العقيدة في الحياة
نُعلِّم أبناءنا
أن الله هو الرازق والنافع والضار لا باعتبارها جُملاً تُحفَظ، بل باعتبارها عدسةً
يرون بها الحياة ويُفسِّرون بها الأحداث ويزنون بها المواقف، فالعقيدة إن بقيت في
حدود اللسان تحوّلت مع الوقت إلى معلومةٍ باردة، أمّا إذا نزلت إلى السلوك اليومي صارت
إيمانًا حيًّا يقود صاحبه ولا يخذله.
تربية الأبناء
على أن الله هو الرازق تبدأ من تفكيك الوهم المبكر الذي يُزرع في عقولهم دون أن
نشعر، وهم أن الراتب هو الرزق وأن الوظيفة هي الأمان وأن البشر يملكون مفاتيح
المنح والمنع، فنحن لا ننكر الأسباب لكننا نُعيد ترتيبها في الوعي، فالسبب يُؤخذ
لكن القلب لا يتعلّق به، ونُربّي أبناءنا حين نربط النعمة بالمنعم فنقول: «الحمد
لله» قبل أن نقول: «وفّقنا المدير»، وحين نعلّمهم أن الرزق قد يأتي مع الفقر كما
يأتي مع الغنى، وأن الكرامة ليست في كثرة ما في اليد بل في صدق التعلّق بالله.
أما الإيمان بأن
الله هو النافع والضار فلا يُغرس بالمواعظ المجردة بل بالمواقف المُفسَّرة تفسيرًا
عقديًا صحيحًا، فحين يُصاب الابن بخيبة أو يُحرم من أمرٍ كان يريده أو يتأذّى من
موقفٍ بشري تكون هنا لحظة التربية الحقيقية، فهل نُسارِع إلى خطاب الضحية أم نُعيد
توجيه البوصلة، فنقول له: ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن
البشر أدوات لا آلهة وأن النفع والضر بيد الله وحده، يُجريه لحكمة ويمنعه لرحمة
ويؤخّره لخيرٍ لا نراه الآن.
وحين نريد لهذه
الأصول العقدية أن تتحول إلى تطبيقات عملية فعلينا أن نُدرّب أبناءنا على مواقف
الإيمان اليومية الصغيرة، كيف يواجه الخوف وكيف يتخذ القرار وكيف يرفض الحرام ولو
كان طريقه أسهل وكيف يقول: «لا» حين يكون الثمن إرضاء الناس على حساب رضا الله،
فالإيمان الحقيقي يظهر حين تتعارض المصلحة مع المبدأ وحين يكون الثبات مكلفًا وحين
لا يصفّق لك أحد، وهنا فقط نكتشف هل ما في القلوب يقين أم مجرد شعارات محفوظة.
الإيمان الهشّ
يتكوّن حين نُربّي أبناءنا على التدين الشكلي لا على التوحيد العملي، وحين نُكثر
من تعليمهم ما يقولون ونُقلّل من تعليمهم كيف يعيشون، وحين نخيفهم من الخطأ أكثر
مما نربطهم بالله، وحين نُقدّم لهم إلهًا يُذكَر في المسجد ويُغيَّب عن السوق وعن
المدرسة وعن القرار وعن الصراع وعن الألم، فهذا النوع من الإيمان ينهار عند أول
اختبار حقيقي لأن جذوره لم تنزل عميقًا في القلب.
ولا يمكن تجاهل
أن هناك حربًا ناعمة ممنهجة لفكّ الأجيال عن التطبيقات العملية للعقيدة، لا عبر
محاربتها صراحة بل عبر تفريغها من مضمونها، فيُراد للمسلم أن يكون مؤمنًا في
المشاعر ومنفصلًا في السلوك، فيُصلّي لكن يخاف من البشر، ويذكر الله لكن يثق
بالقوة والمال أكثر من ثقته بربه، ويُربّى الطفل اليوم على أن النجاح بيد السوق
والأمان بيد السيطرة والكرامة بيد التنازل الذكي لا بيد الله، وهكذا يتشكّل مسلم
يعرف المصطلحات لكنه لا يعيشها ويحفظ العقيدة لكنه لا يحتكم إليها.
مهمتنا كآباء
ومربين ليست حماية أبنائنا من العالم، بل تحصينهم داخليًا حتى لا يذوبوا فيه، وأن
نُعيد للعقيدة مكانها الطبيعي كمرجعية تفسير وبوصلة قرار ومصدر طمأنينة، وأن
نُريهم الله في تفاصيل الحياة لا في المناسبات فقط، وأن نُربّيهم على يقينٍ هادئ
لا على تدينٍ متوتر، وحينها فقط نكون قد ربّينا أبناءنا على إيمانٍ صلب لا تهزّه
العواصف ولا تُغريه الأطواق ولا تُسقطه المعارك النفسية والفكرية التي تُدار من
حوله.
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً