«أليست نَفْساً؟».. بين كرامة الإنسان وحرمة التوحيد
يشيع في الخطاب
المعاصر الحديث عن «احترام الأديان» و«احترام المعتقدات»، ويُقدَّم ذلك بوصفه من
مقتضيات التعايش وحفظ كرامة الإنسان؛ إذ يُفترض أن احترام الإنسان يقتضي احترام ما
يؤمن به، وأن الاعتراض على معتقده أو إظهار بطلانه ينافي الاعتراف بكرامته وحريته.
غير أن الانتقال
من احترام الإنسان إلى احترام ما يعتقده ليس بهذه البداهة؛ فالإنسان وعقيدته ليسا
شيئًا واحدًا، كما أن صيانة حق المخالف والعدل معه لا تستلزم الإقرار بما يراه
حقًّا أو تعظيم ما يراه مقدسًا.
ومن هنا تتصل
المسألة بأصل الرؤية الإسلامية للإنسان وحريته، وللحق والباطل، ولما يجوز للمؤمن
أن يرضاه أو يعظمه.
ومن أبلغ ما
يكشف هذا الفرق موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن اليهود يصومون يوم
عاشوراء تعظيمًا لنجاة موسى وبني إسرائيل من فرعون، فقال: «نحن أولى بموسى منكم»(1)،
وأمر بصيامه.
وقد يُقرأ هذا
الموقف في إطار «المشترك الديني»، لكن التعبير النبوي أدق من ذلك؛ فلم يقل صلى
الله عليه وسلم إن المسلمين واليهود يشتركون في تعظيم موسى فحسب، بل قرر أولوية
المسلمين به، والمسلم يؤمن بموسى عليه السلام نبيًّا من أنبياء الله تعالى، كما
يؤمن بسائر الأنبياء، ويؤمن بأن أصل ما جاؤوا به وحي من الله تعالى.
ومثله قوله
سبحانه: (إِنَّ أَوْلَى
النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ
آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 68)، فالاشتراك في
اسم نبي أو بعض القصص والمعاني الدينية لا يعني الاشتراك في الحقيقة العقدية، ولا
يقتضي التسوية بين الإسلام وما انتهى إليه أتباع الديانات السابقة من معتقدات.
ولهذا يحتاج لفظ
«الاحترام» نفسه إلى تحرير؛ فقد يراد به مجرد الامتناع عن الإهانة والاعتداء، أو
الاعتراف بحق الشخص في اختيار معتقده، وقد يراد به إظهار التوقير لمعتقده والتعامل
معه بوصفه جديرًا بالتعظيم، وهذه معانٍ مختلفة لا يصح جمعها في حكم واحد.
فمن حق غير
المسلم أن يعامل بالعدل، وأن تصان نفسه وماله وعرضه، وأن يوفى له بعهده، وأن يُحسن
إليه في موضع الإحسان، ويُراعى حق الجوار والقرابة؛ قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ تعالى عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ
دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللهَ تعالى
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8).
لكن شيئًا من
ذلك لا يستلزم أن يقر المسلم العقيدة التي عليها غيره، أو يعظمها، أو يصفها بأنها
حق لمجرد احترام صاحبها، فقد يكون الإنسان محل عدل وبر ورحمة، مع بقاء معتقده عند
المسلم باطلًا لا يجوز مدحه ولا تعظيمه؛ لأن الحكم على الإنسان في معاملته شيء،
والحكم على معتقده شيء آخر.
ومن أوضح
الأمثلة التي وقع فيها الخلط حديث قيام النبي صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي، فقد
مرت به جنازة، فقام، فقيل له: «إنها جنازة يهودي»، فقال صلى الله عليه وسلم: (2).
وقد اتخذت بعض
القراءات المعاصرة من هذا الحديث أساسًا لفكرة «التكريم الإنساني» بمعناها المجرد،
فجعلت قيام النبي صلى الله عليه وسلم تكريمًا للإنسان بصرف النظر عن معتقده(3)،
أو دليلًا على أن الكرامة الإنسانية لا تتوقف على العقيدة(4).
غير أن الروايات
الأخرى تفسر الموقف تفسيرًا أدق؛ ففي صحيح مسلم: «إن الموت فزع، فإذا رأيتم
الجنازة فقوموا»(5)، وفي رواية للبخاري: «إنما تقومون إعظامًا لله
تعالى الذي يقبض الأرواح»(6)، وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال في جنازة الكافر: «إنكم لستم تقومون لها، إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض
النفوس»(7).
فالمقام إذن ليس
تعظيمًا لعقيدة اليهودي، ولا تسوية بينها وبين الإسلام، وإنما تعظيم لله تعالى
واستحضار لأمر الموت، ومن ثم يتضح أن تكريم الإنسان شيء، وتعظيم ما يعتقده شيء
آخر.
وتزداد الحاجة
إلى هذا التفريق في العلاقات القريبة، كعلاقة القرابة أو المصاهرة، حيث قد يتحول
احترام حرية المخالف إلى تردد في دعوته إلى الحق، ثم إلى إقرار صامت بما هو عليه،
وربما إلى المشاركة المتبادلة في الشعائر بدعوى المودة والمجاملة.
وهنا ينبغي أن
يُسأل: هل احترام حرية الاختيار يعني احترام الاختيار نفسه؟ لقد جعل الله تعالى
للناس مجالًا للاختيار، ولم يجعل الإيمان بالإكراه، فقال: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256)،
لكن عدم الإكراه لا يعني أن كل اختيار صحيح، ولا أن المؤمن مطالب باعتبار الباطل
حقًّا احترامًا لصاحبه، فالفرق شاسع بين أن أقول لغير المسلم: لا أجبرك على اعتقاد
ما لا تؤمن به، وبين أن أقول: ولذلك أرى معتقدك صحيحًا أو جديرًا بالتعظيم؛ الأول
من مقتضى ترك الإكراه، والثاني انتقال إلى الإقرار،
بل إن الرحمة
بالمخالف قد تكون مقتضية ألا يتحول احترام حريته إلى تخلٍّ عن دعوته إلى ما يراه
المسلم حقًّا، فالمسلم لا يرى تعدد الأديان مجرد طرق متساوية إلى الحقيقة، وإنما
يعتقد أن الله تعالى لا يرضى من عباده دينًا غير الإسلام.
ومن ثم فإن صدق
المحبة لا يقتضي الرضا بالباطل، بل قد يقتضي النصيحة والبيان والحرص على الهداية، أما
تحويل المودة إلى مشاركة في الشعائر، أو التعامل مع الإسلام بوصفه مجرد ثقافة خاصة
بالمسلمين، فليس من مقتضيات حسن المعاملة، بل قد يكون خلطًا بين احترام الشخص
والإقرار بعقيدته.
ولهذا جاءت سورة
«الكافرون» فاصلة في هذا الباب: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1} لَا
أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {3} وَلَا
أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ {4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {5}
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون)، فهي لا تأمر بإهانة المخالف أو قطع كل صلة إنسانية به،
وإنما تمنع خلط العبادة والتنازل عن حقيقة التوحيد.
ومن هنا أيضًا
يتضح أن «حرية الاعتقاد» لا تعني نسبية الحقيقة، فالإنسان قد يكون مخيرًا في أن
يعتقد ما يشاء، لكن اختياره لا يجعل معتقده صحيحًا في ميزان الإسلام، كما أن
الاعتراف بحقه في الاختيار لا يقتضي تعليق الحكم على الحقيقة، وإلا اختلط مجال
الحقوق والمعاملة بمجال الاعتقاد، فأصبح كل نقد لعقيدة ما عدوانًا على صاحبها، وكل
دعوة إلى الحق انتهاكًا لحريته.
والإسلام لا
يحتاج إلى هذا الخلط؛ فهو يكرم الإنسان ويحفظ حقوقه ويعدل معه، وفي الوقت نفسه
يمنح المؤمن ميزانًا يحكم به الأفكار والمعتقدات، فلا تتوقف الحقيقة على رغبة
أصحابها ولا على حقهم في اختيارها.
ولعل عبارة
واحدة تلخص هذا الباب: ليس كل إحسان استحسانًا، فقد أحسن إلى إنسان لأنه جار أو
قريب أو صاحب عهد أو محتاج، ولا يعني ذلك أنني أستحسن كل ما عليه من أفكار
ومعتقدات، وقد أحترم حقه في العيش والأمان والاختيار، من غير أن أتعامل مع باطله
بوصفه حقًّا، فالمسلم يستطيع أن يرفض العقيدة التي يراها باطلة، وأن يعدل مع
صاحبها في الوقت نفسه؛ لأن تكريم الإنسان لا يتوقف على تزكية كل ما يعتقده، كما أن
إنكار الباطل لا يقتضي ظلم صاحبه.
ويبقى أصل
المسألة أن تعظيم الله تعالى لا ينافس تكريم الإنسان، بل هو الذي يضع له أساسه
وحدوده، فالإنسان مكرّم لأن الله تعالى كرّمه، وحقوقه مصونة لأن الله تعالى أمر
بصيانتها، والعدل معه واجب لأن الله تعالى أوجبه.
ولذلك لا يستقيم
أن يجعل المؤمن احترام الإنسان مدخلًا إلى تعظيم ما يناقض توحيد الله تعالى، وكأن
حفظ حرمة المخلوق يستلزم التفريط في حرمة الخالق، إنما الاستقامة أن يوضع كل شيء
في موضعه: يُعامل الإنسان بالعدل والرحمة، وتُصان حقوقه وحريته، ويُحسن إليه حيث
أمر الشرع بالإحسان، من غير أن يُطلب من المسلم أن يعظم ما يراه باطلًا أو يقرّه.
وهكذا يمكن للمسلم أن يعيش مع المخالف من غير أن يوافقه، وأن يرحمه من غير أن يستحسن باطله، وأن يحفظ حقه من غير أن يقر معتقده، فالمشكلة ليست في تكريم الإنسان، وإنما في الانتقال غير الملحوظ من تكريم الإنسان إلى تعظيم ما يعتقده، حتى تصبح العقيدة محصنة من النقد لمجرد أن صاحبها إنسان، وبين الأمرين حدّ يحفظ معًا كرامة المخلوق وحرمة التوحيد؛ وإذا اختلطا، لم يعد واضحًا ما الذي ينبغي أن يُراعى، وما الذي يُنكر، وما الذي يُكرم، وما الذي لا يجوز أن يكون موضع تعظيم.
الهوامش
- 1 صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة (3943).
- 2 صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي (1250).
- 3 Bismillah Ar Rahman Ar Rahim، (2008)، “An open letter: A call to peace, dialogue and understanding between Muslims and Jews.” European Judaism: A Journal for the New Europe, 41(1), 148–154.
- 4 Ibrahim, A، M، (2016)، “A not-so-radical approach to human rights in Islam.” The Journal of Religion, 96(3), 346–377.
- 5 صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة (1593).
- 6 ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي.
- 7 مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (6537).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً