بلاغة المناظرات في القرآن الكريم

بلاغة المناظرات في القرآن الكريم

منير القاضي

 

القرآن الكريم طوى في صحائفه القويمة طائفة من المناظرات العجيبة، والمحاورات البليغة، في مواضيع جوهرية شتّى، دفعني حُبّ استجلاء بعض حقائق القرآن إلى تتبّعها، وإفرادها بالبحث، وإليك نماذج مما وصل إليه فهمي، منها:

المناظرات:

1- (أَلَمْ ‌تَرَ ‌إِلَى ‌الَّذِي ‌حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (البقرة: 258).

(حاجّ) حاجَج، أي: ناظَر، أُدغمت الجيم الأولى في الثانية. (بُهِت) انقطع وسكت وتحيَّر، وهذا الفعل من الأفعال الملازمة لبناء المجهول، على الأرجح.

موضوع المناظرة: دعوى إبراهيم -عليه السلام- (أنّ الله تعالى هو الربّ)، وقد استدلّ على ذلك بأنه يُحيي ويُميت، أي: يهب الحياة لما يشاء من الأجسام فتنمو أو تنمو وتتحرك، فتؤتِي ثمارًا مادية ومعنوية، وتختصّ بميزان الحياة المعروفة في علم الأحياء، ثم ينزع منها الحياة فتموت وتعود إلى سيرتها الأولى؛ وترتيب الشكل المنطقي هكذا:

الله يُحيي ويُميت، وكلُّ مَن يحيي ويميت فهو الربّ -والترتيب من الشكل الأول-، وعند حذف الوسط وهو (يحيي ويميت) تكون النتيجة: الله هو الربّ، وقد عارضه خصمه الملِك بدليل مماثل -على زعمه- فقال: أنا أُحيي وأُميت؛ لأني أَعفو عمّن يستحق الإعدام فأكون قد أحييتُه، أي: وهبتُه حياة، وأعدِم من أشاء من الناس فأكون قد أمَتُّه، أي: سلبتُ منه الحياة، وترتيب دليل المنطقي على الشكل الأول أيضًا: أنا أُحيي وأُميت، وكلّ مَن يُحيي ويُميت فهو الرب؛ فالنتيجة: أنا الربُّ. ولم يشأ إبراهيم -عليه السلام- أن يدخل في إبطال دليل خصمه بأنه مغالطة؛ فإنّ الإحياء والإماتة اللَّتَيْن يقدر عليهما، هما غير الإحياء والإماتة الحقيقيين الواقعيين في الموجودات التي يصبح بها المعدوم موجودًا ثم يعود إلى طيّته؛ لأنّ خصمه سيذهب إلى مغالطة تلو مغالطة لئلا يضطر إلى التسليم؛ لذلك عدل إلى دليل آخر واضح المعنى لا تتأتّى المغالطة فيه، فقال:

إنّ الله يأتي بالشمس من المشرق، (أي) وكلُّ من يأتي بالشمس من المشرق فهو الربّ، النتيجة: (الله هو الربّ)، فإنْ كنتَ ربًّا فَأْتِ بها من المغرب، لكنك لا تقدر على ذلك فلستَ بربّ، وهو قياس استثنائي اقتراني، وهو من الأقيسة المنطقية الصحيحة، ولم يقل له: فَأْتِ بها من المشرق إنْ كنتَ ربًّا؛ لأن كون ذلك من فعل الله تعالى أمر مسلَّم به، يسلِّم به الخصم نفسه، فإنها تطلع من المشرق من قبل أن يوجد الخصم.

وليلاحظ أن الأقيسة المنطقية -حملية كانت أو شرطية- تعتبر صحيحة لا مناص من قبول نتائجها، إن جاءت وفق الشروط المقرّرة لها في علم المنطق فهي عندهم كالنتائج الرياضية قطعية لا تحتمل الشك.

2- (الشَّيْطَانُ ‌يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ ‌يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 268).

دعوى المخلص: الشيطان عدوّ لكم لأنّه يدعوكم إلى الفقر ويطلب منكم الفحشاء ويأمركم بها، وكلّ مَن يعدكم الفقر ويأمركم ويطلب منكم الفحشاء فهو عدوّ لكم، فالنتيجة: الشيطان عدوّ لكم، أي: والعدوّ يجب أن يجانب ويخالف ولا يطاع، وكأنَّ الخصم يمنع ضرورة اللجوء إلى غير أليفه الذي يُلزمه الدليل بمفارقته والتجافي عن سلوك طريقه، فأقام المُدَّعى دليلًا على هدم هذا المنع الذي لا سند له، فقال:

الله يعدكم بالمغفرة والفضل (أي: ويدعوكم إلى التمسك بأسبابها)، وكلّ مَن يعدكم بالمغفرة والفضل فهو الذي يجب أن يُطاع ويُلجأ إليه، وعند حذف الوسط تكون النتيجة: الله هو الذي يجب أن يُطاع ويُلجأ إليه.

3- (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ ‌وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 20).

(حَاجُّوكَ) ناظروك، أي: في الدِّين. (أَسْلَمْتُ ‌وَجْهِيَ لِلَّهِ) أخلصتُ نفسي لله وحده، أو أخلصتُ اتجاهي في ديني لله وحده. (الْبَلَاغُ) التبليغ، أي: إيصال الأمر لمن يُراد إيصاله إليه.

وجه المحاجّة: الدعوى أنَا على الهدى لا أنتم؛ لأنني أخلصتُ وجهي لله، وكذلك مَن اتبعني؛ وكلّ من أخلص وجهه لله فهو على الهدى، والنتيجة: أنا على الهدى.

وكلّ من المقدمتَيْن واقعية مسلَّم بها، فالنتيجة قطعية، فإنّ المقدمة الأولى (الصغرى) واقعية مسلَّم بها؛ لأنه جاء لنشر التوحيد الخالص، فلا شريك ولا وثن.

وكذلك المقدمة الثانية (الكبرى) واقعية مسلَّم بها، إِذْ لا يشكّ أحد في أنّ مَن أخلص دينه لله فهو على الهدى، فالنتيجة إذًا قطعية منطقًا، فلله الدين الخالص لا أنتم، أي: لستم على هدى لأنكم لم تخلصوا دينكم لله، لأنكم بين مشرك أو وثني، وكلّ من لم يخلص دينه لله فليس على هدى، والنتيجة: لستم على هدى، بل في ضلال مبين. وكلّ من المقدمتين واقعية مسلَّم بها، فإنَّ كون الخصوم إمّا مشركًا أو وثنيًّا -وهي المقدمة الصغرى- أمرٌ واقعي لا نكران فيه، فلا إخلاص لهم في دينهم، وكذلك المقدمة الكبرى وهي: (كلّ من لم يخلص دينه لله فليس على هدى)، أمرٌ يسلِّم به كلُّ ذي دِين أو عقل سليم، فالنتيجة إذًا قطعية منطقًا، فالخصم في هذه المناظرة مضطر إلى الإذعان والتسليم إلا إذا كان مكابرًا معاندًا، والمكابر المعاند ليس بذي بال، ولا يحسب له حساب.


مناظرات القرآن الكريم |  Mugtama
مناظرات القرآن الكريم | Mugtama
في القرآن الكريم مناظرات من الأنواع الثلاثة: القولية، والعملية، وذات الدعوى المنتصرة.
www.mugtama.com
×


4- (فَمَنْ ‌حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران: 61).

(حَاجَّكَ) ناظرَك، أي: طلبَ مناظرتك. (نَبْتَهِلْ) ندعو بإخلاص واجتهاد ونتضرّع إلى الله جاعلين في دعائنا لعنة الله على الكاذب منّا في دعواه، مناظرة دليل الدعوى فيها طلب أداء عمل نتائجه خطيرة جدًّا على الخصم، وهي تَحقّق لعنة الله على الكاذب في دعواه.

وهذه من المناظرات التي طلب أحد الطرفين فيها فعل شيء يؤدِّي إلى إثبات دعواه، فانسحب الطرف الثاني عن ذلك لما ظهر له من أن ذلك الفعل يسوقه إلى الخسران المبين.

وهذه الواقعة جرت بين رسول الله وبين وفد نجران الذين وفدوا إلى المدينة لمناظرته في أمر رسالته، ولمّا كانت دعوى النجرانيين لا يمكن مناقشتها من ناحية العقل، ولأنّ الوفد لا يحمل عقلًا يقوى على المناظرة العقلية؛ طلب -عليه السلام- من خصومه أن يقوموا بالمباهلة فانسحبوا من الخِصام.

5- (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {65} هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) (آل عمران).

هذه مناظرة من النوع الثالث التي تكون دعوی الخصم فيها ساقطة بذاتها؛ فلا تحتمل المناقشة وإقامة الدليل؛ لأن سقوطها من البديهيات الواضحة لكلّ أحد، ودعوى المُدَّعِي هي المنتصرة، فهنا ادَّعى الإسلام أنّ إبراهيم كان حنيفًا أي مسلمًا، وادَّعت طائفة أن إبراهيم كان يهوديًّا، وادَّعت طائفة أنه كان نصرانيًّا، فجاءت المناظرة مقرِّرة سقوط الدعوتَيْن بنفسهما من نفسهما، وثبوت الدعوى الأولى؛ لأن اليهودية إنما جاءت بنزول التوراة، والنصرانية إنما حصلت بنزول الإنجيل، وكلّ من التوراة والإنجيل إنما نزل بعد إبراهيم بعصور فكيف يعقل أن يكون إبراهيم يهوديًّا أو نصرانيًّا؟! ولهذا ختم الكلام بتقريع الخصم بأنه يناظر بلا تثبّت في الأمور فهو يناظر فيما له علم به وفيما ليس له به علم، وليس هذا من شأن المناظر الذي هدفه إظهار الحقائق لا طمسها، والمناقشة في أمر يمكن أن يتخيّل حصوله، لا في أمر محال بالبداءة والضرورة.


المثل في القرآن الكريم |  Mugtama
المثل في القرآن الكريم | Mugtama
منير القاضي   (‌وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْر...
www.mugtama.com
×


6- (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ {80} وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {81}‏ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) (الأنعام).

(حَاجَّهُ) جادله قومه. (يَلْبِسُوا) يخلطوا. (إِلَّا أَنْ...) لكن مشيئة الله هي التي تكون. (سُلْطَانًا) حجةً ودليلًا، وأصل السلطان القوة.

الدعوى: الخوف عليك من أصنامنا.

الدليل: لأنّ أصنامنا آلهة، وكلّ الآلهة يُخاف منها.

الجواب بمنع الصغرى: الإله هو الله وحده؛ لأنه هو العالم بكلّ شيء -وسِعَ كلّ شيء علمًا- وأصنامكم جماد لا تعرف شيئًا حتى نفسها، وكلُّ مَن كان جمادًا لا يعرف حتى نفسه ليس بإله، ولا خوف منه، فأصنامكم لا خوف منها، فلا أخاف ما تشرکون بالله من غير دليل تقيمونه ولا حُجّة تعتمدون عليها، فأنتم أَوْلى بالخوف من العاقبة لا أنَا، فأيّ الفريقين أحق بالأمن؟ ولهذا ختم الكلام بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (الأنعام: 83).

وللخصم المدّعِي أن يمنع دليل السائل أو أن يعارضه أو أن ينقضه، ولكنه عاجز عن كلّ ذلك هنا؛ لأنّ دليل السائل المجيب أمورٌ قطعية واقعية لا يستطيع الخصم نكرانها والمناقشة في ثبوتها.





_________________________

المصدر: مجلة «المجمع العلمي العراقي»، مارس 1961م.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة