خطوات أسرية هادئة لاستقبال رمضان
مع الاقتراب من حلول شهر رمضان المبارك،
تختلج الأفكار، وتهتز المشاعر، ويخفق القلب، ويجترّ العقل توقعاته، وفي كل بيت
تستعد الأسرة لاستقباله، كلّ على شاكلته، لسان حال الجميع: «اللهم بلغنا رمضان».
لكن كيف سنستقبله؟ هل سنستقبله بنفوس
قلقة أم بقلوب مطمئنة، سنستقبله بجديد في طباعنا وأحوالنا، أم كل مرة هي أول مرة؟
يأتي رمضان ليغسل الروح التي أثقلها
الجسد طيلة العام، لتنطلق من كبوتها وتقيل عثرتها، وتغسل حوبتها.
ومع اقتراب الشهر الفضيل ونحن على أبوابه، يبقى السؤال: هل نحن مستعدون لتغير جديد ليأتي رمضان ويسعد فيه كل سعيد، ويعود فيه كل قلب عنيد إلى ربه بخطى هادئة ونفس مطمئنة غير متوترة؟
رمضان.. والعودة إلى الفطرة
يقول د. مجدي هلال، أستاذ الصحة النفسية
بالجامعة الإسلامية، كبير باحثين بالأزهر سابقاً: إن شهود رمضان منحة ربانية عظيمة؛
(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة 185).
ويوضح أن الشهود أبلغ من الرؤية، ويشي
بالحضور الواعي المصحوب بالالتزام العقدي، وملخصه الإخلاص، والالتزام العبادي، وجوهره
الإحسان، والالتزام السلوكي، ويزينه الإتقان والالتزام الأخلاقي ويزينه الصبر
والحُسن والالتزام الاجتماعي وإطاره الود والمرحمة، ذلك الالتزام الذي يقود الفرد
والأُسرة والمجتمع إلى التواد والتراحم والتكافل والتيسير والتخلص من ثقل الكُلفة،
والسَرف وتبعات الرقمنة وثقافة اللقطة، والعودة إلى براءة الفِطرة وبساطتها.
يضيف لـ«المجتمع» أن رمضان يمثل منحة
سنوية ربانية يتهيأ فيها المناخ وتزكو فيها النفوس وتصح فيها الأبدان وتنشط
وتُشحَذ فيها الهمم وتعلو، أعمال العبد في نهار رمضان ولياليه، كأنها أعمال صيانة
دورية ضرورية، أو حضور جبري لدورة تدريبية ربانية يعاد خلالها خُلق وسلوك وقلب
العبد لوضعية ضبط المصنع، ليعيش نعيم تدبر القرآن وسلام الذكر وبهجة المودة
والرحمة والبر.
ويتابع، في حديثه: يجب أن ينشغل الفرد
وأسرته في ترتيبات استقبال المنحة واستعدادات التعرض للنفحة، فيعد مصحفه، ومصلى
بيته، وكراس خواطره، وفوائد تدبره، وقائمة أعمال البر واستحضار نية وهيئة القدوة
والاقتداء، ويعاهد ربه تعالى ثم أسرته ومَنْ يعول ومَنْ يصاحب بأن يستغنى بلذة
النظر في آياته تعالى والذكر والتدبر عن شهوة النظر إلى الشاشات، فلا غفلة ولا
صَخب ولا لهو ولا سرف ولا تبذير ولا زهو ولا بغض ولا حسد ولا تقطير ولا بخل، إنما
إتقان في أداء الفرائض والسنن.
الأسرة دون تكلف عقَدَي أو مادي
ويؤكد الأكاديمي الأردني والمستشار
التربوي والأسري د. علاء حسني لـ«المجتمع» أن تهيئة الأسرة المسلمة مهم للغاية،
لاستقبال رمضان دون تكلفة أو تعقيد مادي، حيث ترى بعض الأسر أن الاستعداد لرمضان
يبدأ من الأسواق، لكن الحقيقة أن التحضير الأعمق يحدث بصمت داخل البيوت.
ويوضح أن التهيئة النفسية لا ترتبط
بالميزانية بقدر ما ترتبط بقدرة الأسرة على إعادة ترتيب عالمها الداخلي، فقبل دخول
شهر الصيام، يكفي أن تخفف الأم من ضجيج الأيام، وتعيد نبضًا هادئًا للبيت، عبر جمل
بسيطة تُقال على المائدة أو الجلسات العائلية، ونبرة صوت لا توتر فيها خلال
التعامل اليومي.
وينوه بأن هذه التفاصيل الصغيرة تمنح
أفراد الأسرة شعورًا، بأنهم يدخلون الشهر من أرض ثابتة لا من حالة فوضى وتوتر، كما
أن الأمر لا يحتاج الأمر في البعد الإيماني إلى برامج معقدة، فما يحدث فعليًا هو
تهيئة روحية أكثر منه خطة متقنة الصياغة.
وينبه حسني إلى أنه يجب أن نستقبل الشهر
بقلوب خفيفة لا تحمل أثقال أمراض القلوب من حسد وكبر وغيبة ونميمة، قلوب تصفو
بالتواصل والصلة مع الأقارب والأرحام والأصدقاء والجيران، فتميل الأمهات إلى فتح
نوافذ الصلة الصغيرة؛ كمكالمة ودّ، ورسالة تطييب خاطر، أو مبادرة خير بسيطة في
الحي، أو إطعام بما قسمه الله دون تكلف أو تعسُّف.
ويختتم حديثه بالقول: هذه اللمسات
الاجتماعية الإنسانية لا تُكلف شيئًا، لكنها تهيئ مناخًا غير متوتر، وتساعد الأسرة
على الدخول في الشهر العظيم منسجمة مع نفسها ومع محيطها، وبهذه الخطوات الهادئة،
وغيرها مما ورد في الهدي المحمديِّ، تستقبل الأسرة رمضان كما ينبغي:
1- شهرًا للترميم الداخلي.
2- الاستثمار في الخير، والمسارعة
للخيرات.
3- لا ساحة لزيادة الأعباء النفسية
والاجتماعية والاقتصادية.
الأسرة والطقوس المجردة
من جانبها، تؤكد الإعلامية ياسمين
الجيوسي، أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية في الجامعة الأردنية، أنه مع حلول شهر
رمضان، لا بد للأسرة المسلمة أن تتهيأ لاستقباله، لتحسن من استغلاله وتنتفع
بآثاره.
وتوضح أن ينبغي أن نسلّط الضوء على الدور
المحوري الذي يجب أن تقدّمه ربات المنازل، ونخصّ بالذكر منهن تلك الأمهات
الرساليات اللاتي يصنعن الجيل الناهض بأمّته الحامل للقيم، هؤلاء الأمهات لهنّ
الدور العظيم في جعل هذا الشهر الكريم محطة فارقة لدى أفراد الأسرة، كمحطة إيمانية
تربوية دافئة متصلة بخالقها، تتحول بها العبادة من طقوس مجردة وعادات إلى عمل
ومنهج حياة.
وتتابع، في حديثها لـ«المجتمع»: من هنا
يبرز دورها في تهيئة أسرتها ما قبل رمضان ضمن ثلاثية عمليّة (نفسية، إيمانية،
مجتمعية) تساعد على استغلال فضائل وبركات شهر الخيرات:
- لا تنشغل بشهرها في الانكفاء على
مطبخها والتفنن بأشهى أنواع المأكولات فقط.
- تحسن الموازنة بين واجبها الأسري
ورسالتها الإيمانية فتقدّم الهدف على الصنف.
- تحسن إدارة الوقت بين الطبخ والقيام
بالعبادات وتلاوة القرآن، حتى لا تجعل الطعام يسرق منها روح رمضان وجماليّته بأيام
معدودات.
ونوهت بأنه يمكننا من خلال التهيئة
الثلاثية أن نذكر بعض المقترحات العملية، لننتقل من القول والتنظير إلى العمل
والتطبيق، كالآتي:
فعلى الصعيد النفسي؛ مشاركة الأسرة في
التخطيط والإعداد بوضع جدول رمضاني مشترك للجميع يُعلّق على جدار المنزل، مع وضع
شعار لهذا الشهر ترغب الأسرة من خلاله تغيير عادة سلبية لديها واستبدال عادة
إيجابية بها، إضافة إلى ذكر الأم بعض القصص لتشويق الأسرة لاستقبال رمضان وشحذ
الهمم وشحن طاقتها الإيمانية، مع تعليق بعض العبارات التحفيزية، وتجهيز مكافآت
معنوية وصدقات لتوزيعها.
وأما على الصعيد الإيماني؛ فلا بدّ من
تهيئة روحانية ترتكز على تجديد النية والعهد مع الله بالتوبة والاستغفار والحرص
على الصلوات، وعمل مجالس قرآنية للعائلة يومية، لتتمكن من الالتزام بقراءة القرآن،
وقراءة السيرة النبوية أو مشاهدتها في مجلس يومي ثابت مع قصص الأنبياء، إضافة إلى
التهيئة المجتمعية؛ من خلال دعوتهم للإحسان إلى الناس، وصلة الرحم، والعفو
والتسامح ونبذ الأحقاد بين الأرحام والأصدقاء.
اقرأ
أيضاً:
اللهم بلّغنا رمضان.. ماذا أعددت له؟
الأسرة المسلمة في مواجهة مؤامرة إهدار رمضان
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً