نحو صحوة رقمية أخلاقية

أصدرت السلطات الكويتية خلال الفترة الماضية تحذيرًا رسميًا من تزايد حالات الاحتيال الرقمي في تذاكر السفر، بعد انتشار عروض وهمية عبر شبكة الإنترنت.

ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية الكويتية، هناك أكثر من 450 بلاغًا خلال شهر يوليو فقط، تؤكد تسويق تلك المواقع لحجوزات طيران مزيفة؛ الأمر الذي حدا بالسلطات إلى إصدار دليل توعوي نشرته عبر منصاتها ونقلته عنها وسائل الإعلام، تحذر فيه من تلك المواقع والمنصات، وتصفها بالاحتيال، وتكشف للجمهور طبيعة ما تستخدمه من حيل لخداعهم.

الأزمة يمكن أن يعتبرها البعض أمراً عادياً في ظل ما نسمع ونشاهد كثيراً عن مثيلاتها، لكن التأمل فيها يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالعالم الرقمي الذي بات جزءاً من حياتنا.

هذه الأزمة تثيرها أسئلة كثيرة، منها: هل أصبح الكذب مباحًا في العالم الرقمي؟ وهل باتت الصدقية، التي هي رأس الأخلاق، تذوب في زحام المحتوى الجاذب ولو كان كاذبًا؟

إجابات تلك الأسئلة ربما تؤكد أنها ليست مجرد أزمة قانون، بل أزمة قيم، تُهدد وعي الجيل وتشكّل سلوكياته.

الشهرة بأي ثمن

يرى خبراء أن منصات التواصل أسهمت في تغيير مفهوم النجاح والظهور؛ فبدلاً من أن يُبنى على المعرفة أو القيمة الحقيقية، صار يُقاس بعدد الاعجابات والمشاهدات، ولو كانت كاذبة.

وفق دراسة أجراها مركز «Digital Wellbeing Lab» بجامعة كاليفورنيا عام 2024م، فإن 74% من صناع المحتوى الشباب يعتقدون أن تحريف الحقيقة مقبول إذا كان يؤدي إلى انتشار أكبر.

هذا التحول ليس مجرد تحول فرضته التقنية وسرعة تداول المعلومة، بل هو تحول قيمي في الأساس، حيث اندثرت القيمة لحساب المصلحة، وتوارت في ظل جموح الرغبة، حيث غدا الكذب مهنة، واختزلت المصداقية في مجرد فلتر جميل للصورة!


10 مفاتيح دعوية للتأثير في الجيل الرقمي | مجلة المجتمع
10 مفاتيح دعوية للتأثير في الجيل الرقمي | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


حين يصبح النصب تسويقًا!

حوادث تذاكر السفر المزيفة بالكويت، لها خصوصية تختلف عن غيرها، حيث كانت إعلاناتها تنشر على صفحات مؤثرين يتابعها آلاف الأشخاص، ولم يقتصر نشرها عبر الموقع أو الصفحات مجهولة الهوية، الأمر الذي يؤشر على خطر قيمي داهم.

هذا الخطر هو وجود من يشرعن الكذب عبر نفوذه الرقمي، ويقدّمه على هيئة عروض حصرية، ويستغل ثقة المتابعين، أو في أحسن الأحوال لا يهتم بالإعلانات التي تنشر عنده ولا بصدقيتها، كل ما يستولي على تفكيره هو المقابل الذي يتقاضاه من هذا النفوذ.

فبحسب تقرير الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات الكويتية الصادر هذا العام، ارتفعت عمليات الاحتيال الإلكتروني 36% في عام واحد، مشيراً إلى أن أكثر من 50% من هذه العمليات كانت إعلاناتها تنشر من خلال حسابات مؤثرين على منصات مثل «إنستغرام» و«سناب شات»، وليس عبر مواقع أو صفحات مجهولة!

منصات بلا أخلاق.. أم متابعون بلا وعي؟

السؤال الذي يطرح نفسه الآن يتعلق بثقافة المستخدم، فإذا كانت المنصات الرقمية جعلت الكذب والاحتيال أمراً طبيعياً، فإن المسؤولية تنتقل بالتبعية للمستخدم، وكيف ترك نفسه بلا تحصين أمام هذا السيل الهادر من الكذب؟! بمعنى هل نُتابع من نعرف صدقه وأمانته؟ أم أن الأمر يتعلق بالرغبة في المتابعة لما نحب من محتوى أياً كان صاحبه؟

دراسة لمؤسسة «Pew Research» عام 2023م أظهرت أن 56% من المستخدمين يعلمون أن بعض المؤثرين يروّجون لمحتوى مضلل، لكنهم يواصلون المتابعة لأنهم يحبون طريقتهم! وفق تعبير الدراسة.

هنا يتحول الجمهور إلى شريك في عملية الاحتيال، وليس مجرد ضحية، وتصبح المسؤولية مشتركة، فالمحتوى لا يُراقب ولا يُحاسب، والجمهور لا يُميّز بين الترفيه والخداع، ولا يحاول تحصين نفسه.


الوعي الشبابي في فخ «التريند»! | مجلة المجتمع
الوعي الشبابي في فخ «التريند»! | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×


حلول طويلة الأمد

وعن الحلول لمواجهة هذه الظواهر، يرى خبراء أن هناك حلولاً طويلة الأمد لا بد من البدء بها فوراً حتى لا يتفشى هذا الوباء داخل مجتمعاتنا، ومنها:

- تربية جيل يرى في الصدق قوة، لا ضعفًا، ويعرف أن الشهرة التي تُبنى على الوهم مصيرها الانهيار.

- صناعة حالة من الوعي القانوني، الذي يُجرّم المحتوى الكاذب بوضوح.

- فرض تعليمات صارمة على المنصات تُلزم المؤثرين بمدونات سلوك صارمة.

وعلى المستوى العملي وفي الكويت تحديداً، تم إطلاق حملة «#صدّق_قبل_ما_تشارك»، وهي حملة توعوية أطلقتها مؤسسات كويتية وشاركت فيها وزارة الإعلام، مستهدفة فئة الشباب، من أجل تدريبهم على التحقق من المعلومات وعدم إعادة نشر أي محتوى غير موثق.

لكن متابعين يرون أن الأمر يجب ألا يقتصر على حملة تفور ثم تغور، بل يجب أن تكون هناك خطوات أكثر فاعلية لتحويل الصدق إلى قيمة، بعيداً عن الحملات المؤقتة.

وفي النهاية، ستبقى القيمة على المستوى النظري «يوتوبيا» من الصعب الوصول إليها بالكمال التام، لكن منجزات التكنولوجيا جعلتنا نهبط بسقف أحلامنا إلى مجرد إخراجها من تحت ركام المحتوى الزائف، وشهوات الظهور، واستهتار المتابعين، حتى لا تُربَّى أجيال كاملة ترى الكذب وسيلة حياة، والوهم أداة نفوذ!

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة