تحديات زواج المغتربين في ضوء السيرة النبوية
يمثل الانتقال
من البيئة الأصلية إلى مجتمع جديد تجربة إنسانية تفرض على الفرد تحديات متعددة كقضية التكيف، وزواج المغتربين، وبناء علاقات اجتماعية، وتقدم هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة
نموذجًا تاريخيًا غنيًا في التعامل مع هذه التحديات.
فلم تقتصر عناية
النبي صلى الله عليه وسلم لهم على استقبال المهاجرين وتأمين استقرارهم، بل عمل على
بناء روابط اجتماعية وأسرية تسهم في اندماجهم في المجتمع الجديد، من خلال المؤاخاة
والتكافل والمصاهرة، مع مراعاة ما قد ينشأ من اختلاف في العادات والظروف.
أبرز تحديات زواج المغتربين المهاجرين من نساء الأنصار
1- صعوبة التكيف
في المدينة: لم تقتصر آثار الهجرة على الانتقال المكاني وفقدان الأهل والسكن
والمال، والحياة في بيئة جديدة لم يتآلف معها بعد؛ ما كان له تأثير نفسي، وشعور
بالحنين إلى بلده الذي عاش ونشأ فيه، وصعوبة في التكيف إذا لم يجد الدعم ويد العون
تمتد إليه، فقد أصيب أبو بكر، وبلال بحمى المدينة، وعبر المهاجرون عن حنينهم إلى
مكة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لهم بقوله: «اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت
إلينا مكة أو أشد»(1).
2- اختلاف
العادات بين المهاجرين والأنصار: شهد العصر النبوي حالات زواج المهاجرين (أهل مكة)
من نساء الأنصار (أهل المدينة) بعد أن عقد النبي صلى الله عليه وسلم لهم المؤاخاة
بين المهاجرين والأنصار، وإمعاناً في التقارب بينهما، وسلب نوازع العصبية، وصهر
المهاجرين والأنصار في مجتمع واحد، توثقه عُرى الأخوة والمصاهرة.
وقد أسهم هذا
الزواج في توثيق الصلات بين المهاجرين والأنصار، غير أن اختلاف بعض العادات كان
يمكن أن يفرض تحديات على الحياة الأسرية، وظهور بعض الفروق في أسلوب التعامل داخل
الأسرة، وهو ما قد يفرض على الزوجين قدرًا من التكيف مع العادات وأساليب التواصل
التي اعتادها كل منهما.
وتبرز بعض
الروايات اختلافًا في طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء في البيئتين؛ فقد عُرفت
بعض نساء الأنصار بقدر من الجرأة في إبداء الرأي ومراجعة الأزواج والمشاركة في
شؤون الحياة.
وقد وصف عمر رضي
الله عنه الاختلاف في طريقة تعامل بعض نساء قريش والأنصار مع أزواجهن، وهو ما يكشف
عن تفاوت بعض الأعراف الاجتماعية المتعلقة بالحوار بين الزوجين، بقوله: «كنا معشر
قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا على الأَنصار، إِذَا هُمْ قوم تغلبهم نساؤهم،
فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبت على امرأتي؛ فراجعتني»(2).
ويتضح من ذلك
اختلاف طبائع الرجال والنساء من مكان لآخر، وأن انتقال المصاهرة بين بيئتين قد
ينشأ عنه اختلاف الطبائع، وانخفاض التوقعات حول أسلوب الحوار وإبداء الرأي، وإدارة
شؤون الأسرة.
ومن ثم، فإن
الزواج بين المهاجرين والأنصار لم يكن مجرد ارتباط بين فردين، بل كان تفاعلًا بين
بيئتين اجتماعيتين مختلفتين في بعض العادات وأنماط التواصل، الأمر الذي استلزم
التكيف المتبادل وفهم الاختلاف، وهو ما يمثل جانبًا مهمًا من تحديات الزواج في
بيئة جديدة.
من الشواهد على
اختلاف بعض العادات بين المهاجرين والأنصار في الحياة الزوجية ما روته أم سلمة رضي
الله عنها، أن رجلًا من المهاجرين تزوج امرأة من الأنصار، فوقع بينهما خلاف بسبب
اختلاف في العلاقة الزوجية، فاستعانت المرأة بأم سلمة، ثم عُرض الأمر على النبي
صلى الله عليه وسلم لهم، فنزل قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة:
223)(3).
المعالجة النبوية لمشكلات زواج المهاجرين
1- تغير الثقافة
السائدة عن الزواج: أسهمت التربية النبوية في إعادة تشكيل بعض المفاهيم والأعراف
المرتبطة بالزواج، من خلال التخفيف من العوائق المادية والاجتماعية التي قد تحول
دون إتمامه، وترسيخ مبدأ التيسير وعدم المغالاة في المهور والتكاليف.
ويتضح ذلك في
توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجل الذي لم يجد ما يقدمه مهرًا بأن يلتمس
ولو خاتمًا من حديد، ثم زوّجه بما يحفظ من القرآن، كما وجّه عبدالرحمن بن عوف إلى
إقامة الوليمة ولو بشاة، وهو ما يرشدنا إلى الابتعاد عن الإسراف في مراسم الزفاف
التي نعيشها اليوم.
وقد تعاملت السُّنة
النبوية مع بعض الاعتبارات الاجتماعية المتداولة في اختيار الزوجين، مع توجيه واضح
إلى تقديم الدين في الاختيار، فيقول صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع؛
لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك»(4).
ومن مظاهر إعادة
توجيه بعض المعايير الاجتماعية المرتبطة بالزواج تقديم الإيمان على بعض الاعتبارات
المتعلقة بالمكانة الاجتماعية والنسب ما ورد في بعض كتب التفسير أن عبدالله بن
رواحة تزوج أَمَة مؤمنة، فاستنكر بعض الناس ذلك ممن كانوا يرغبون في الزواج من
ذوات الحسب والنسب من المشركات، فنزل قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة: 221).
وأقر النبي صلى الله
عليه وسلم لهم بعض مظاهر الفرح عند الزفاف دون إسراف، وقد أسهم المنهج النبوي في
إعادة توجيه بعض معايير الزواج وممارساته، من خلال التأكيد على التيسير، وتقديم
الدين، والحد من المغالاة في المهور والتكاليف، فيقول صلى الله عليه وسلم: «أعظم
النساء بركة أيسرهن صداقاً»(5).
2- المؤاخاة
والتكافل: تقدم هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة نموذجًا تاريخيًا للتعامل مع
بعض تحديات الغربة والاستقرار وبناء الروابط الاجتماعية في مجتمع جديد؛ فقد حرص
النبي صلى الله عليه وسلم على دعم دمج المهاجرين في المجتمع المدني من خلال
المؤاخاة بينهم وبين الأنصار، وما ارتبط بها من صور التكافل والمساندة والمصاهرة.
ويبدو ذلك في
قصة عبدالرحمن بن عوف حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع
الأنصاري، فعرض عليه سعد أن يقاسمه ماله، غير أن عبدالرحمن آثر الاعتماد على نفسه،
وقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، ثم خرج إلى السوق، وعمل
وتزوج امرأة من الأنصار، ودفع لها صداقًا قدره وزن نواة من ذهب، فقال له النبي صلى
الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة»(6).
وقد كان الزواج
بين المهاجرين والأنصار مجالًا لالتقاء عادات وتوقعات اجتماعية مختلفة، وهو ما قد
يترتب عليه بعض الاختلاف في فهم الأدوار الزوجية وأساليب التعامل داخل الأسرة، ونزلت
الآيات القرآنية المنظمة للعلاقات الأسرية في بيان الحقوق والواجبات وضبط
الممارسات الزوجية؛ بحيث لا تكون الأعراف المحلية وحدها هي الحاكمة للعلاقة
الزوجية.
تكشف تجربة المهاجرين في المدينة أن الغربة تجربة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية، وقد عالجها المنهج النبوي بالمؤاخاة والتكافل، وتيسير الزواج، ومراعاة الاختلاف، وتشجيع العمل والاستقلال، ويمكن الإفادة منها في معالجة قضايا المهاجر المعاصر، فنجاح الاندماج لا يتحقق بتكيف المهاجر وحده، وإنما بتفاعل متبادل يتيح له المشاركة ويحفظ كرامته وهويته، ويجعل الأسرة جسرًا للتعارف والتكامل وبناء مجتمع أكثر تماسكًا.
الهوامش
- 1 رواه البخاري؛ كتاب الدعوات باب الدعاء برفع الوباء والوجع (6372).
- 2 فتح الباري، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها (5191).
- 3 راجع: تفسير (الآية 223) من سورة «البقرة» في: تفسير الطبري جامع البيان (3474).
- 4 رواه البخاري، كتاب النكاح (5090).
- 5 رواه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم (1133).
- 6 رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الوليمة ولو بشاة (5167).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً