المواقف.. بين ميزان الشرع وضغط الجماهير
في زمن الأخبار
العاجلة ومنصات التواصل، أصبحت بعض الأحكام والمواقف تُبنى تحت تأثير صورة مؤلمة،
أو مقطع مبتور، أو خطاب حماسي، قبل التثبت من الوقائع والرجوع إلى العلماء
والمتخصصين، ولا إشكال في أن يتألم الإنسان للمظلوم أو يغضب من العدوان، فالعاطفة
جزء من الفطرة، وإنما الخطأ أن تتحول من دافع لنصرة الحق إلى بديل عن الدليل
والعدل.
الأصل أن تُرد
الأحكام إلى الشرع، قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: 59)، وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ
فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18).
والهوى قد يكون
فردياً، وقد يكون جماهيرياً يضغط على الإنسان ليقول ما يرضي الناس، لا ما يعتقد
أنه الحق، وقد وضع القرآن منهجاً للتعامل مع أخبار الأمن والخوف، فقال تعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ
أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي
الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83).
فليس كل خبر
صالحاً للنشر أو لبناء موقف، بل يجب التثبت ورد القضايا الكبرى إلى أهل العلم
والاستنباط، قال تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).
والقضايا
المعاصرة تحتاج إلى تكامل التخصصات؛ فالطبيب يصور المسألة الطبية، والاقتصادي يبين
آثار القرار، والقانوني يشرح الأنظمة، والخبير السياسي يقدر موازين القوى، ثم ينظر
الفقيه في الحكم الشرعي وتنزيله على الواقع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في
الخبرة الفنية: «أنتُم أعلَمُ بأمرِ دُنياكُم» (رواه مسلم).
ومن أهم موازين
الشرع العدل مع الموافق والمخالف، قال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فلا يجوز تبرير الخطأ لأنه صدر من القريب، أو تضخيمه
لأنه صدر من الخصم، ولا تعميم خطأ فرد على جماعة أو شعب.
كذلك لا بد من
النظر في عواقب المواقف، قال الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً»،
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها
راجحة على المفسدة»؛ لأن إنكار المنكر إذا أدى إلى منكر أعظم لم يكن إصلاحًا شرعياً.
ومن أمثلة ذلك «صلح
الحديبية»، فقد بدت بعض شروطه شديدة على المسلمين، حتى قال عمر رضي الله عنه:
«فعلام نعطي الدنية في ديننا؟»، لكن الصلح أصبح فتحاً عظيماً، وكذلك ترك النبي صلى
الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، وقال: «لَولا أنَّ قَومَكِ
حَديثو عَهدٍ بشِركٍ لَهَدَمتُ الكَعبةَ» (صحيح مسلم)، مراعاة لاستقرار إيمان
الناس.
ورفض صلى الله
عليه وسلم قتل عبدالله بن أبي، قائلًا: «لا يتحدثُ الناسُ أنَّ مُحَمَّداً يقتلُ
أصحابَه» (رواه البخاري)، نظراً إلى أثر الفعل في صورة الدعوة، كما أنكر على معاذ
إطالة الصلاة بالناس، وقال: «يا مُعاذُ، أفَتَّانٌ أنتَ؟!» (ثلاثاً) (رواه البخاري)،
مراعاة للضعيف وصاحب الحاجة.
فالمنهج الشرعي
لا يلغي العاطفة، وإنما يضبطها بالعلم، والتثبت، والعدل، وفقه الواقع، والموازنة
بين المصالح والمفاسد، وخاصة أن بعض المواقف يفعلها بعض المنتقدين أو صمتوا عنها
إن تعارضت مع مصالحهم أو فعلها من أحبوه وتبعوه، لذلك فالفرق بين المواقف
التأصيلية والشعبوية المطلقة، أما الشعبوية فتسأل: ماذا يريد الجمهور أن يسمع؟
والمنهج الشرعي يسأل: ما الحق؟ وما الذي يرضي الله؟ وما الطريق الأعدل والأحكم
لتحقيق المصلحة وتقليل الضرر؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً