إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (39)
الإكثار من ذكر الموت
ليست الغاية من
ذكر الموت مجرد التخويف من الآخرة؛ بل تهذيب النفس وتقويم السلوك وإحياء القلب،
حيث إن الإكثار من ذكر الموت يعد من أبلغ المواعظ وأعظم ما يردع النفس عن الغفلة،
إذ يُذكّر الإنسان بمآله المحتوم ويُعيده إلى حقيقة وجوده، والإكثار من ذكر الموت
سُنة، ففي مسند أحمد بسند حسنه الألباني، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبي
صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»؛ أي: أكثروا من
تذكّر الموت.
مظاهر إكثار الدعاة في الحضارة الإسلامية من ذكر الموت:
1- الوصية
بالإكثار من ذكر الموت: روى ابن أبي يعلى أن رجلاً قال لمعروف الكرخي: أوصني، فقال:
توكل عَلَى اللَّه، وأكثر ذكر الموت حتى لا يكون لك جليس غيره(1)،
وكتب مبارك بن سعيد إلى أخيه سفيان يشكو إليه ذهاب بصره، فكتب إليه سفيان الثوري:
أما بعد، فأحسن القيام على عيالك، وليكن ذكر الموت من بالك، والسلام(2).
2- كثرة
الاجتماع على ذكر الموت والبكاء لذلك: أورد الغزالي في «الإحياء» أن عمر بن عبدالعزيز
كان يجمع الفقهاء كل ليلة، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين
أيديهم جنازة(3)، وعن سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ
عَبْدِالْعَزِيزِ، قَالَ لِابْنِهِ: اقْرَأْ فَقَالَ: مَا أَقْرَأُ؟ قَالَ:
سُورَةُ «ق»، فَقَرَأَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) (ق: 19) بَكَى، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ يَا بُنَيَّ، قَالَ: مَا
أَقْرَأُ؟ قَالَ: سُورَةُ «ق»، حَتَّى إِذَا بَلَغَ ذِكْرَ الْمَوْتِ بَكَى
أَيْضاً بُكَاءً شَدِيداً، فَفَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً(4)، وفي مسند أحمد
قال المرُّوذي: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة.
3- الانشغال
بذكر الموت عن الحديث مع الناس: قيل لِلرَّبِيعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ: أَلا
تَجْلِسُ فَتُحَدِّثَ؟ قَالَ: إِنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ قَدْ شَغَلَنِي عَنِ
الْحَدِيثِ(5).
4- دوام التفكير
في الموت والاهتمام به: عن سُهَيْل الْقَطِيعِيَّ، قَالَ زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ
لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: لَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَا
تَكَلَّمْتُ بِهَذَا أَبَداً؛ وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَعَ ذِكْرُ الْمَوْتِ قَلْبِي
حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلَنِي ذَلِكَ الْهَمُّ(6).
5- قلة النوم
وكثرة القيام بالليل: أورد بن الجوزي عن آمنة بنت يعلى بن سهيل قالت: كانت عجردة
العمية تغشانا فتظل عندنا اليوم واليومين، قالت: فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها
وتقنعت ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر،
قالت: فقلت لها: لو نمت من الليل شيئاً، فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام(7).
6- توديع الأهل
قبل النوم: أورد ابن أبي الدنيا أن مُحَمَّداً بْن وَاسِعٍ كَانَ إِذَا أَرَادَ
أَنْ يَنَامَ، قَالَ لِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مَضْجَعَهُ:
أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي الَّتِي لَا
أَقُومُ فِيهَا، فَكَانَ هَذَا دَأَبُهُ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ(8).
دوافع إكثار الدعاة في الحضارة من ذكر الموت:
1- إحسان العبادات: روى ابن ماجه في سننه بسند حسنه الألباني عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأنصاري، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي، وَأَوْجِزْ، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ..».
ويدل على ذلك ما
رواه الديلمي في مسند الفردوس بسند حسنه الألباني في صحيح الجامع عن أنس بن مالك
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذكر الموت في صلاتك؛ فإن الرجل إذا ذكر
الموت في صلاته لحرِيٌّ أن يحسن صلاته، وصلّ صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاة غيرها»،
وعن حَمَّاد بْن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: مَا أَكْثَرَ أَحَدٌ ذِكْرَ الْمَوْتِ
إِلَّا رُئِيَ ذَلِكَ فِي عَمَلِهِ(9)، وعن عبدالله بن المبارك عن
سفيان قال: ذكر الموت غنى، وقال: ما أطاق أحد العبادة إلا بخوف(10).
2- العقل والحكمة والنظر إلى العواقب: روى ابن ماجه في سننه بسند حسنه الألباني عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيه، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً»، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَاداً، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ»؛ أي العقلاء.
3- الزهد في الدنيا والرضا باليسير منها: عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ رِسَالَةً: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ المَوْتِ، رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِاليَسِيْرِ(11)، وقال عمر بن ذر: ما دخل الموت دار قوم قط إلا شتت جمعهم، وقنعهم بعيشتهم، بعد إذ كانوا يفرحون ويمرحون(12).
وقال سفيان
الثوري: أكثر ذكر الموت، فإنك إن أكثرت ذكر الموت؛ هان عليك أمر دنياك، وقال
عمر: أكثروا ذكر الموت فإنكم إن ذكرتموه في كثير؛ قلله، وإن ذكرتموه في قليل؛
كثره(13)، وعن جابر بن نوح قال: كتب عمر بن عبدالعزيز إلى بعض أهل بيته:
أما بعد، فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بغض إليك كل فان، وحبب إليك
كل باق، والسلام(14).
4- تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة: قال أبو علي الدقاق: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة(15).
5- إحياء القلب والبكاء من خشية الله: عن أبي هريرة قال: أَكْثرُوا ذكر الْمَوْت فَمَا من عبد أَكثر ذكره إِلَّا أَحْيَا الله قلبه وهون عَلَيْهِ الْمَوْت(16)، وأورد الغزالي في «الإحياء» أن امرأة اشتكت إلى عائشة قساوة قلبها، فقالت أم المؤمنين: أكثري ذكر الموت يرق قلبك، وروي أن الربيع بن خثيم قد حفر قبراً في داره، فكان ينام فيه كل يوم مرات، يستديم بذلك ذكر الموت، وكان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد(17).
6- تهذيب النفس: تسهم كثرة ذكر الموت في تهذيب النفس، حيث إن الذاكر للموت لا يظلم أحداً أو يعتدي عليه، حيث يعلم أن كل ذلك زائل، وأنه محاسب عليه، وفي هذا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ قَلَّ حَسَدُهُ وَبَغْيُهُ(18)، وقال ابن المقفع: عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَاراً، ذِكْراً يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ (أي: يقهر) الطِّمَاحَ (الكبر والفخر)؛ فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ عِصْمَةً مِنَ الْأَشَرِ (البطر والغرور)، وَأَمَاناً بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الْهَلَعِ(19).
7- تسلية القلب عند الشدائد: من أصابته شدة ثم تذكر شدة الموت هانت عليه تلك الشدة، ومن مات له ميت فتذكر أن الموت آت للجميع، وأنه يلقى من مات في الآخرة؛ فإن ذلك يهون عليه المصيبة، وقد ورد عن كعب أنه قال: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وغمومها(20).
وقَالَ
عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ
أُوَدِّعُهُ، فَلَمَّا وَدَّعْتُهُ وَانْصَرَفْتُ، نَادَى: يَا عَنْبَسَةُ
مَرَّتَيْنِ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ،
فَإِنَّكَ لَا تَكُونُ فِي وَاسِعٍ مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا ضَيَّقَهُ عَلَيْكَ،
وَلَا تَكُونُ فِي ضَيِّقٍ مِنَ الْأَمْرِ إِلَّا وَسَّعَهُ عَلَيْكَ(21).
اقرأ
أيضاً:
___________________
الهوامش
(1) طبقات
الحنابلة: ابن أبي يعلى (1/ 383).
(2) حلية
الأولياء: الأصبهاني (7/ 22).
(3) إحياء علوم
الدين: الغزالي (4/ 451).
(4) الرقة
والبكاء: ابن أبي الدنيا، ص 85.
(5) المجالسة
وجواهر العلم: أبو بكر الدينوري (7/ 199).
(6) المحتضرين: ابن
أبي الدنيا، ص 153.
(7) صفة الصفوة:
ابن الجوزي (2/ 246).
(8) قصر الأمل: ابن
أبي الدنيا، ص 147.
(9) الطبقات
الكبرى: ابن سعد (7/ 233).
(10) أنساب
الأشراف: البلاذري (11/ 313).
(11) سير أعلام
النبلاء: الذهبي (5/ 133).
(12) تاريخ
دمشق: ابن عساكر (45/ 26).
(13) تفسير
سفيان الثوري، ص 19.
(14) تاريخ
دمشق: ابن عساكر (45/ 239).
(15) التذكرة
بأحوال الموتى وأمور الآخرة: القرطبي، ص 126.
(16) الفردوس
بمأثور الخطاب: الديلمي (1/ 74).
(17) إحياء علوم
الدين: الغزالي (4/ 451).
(18) الزهد: أحمد
بن حنبل، ص 117.
(19) الأدب
الصغير: ابن المقفع، ص 28.
(20) حلية
الأولياء: الأصبهاني (6/ 44).
(21) الفرج بعد الشدة: ابن أبي الدنيا، ص 76.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً