الغلظة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تعيش المجتمعات دائمًا بين انحرافٍ وتقويمٍ؛ انحراف ينشأ عن الأهواء
والشهوات والجهل، وهذه عوامل فساد تنخر في المجتمع، وعندها يحتاج المجتمع لإصلاح
وتقويم.
وما ينطبق على المجتمعات ينطبق على الأفراد؛ فالنفس -في الغالب- تدفع
صاحبها للوقوع في المناكر، وإذا افتقدتْ التقويم الداخلي أو الخارجي فسدت النفس
وأهلكت صاحبها.
والتقويم الخارجي يكون عن طريق التربية والدعوة، وهذه الدعوة لها شروطها
وآدابها؛ فقال تعالى: (ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125)؛ فقصر الدعوة على ذكر هذين
القسمين؛ لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل
الظنية فهي الموعظة الحسنة.
أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو
الإلزام والإفحام.
فلهذا السبب لم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل
الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهًا على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض
منه شيء آخر(1).
ومن معاني الحكمة ما قيل: إنه وضع الشيء في موضعه(2)، فمن
الحكمة الرفق بالمدعو وترك الغلظة معه؛ إذ إن الغلظة تصيب القلوب بالنفرة، ويتفرق
الناس وينفضون من حول الجفاة الغلاظ، لذلك امتن الله على نبيه بأن ألان قلبه على
أمته، ورزقه الرفق بهم، وخوفه عليهم؛ فجمع بين كمال الدعوة وكمال الخوف؛ فلم يكن
العصيان والكفران داعيين له بأن يقسو على الناس؛ بل كلما ازداد بعدهم عنه ازداد
خوفه عليهم من المصير الذي سيلاقونه إن لم يتبعوه؛ فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)
(آل عمران: 159).
فالغلظة أصلاً ليست من أساليب الدعوة، أو الأمر بالمعروف، كما أنه لم ترد
في القرآن كلمة «الغلظة» إلا فيما يتعلق بمجاهدة الكفار والمنافقين الذين يعصون
الله ما أمرهم، إذ جاء في سورة «التوبة» و«التحريم» وبنص واحد حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: 73/ التحريم: 9)(3).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروط بالعلم بالمعروف وبالمنكر؛ لأن الجاهل
ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف.
وربما عرف الحكم في مذهبه وجَهِلَه في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر.
وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده
إنكاره إلا تماديًا(4).
وأحيانًا يشعر الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أنه خير من الآخرين، فيصاب
بآفة الاستعلاء على غيره، وهو بذلك يكون على خطر عظيم إن لم يراجع نفسه.
والسلطة قد تغري صاحبها ألا يتدرج مع الناس في درجات الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر؛ فيقسو عليهم بما له من سلطة عليهم، ويضع الشدة موضع اللين، ويظن أنه
بغلظته يقوِّم الناس، وأنه لا يصلح معهم إلا الشدة والغلظة والقسوة، والتي بها
يستقيم حالهم.
وهو بذلك يصنع منافقين يُظهرون عكس ما يبطنون، أو أناسًا ينتظرون الفرصة
التي من خلالها يمكنهم أن يتحرروا من القيود المفروضة عليهم، حسب وجهة نظرهم.
وكذلك يكون الرفق مع أهل الحكم والسلطة فبصلاحهم تنصلح الأمة، وإغلاظ
الدعاة لهم قد يجلب المشقة على الجميع؛ لذلك كان كبار العلماء يتلطفون مع ذوي
السلطان في نصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
قال محمد بن شهاب الزهري: كنت عند الوليد بن عبدالملك فتلا هذه الآية: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ
مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11)؛ قال: نزلت في علي بن أبي طالب
رضي الله عنه.
قال الزهري: أصلح الله الأمير، ليس كذا.
أخبرني عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
قال: وكيف أخبرك؟
قال: أخبرني عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها نزلت في عبدالله بن
أُبي بن سلول المنافق(5).
فقد بدأ ابن شهاب الزهري نصحه بقوله: أصلح الله الأمير، وهذه كانت عادتهم
في مخاطبة الأمراء وذوي السلطان، حتى وإن بدا منهم الخطأ والزلل؛ لأن الرفق لا
يأتي إلا بخير.
ودخل عقيبة بن فضالة يومًا على سعيد بن دعلج، وبين يديه رجل يُضرب، فقلت:
أصلح الله الأمير! أكلمك بشيء ثم شأنك وما تريد.
قال: فأمر به فأمسك عنه فقال: هات كلامك.
قال: فهبته والله ورهبت منه رهبة شديدة ثم قلت: إنه بلغني -أصلح الله
الأمير- أن العباد يوم القيامة تُرعد فرائصهم في الموقف خوفًا من شر ما يأتي به
المنادي للحساب، وإن المتكبرين يومئذ لتحت أقدام الخلائق.
قال: فبكى فاشتد بكاؤه، فأمر بالرجل فأُطلق.
قال: فكنت إذا دخلت عليه بعد ذلك قرَّبني وأكرمني.
قال: وقال لي يومًا -وقد دخلت عليه: ويحك يا عقيبة! ما ذكرت حديثك إلا
أبكاني! قال: ثم بكى(6).
ولكن هذا الأصل يمكن أحيانًا العدول عنه إذا اقتضى الأمر ذلك، لكنه لا يكون
عادة، بل على قدر الحاجة، وفي زمن وظرف معينين، كما هي الحال في الإنكار على
المعاندين بعد طول العناد، واستفراغ أساليب الرفق واللين والدعوة بالحكمة والموعظة
الحسنة، وقد استعمل أبونا نوح عليه السلام هذا الأسلوب فقال لقومه: (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا
تَجْهَلُونَ) (هود: 29)، وكذلك أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام
استخدم هذا الأسلوب، فقال الله تعالى حكاية عنه: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء: 67)(7).
فليس أن تكون آمرًا للمعروف ناهيًا عن المنكر أن تكون فظًّا غليظًا تنظر
للناس من علٍ، بل الآمر والمأمور في الذنب سواء، لكن الله ستر البعض وكشف ستره عن
آخرين.
وليست الدعوة للين والرفق أن نميع الأمور، ونترك الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، بل هو الصدع بالحق مع الترفق بالمدعوين والصبر عليهم.
____________________
(1) مفاتيح الغيب، الرازي (20/ 112).
(2) انظر: التعريفات، الجرجاني ص 124.
(3) مقالة الأمر بالمعروف لا بالغلظة لعبد الله عمر خياط، الجمعة 12 فبراير
2010م، https://www.okaz.com.sa/article/315314 باختصار.
(4) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمحمد عابد الجابري، http://www.aljabriabed.net/terrorism7.htm
(5) حلية الأولياء، أبو نعيم (3/ 369).
(6) الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا، ص 110-111.
(7) انظر: https://www.islamic-konoz.com/post/629/.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً