الاقتصاد المقاوم.. طريق المجتمعات إلى الصمود
لا يعيش أي
مجتمع من المجتمعات على مستوى واحد من القوة أو الرفاهية الاقتصادية طيلة مراحله
التاريخية، فكل مجتمع يمكن وفي لحظة زمنية ما أن يخوض حرباً مع عدو أو قوة مناوئة
له أو أن يتعرض لفرض حصار اقتصادي عليه، أو أن يواجه حتى كارثة طبيعية كالزلازل
والبراكين والسيول والفيضانات، ما قد يهدد وجوده الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم يجد
هذا المجتمع نفسه مضطراً وبشكل سريع إلى البحث عن وسائل وآليات لإدارة اقتصاده
إنتاجاً واستهلاكاً بما يمكنه من التعامل مع تلك الأوضاع والاستمرار في البقاء.
غير أن هذه
الإدارة وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، مثل حرب إيران، والتصعيد ضد دول الخليج،
لا يمكن أن تتم بالآليات التقليدية، إذ تفرض الأوضاع الجديدة على القائمين على
الأمر نمطاً مختلفاً من التفكير الاقتصادي يقوم على تعزيز الاعتماد على الذات
وتقليل الاعتماد على الخارج وترشيد الموارد وتوجيهها نحو القطاعات الأكثر تأثيراً
في بقاء المجتمع واستقراره، فضلاً عن ضرورة تفعيل طاقات المجتمع وهو النهج الذي
يطلق عليه «الاقتصاد المقاوم».
الإسلام.. والاقتصاد المقاوم
لعل ما تعرض له
المسلمون الأوائل وبنو هاشم من حصار عقابي لهم قبل هجرة المسلمين للمدينة المنورة
في شِعب أبي طالب بمكة المكرمة لمدة 3 سنوات يبرز كنموذج مهم وواضح في الصمود
الاقتصادين؛ إذ نجح الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلال إدارته للوضع في أن يتجاوز
بالمحاصرين هذه الأزمة الصعبة دون أن يقدموا أي تنازل عن العقيدة الصحيحة، بل
ويواصلوا الدعوة لها.
وقد استند النبي
صلى الله عليه وسلم في هذه الإدارة إلى عدة أسس مكنته من تحقيق هذا النجاح، منها
تفعيل قيم التضامن القبلي والعائلي؛ ما أسفر عن توفير شبكة حماية اقتصادية
واجتماعية داخل الشعب، حيث تقاسمت هذه القبائل ما توفر لديهم من طعام وموارد،
بينما حث النبي صلى الله عليه وسلم المحاصرين على الحد من الاستهلاك للموارد لأقصى
درجة وهو ما دفعهم لأن يتواصوا فيما بينهم بالصبر على شدة الجوع، حتى إن بعضهم كان
يأكل أحياناً أوراق الشجر بحسب ما روت بعض كتب السيرة.
وكذلك عملت
الإدارة النبوية على الاستفادة من التعاطف الإنساني داخل قريش رغم المقاطعة، فلم
يكن جميع أهل مكة راضين عنها، فمنهم من كان يرسل الطعام سراً إلى المحاصرين ولو
بترك الإبل المحملة بالطعام لكي تصل إلى المحاصرين بالشعب ليلاً.
هذا «الاقتصاد
المقاوم» -وإن كان المصطلح حديثاً نسبياً- جاء كإحدى الآليات المبكرة للجهاد
الإسلامي في مواجهة قوى الاستكبار وليس كمجرد حادثة تاريخية، وكأنها رسالة
للمسلمين والمؤمنين في كل زمان بأن القدرة على الصمود في وجه الضغوط الاقتصادية لا
تقوم فقط على وفرة الموارد بقدر ما تقوم على حسن إدارتها وعلى تماسك المجتمع وتغليب
روح التضامن بين أفراده.
آليات الاقتصاد المقاوم
لا شك في أن أي
حديث عن آليات للاقتصاد المقاوم لا قيمة له إلا إذا توفر عاملان أساسيان لدى
المجتمعات، أولهما: الإيمان بصوابية ما انحاز إليه هذا المجتمع من مواقف وسياسات،
أو الرضا بما قدره الله له إن كان ما حل به جراء ابتلاء أو كارثة طبيعية،
وثانيهما: أن يتحلى بالإرادة، فبدونهما لا يمكن للمجتمع أن يصمد كثيراً، بل سرعان
ما سينهار.
ولقد تضمنت
الشريعة الإسلامية حزمة من المبادئ التي يمكن اعتبارها أهم الأسس للاقتصاد المقاوم،
فدعا الإسلام إلى الاستقلال الاقتصادي، وأن تكون الأمة قادرة على الاكتفاء
والاعتماد على نفسها قدر الإمكان، كون أن التبعية الاقتصادية قد تقود إلى التبعية
السياسية، وأن القوة الاقتصادية أحد أشكال القوة التي أشار القرآن إلى أهمية
الإعداد لها بقوله تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن
قُوَّةٍ) (الأنفال: 60).
كما شجع الإسلام
أتباعه على أن يتكسبوا من عمل أيديهم وألا يركن أحدهم إلى إخوانه بلا عمل أو تعب،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل
يده».
وأعطت التجارب
التاريخية الإسلامية نماذج رائعة في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتأمين السلع الأساسية
والغذائية، ومن ذلك ما حدث في عام الرمادة زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
حيث نجح في سياسته لإدارة الأزمات الغذائية وتخزين الحبوب التي كانت سبباً في
تمكين المسلمين من عبور الأزمة.
ومنع الإسلام
الاحتكار والفساد في كل وقت وحين، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمكن أن تمر بها
المجتمعات الإسلامية، كان المنع أولى والعقوبة أشد، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى
الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ»، والخطأ هنا تقدر عقوبته التعزيزية من قبل
ولي الأمر وفق حجم أثره السلبي على المجتمع.
وتأتي كل من
قيمة التكافل الاجتماعي وترشيد الاستهلاك كآليات مهمة للاقتصاد المقاوم، فالتكافل
يمكن تحقيقه من خلال الزكاة والصدقات والوقف، وأما الترشيد فهو التزام بما تضمنه
القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31).
إحياء المنتج المحلي
على الرغم من
أهمية الأسس التي أشرنا إليها آنفاً لتحقيق مفهوم الاقتصاد المقاوم، فإنه لا يمكن
الاكتفاء بها في واقعنا المعاصر؛ إذ يجب أن يضاف إلى ذلك إعادة بناء أنماط الإنتاج
والاستهلاك بما يعزز الاعتماد على الذات ويقلل من التبعية للخارج، خاصة وقد حدث
تداخل معقد لسلاسل إنتاج السلع.
ونقصد بذلك أنه
لا بد من التوجه لإعادة إحياء الصناعات المحلية التقليدية وتطويرها لتصبح بدائل
حقيقية للسلع المستوردة، فيمكننا مثلاً التوسع في استخدام جريد وسعف النخيل
والمواد النباتية المحلية في صناعة الأثاث والمشغولات المنزلية بدلاً من الاعتماد
على الأخشاب المستوردة.
كما يمكن الدفع
للاستغناء عن الكثير من السلع الكمالية وغير الضرورية التي يستنزف استيرادها
العملات الأجنبية دون ضرورة، مثل المشروبات الغازية وأطعمة الحيوانات الأليفة
والمثلجات وبعض أنواع المكسرات والمنتجات الترفيهية.
في المقابل،
يمكن العمل على تشجيع الصناعات الغذائية المحلية القائمة على الفواكه والأعشاب
والمنتجات الزراعية المتوافرة التي يمكن تطويرها لتصبح ذات جودة عالية وقادرة على
منافسة السلع الأجنبية.
كذلك يجب منح
فرصة أكبر للابتكار المحلي وإطلاق طاقات المنتجين والمخترعين لاستحداث منتجات خاصة
تعتمد بالأساس على الموارد المحلية وبأيد محلية أيضاً.
أيضاً لا يمكن
تجاهل الخطاب الإعلامي والاستهلاكي داخل المجتمع؛ إذ لا بد من الحد من الإعلانات
التي تروج للسلع المستوردة أو الكمالية وتوجيهها لدعم المنتج المحلي وتعريف الناس
بقيمته الاقتصادية والوطنية.
ولا تعني مثل
هذه السياسات الانغلاق الاقتصادي أو فرض العزلة على هذا المجتمعات، وإنما هو توجه إستراتيجي
يستهدف تقوية البنية الاقتصادية الداخلية بحيث يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة
الحصار أو الاضطرابات وهو التوجه الذي ربما يخرج المجتمع بعده أقوى وأكثر اعتماداً
على ذاته فتصبح نكبته منحة.
اقرأ
أيضاً:
الغزو
الاقتصادي وسلاح «الهايبر»!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً