العلاقة بين «طالبان» وباكستان.. 4 سيناريوهات للمستقبل

منذ ظهور حركة «طالبان» في تسعينيات القرن الماضي، كانت باكستان الدولة الأقرب والداعم الأكبر لها، إذ تجاوزت العلاقة الإطار الدبلوماسي إلى تحالف عقائدي وأمني، حيث احتضنت إسلام آباد قيادات الحركة وقدّمت الدعم اللوجستي والملاذات الآمنة، مستغلةً الحركة لتحقيق ما يعرف بـ«العمق الإستراتيجي» في أفغانستان.

التحول الدراماتيكي.. من الحلفاء إلى الخصوم

لكن هذه العلاقة التي ظلت على مدى عقدين من الزمن أحد أبرز ثوابت السياسة الإقليمية في جنوب آسيا شهدت تحولات دراماتيكية في الأشهر الأخيرة، بالاشتباكات المسلحة بين جيشي البلدين في أكتوبر 2025.

يقول المحلل السياسي الباكستاني عارف أنصاري: لم تعد «طالبان» التي نعرفها عام 1996م، هذه حركة أكثر استقلالًا، لا تخضع لإملاءات باكستان كما كان الأمر في السابق، وتتعامل بندّية مع جميع جيرانها.

جذور الأزمة.. «تحريك طالبان باكستان» (TTP)

منذ سيطرة «طالبان» على كابل في أغسطس 2021م، كانت باكستان تأمل أن تستثمر دعمها الطويل للحركة للحصول على نفوذ سياسي وضمانات أمنية، خاصة لمنع نشاط تنظيم «تحريك طالبان باكستان» (TTP)، غير أن الحكومة الأفغانية الجديدة، برئاسة الملا هبة الله أخوند زاده، رفضت تصنيف «TTP» كتنظيم إرهابي أو تسليم قادته، معتبرة أن مشكلات باكستان الأمنية شأن داخلي.

مع تصاعد هجمات «TTP» داخل باكستان، لا سيما في خيبر بختونخوا وبلوشستان، التي تجاوزت 700 هجوم منذ بداية عام 2024م، وفق تقارير مركز دراسات النزاعات في إسلام آباد، ردت باكستان بعمليات جوية على مناطق في أفغانستان، خاصة في كونار وننكرهار؛ ما اعتبرته كابل انتهاكًا للسيادة الوطنية.

اشتباكات تورخم.. الأزمة تبلغ ذروتها

وفي أكتوبر 2025م، بلغت الأزمة ذروتها عندما اندلعت اشتباكات حدودية دامية في معبر تورخم، أحد أهم المنافذ التجارية بين البلدين، بعد أن حاولت القوات الباكستانية بناء سياج جديد داخل الأراضي الأفغانية، فواجهتها قوات «طالبان» بإطلاق النار.

ووفقًا لتقارير ميدانية نقلتها وكالة «رويترز»، فقد قُتل في تلك الاشتباكات ما لا يقل عن 18 جنديًا من الجانبين، وأُغلق المعبر لأيام؛ ما أدّى إلى شلل في الحركة التجارية وارتفاع أسعار السلع في أفغانستان.

تدخل الوسطاء.. دور قطر وتركيا

ومع تصاعد الخسائر، تدخلت قطر وتركيا كوسطاء لحل الأزمة، فقد انعقدت محادثات سلام في الدوحة برعاية وزارة الخارجية القطرية، بحضور ممثلين من تركيا، وشارك فيها كبار المسؤولين من «طالبان»، بقيادة وزير الدفاع ملا محمد يعقوب، ونظيرهم الباكستاني وزير الدفاع خواجه محمد آصف، وأسفرت هذه الوساطات عن اتفاق على وقف إطلاق النار الفوري، وإنشاء آليات متابعة للتأكد من التزام الطرفين، وأيضًا عقد اجتماعات لاحقة في تركيا لضمان الاستدامة.

كما أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار: نتطلع إلى إقامة آلية مراقبة ملموسة وقابلة للتحقق لمواجهة تهديد الإرهاب الصادر من الأراضي الأفغانية.

وقال المتحدث باسم «طالبان» ذبيح الله مجاهد: تم الاتفاق على ألا تتخذ أي دولة إجراءات عدائية ضد الأخرى، ولن يتم دعم الجماعات العاملة ضد حكومة باكستان.

وقد انعكس دور الوساطتين بشكل مباشر على خفض حدة التوتر مؤقتًا، وأظهر أن الوسطاء الإقليميين يمكن أن يقوموا بدور مهم في احتواء النزاعات بين الدول الإسلامية المجاورة.

التأثير الاقتصادي.. تراجع التجارة

وفي الجانب الاقتصادي، كان التوتر ينعكس بشدة على التجارة بين البلدين، فبحسب غرفة التجارة الأفغانية، بلغ حجم التبادل التجاري بين كابل وإسلام آباد أكثر من 2.5 مليار دولار عام 2022م، لكنه انخفض في عام 2025م إلى ما دون 1.4 مليار دولار بسبب إغلاق المعابر وفرض القيود الحدودية المتبادلة، كما سعت «طالبان» إلى تقليص الاعتماد على باكستان بفتح ممرات تجارية جديدة عبر إيران وآسيا الوسطى، وهو ما مثّل رسالة واضحة بأن كابل لم تعد تعتبر باكستان بوابتها الوحيدة إلى العالم.

التحولات الإقليمية وتأثيرها

التحوّل في علاقة «طالبان بباكستان» لا يمكن فهمه بمعزل عن المتغيرات الإقليمية، فـ«طالبان» اليوم تتقارب أكثر مع الصين وروسيا وإيران، وتبحث عن اعتراف دولي من خلال سياسة خارجية متوازنة، أما باكستان، التي تواجه أزمات اقتصادية خانقة وتوترات سياسية داخلية، فهي لم تعد قادرة على تحمل عبء الملف الأفغاني وحدها، كما أنها باتت تشعر بالضغط من جانب واشنطن التي تتهمها بالتساهل مع الجماعات المسلحة.

في هذا السياق، يشير الخبير الإستراتيجي الباكستاني طلعت مسعود إلى أن باكستان فقدت القدرة على التأثير في «طالبان» بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، لأن النفوذ كان يقوم على المساعدات والوساطة الدولية، أما اليوم فـ«طالبان» تعتمد على مواردها الذاتية وعلاقاتها الجديدة مع الشرق.

بين الأيديولوجيا والمصالح.. أفغنة «طالبان»

يعتقد بعض المحللين أن الخلاف بين «طالبان» وباكستان ليس سياسيًا فقط، بل يتصل أيضًا بتحوّل أيديولوجي داخل الحركة.

فالكثير من قادة «طالبان» الجدد ينتمون إلى جيل ما بعد الحرب، لم يعيشوا تجربة اللجوء في باكستان، بل تربّوا في الداخل الأفغاني، ويشعرون بانتماء قومي أقوى من انتمائهم الإسلامي العابر للحدود، هذا التحوّل جعل الحركة أكثر «أفغنة» وأقل خضوعًا للتأثير الباكستاني، كما أن «طالبان» تعتبر أن باكستان لم تُظهر حُسن نية تجاهها بعد توليها الحكم، بل تعاملت معها بريبة، ورفضت حتى الآن الاعتراف رسميًا بحكومتها.

4 سيناريوهات للمستقبل

مع تصاعد التوتر العسكري بين الجانبين، تتجه الأنظار إلى مستقبل العلاقة بين «طالبان» وباكستان، وهو مستقبل محفوف بالاحتمالات المعقدة، فيبرز 4 سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة بين الطرفين:

1- التصعيد والمواجهة المفتوحة: حيث قد تستمر هجمات «تحريك طالبان باكستان» وترد باكستان بعمليات داخل أفغانستان؛ ما قد يؤدي إلى صدام شامل على الحدود، كما أشارت إليها الخبيرة الأمريكية ليزا كيرنز إذ تقول: الحدود الأفغانية - الباكستانية قد تتحول إلى بؤرة صراع جديدة إذا لم يُحتوَ التوتر سريعًا.

2- إعادة التموضع والتفاهم التكتيكي: إذ قد تضطر «طالبان» وباكستان للتفاهم مؤقتًا تحت ضغط الواقع الاقتصادي والسياسي، خاصة مع اعتماد كابل على التجارة عبر باكستان، وإسلام آباد على استقرار الحكومة الأفغانية، مع احتمال ممارسة الصين دور الوسيط لضمان استقرار الممرات الاقتصادية.

3- التحالفات الجديدة وإعادة تشكيل الإقليم: حيث قد تتقارب «طالبان» أكثر مع إيران وروسيا في ظل تراجع الثقة بباكستان؛ ما قد يمنح كابل مساحة أوسع للمناورة، بينما تحاول باكستان تعزيز تعاونها الأمني مع واشنطن ودول الخليج لتعويض نفوذها المفقود.

4- الاعتراف المتبادل والتحول إلى شراكة واقعية: وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا، إذ قد تدرك «طالبان» أن استقرارها مرتبط بعلاقات متوازنة مع باكستان، بينما تعي الأخيرة أن الضغط العسكري وحده لن يحقق الأمن؛ ما قد يؤدي إلى اتفاق أمني مشترك وفتح الحدود أمام التجارة، واعتراف إسلام آباد بحكومة كابول مثل روسيا.

يقول المحلل الأفغاني عبد السلام زمرّاي: إذا تغلّبت لغة المصالح على لغة الشكوك، يمكن للبلدين أن يتحولا من خصمين إلى شريكين في الأمن الإقليمي.

من الحليف المطيع إلى الجار العنيد

إن العلاقة بين «طالبان» وباكستان انتقلت من مرحلة الحليف المطيع إلى الجار العنيد، والاشتباكات الأخيرة في أكتوبر 2025م تعكس تحولًا عميقًا في موازين القوة بالمنطقة، حيث تتقاطع ضغوط الأمن الداخلي الباكستاني مع طموحات «طالبان» لبناء دولة ذات سيادة، ومستقبل العلاقة يبقى على مفترق طرق؛ إما أن تغلب لغة التعاون والبراغماتية على الشكوك، أو أن ينزلق الطرفان نحو صراع طويل يعيد رسم التحالفات في جنوب آسيا؛ ما يحوّل ما كان تحالفًا عقائديًا إلى صراع مصالح وسيادة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة