتها ومِهَنها وصنائعها ومَهاراتها واختراعاتها، وسِلمها وحربها، وكل صغيرة وكبيرة في حياتها الطويلة عبر الأزمنة والأمكِنة، منذ نشأتها وتكوّنها ووجودها وفي مختلف مراحل تطورها وتجاربها.

وكونها مفتاح فهم إعجاز النص القرآني، إذ إعجاز القرآن بلاغته التي أقر بها العربي حتى وإن لم يؤمن بما حوته،
 والأدهى والأمر من كل ذلك أن العربية بوضعها الحالي تفقد دورها اللغوي في كونها لغة الانتماء والبناء، 
إذ لاحظ الودغيري أن لغة بلد المهجر للطفل من الجيل الثاني من أسرة مهاجرة تصير هي بتلك اللغة يصوغ أفكاره ويعبر عنها، وبها يساهم في تنمية البلد الذي يعيش فيه، اقتصاديّاً وصناعيّاً وثقافياً وفكرياً ولغوياً، وكل مجهوده الفكري والذهني وحتى العضلي الذي يبذله، يصب في النهاية في خدمة المجتمع والدولة التي يعيش فيها.

فهذه اللغة التي يستعملها في كل شيء أصبحت لغتَه، وهو بواسطتها أو بفضل إتقانها أصبح عنصراً فعالاً في مجتمعه ومساهماً في تنميته وبنائه، إذن فاللغة العربية تتعرض للهجوم من جبهتين لا جبهة واحدة؛ جهة الحاصرين لها في الخطاب من أبنائها في الخارج، وجهة غير القادرين على الإتيان بالفصحى من أبنائها في الداخل، وبين شقي هذين تفتتت مكانة اللغة العربية بين اللغات أولًا، وفي أعين أهلها ثانيًا، والثانية أنكى من الأولى.

اللغة العربية..
 بين الحاضر والمستقبل

 إننا إذا أردنا للغة العربية السيادة والريادة؛ فما لنا بد من استعمالها في كافة مناحي الحياة، وإخراجها من ضيق ظلمات التخاطب إلى نور رحاب أوجه الاستعمالات الأخرى من تدريس وأدب وبرمجيات.

ولتحقيق ذلك عمليًا اقترح أسعد خليل داغر، في مقدمة كتابه «تذْكِرة الكاتب»، إنشاءُ مجمعٍ لُغَوِيٍّ يتأَلَّف من صَفْوَة علماءِ اللغةِ في مِصْر وسُورية والعِرَاق، وغيرها من الأَصْقَاع العربية، على وَجْهٍ تُرَاعى فيهِ الجَدَارةُ الصَّحِيحةُ والأَهَلِيَّةُ الحقيقية؛ بحيث يكون كلُّ عضوٍ مُتَضَلِّعًا من معرفة اللغة، ولهُ إلمام كافٍ بمبادئ أحدِ العلومِ العَصْريَّة؛ ليتمكَّن من وَضْع الكلماتِ والتَّعَاريفِ المختصَّةِ بذلك العِلْم، ويُسَمَّى هذا المجْمَع «مجمع ترقية اللغة العربية».

وأن نغرس حبها في أبنائنا لا أن نكون عونًا لهم على تشويه صورتها، ودحض مكانتها، إذ هذا حجة علينا لا عليها، فالعربي قد أتى منها بصور من الشعر والنثر والخطابة تجلت فيها عظمتها، ثم قرع سمعه كلام الله عز وجل على نمط من الكلام رأى فيه ما أعلمه أنه يستحيل على البشر الإتيان بمثله، وحُرمنا نحن تذوق كلام العرب وكلام رب العرب سبحانه بتقصيرنا في حق أنفسنا، الذي للأسف لم يقف عند حد أنفسنا، بل امتد ليطال لغتنا التي نسبناها لأنفسنا لا اعتزازًا ولا فخرًا بل لمجرد كونها اللغة التي وجدنا عليها آباءنا. 


ونحن لا نفوت على أنفسنا فرصة التلذذ ببلاغتها، ولا النهل من معين العلوم المكتوبة بها، بل نفوت على أنفسنا كذلك فرصة الاجتماع تحت راية واحدة، راية العربية، فكم من فرصة انطوت عليها هذه اللغة! ثم ضيعناها فصرنا كالذين وجدوا كنزًا عند أقدامهم ثم زهدوا فيه؛ طمعًا في غيره، وكان في كنزهم زيادة على الكفاية لو كانوا يعلمون.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة