نساء في ذاكرة الرسالة (4)

السيدة أم سلمة التي جمعت الفضل من أطرافه (1 - 2)

مصطفى المكبر

15 يوليو 2026

97

السيدة أم سلمة التي جمعت الفضل من أطرافه (1 - 2)

وهذا خبر إحدى أمهات المؤمنين، بلغت المدى في كل فضيلة، لكأنها جمعت الفضل من أطرافه كله حتى لم يفتها منه شيء، فقد نشأت في بيت يزفّه المجد من كل جانب، بيت من أوائل بيوتات قريش التي حلقت في سماء الفضائل والمعالي، فأبوها أبو أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر المخزومي القرشي، كان يُعْرف بزاد الركب، لأن كرمه المفيض مع ثرائه العريض كانا يدفعانه لكفاية كل ركب يسافر معه من الزاد، حتى شرَّق خبره وغرَّب، وتسامعت به العرب القاصية والدانية؛ حتى إنها لما أسلمت، وهاجرت إلى مكة رفض أهل يثرب التصديق بأن هذه السيدة ذات المظهر الزاهد ابنة زاد الركب.

وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة الكنانية، من بني فراس الأمجاد، وكان جدّها يلقب بجذل الطعان، وابنا عمها خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعمرو بن هشام المعروف بأبي جهل.

وفي هذه البيئة، نشأت هند بنت أمية عريقة المنبت، رصينة، رزينة، أَبِيَّة ذات رأي وحكمة، فضلًا عن جمال بارع قلَّما يُضارع من أخريات.

وما أن أدركت هند بنت أمية طور الفتيات، حتى بادَرَ خيرة شباب مكة في سباقٍ إليها، ربَحَه عبدالله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، أمه بَرَّة بنت عبدالمطلب، وأخو النبي صلى الله عليه وسلم، وحمزة بن عبدالمطلب من الرضاعة، أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب، أرضعت حمزة، ثم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبا سلمة عبدالله بن أسد، وعرفت الأيام هند، وعبدالله على توافق وفي ائتلاف، فهو يماثلها في عراقة المنبت والإباء، والحكمة وصواب الرأي.

أجل كانت تسكن بين جنبيهما حكمة لا تسلمهما إلا إلى خير، وعقل يسلمهما إلا إلى رشد، ويُرجى من ورائه فهم صائب في سلك المواقف، وكانا شبيهين في استقامة النهج، وسلامة الضمير.

لذا، ما إن نادى منادي الحق في مكة، حتى هرولا إليه على قناعة وحب منهما، حتى قيل: إن عبدالله بن عبد الأسد (أسلم بعد عشرة أنفس وكان الحادي عشر)، ولا ريب أن زوجته هند كانت معه خطوة بخطوة، وامتشق كل منهما عزمه عازمًا أمره على بذل كل غال ونفيس من أجل هذا الدين، ولما أسرفت قريش في تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وغالت في إيذائه هو ومن اتَّبَعَه من أصحابه، ولم يتركوا بابًا من أبواب الإيذاء إلّا ولجوه، ولمَّا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، هاجر عبدالله وزوجته هند إلى هناك مع العشرة الأولين، وقال ابن منده: وهو أول من هاجر بظعينته(1) إلى الحبشة.

وهناك رزقا بولدهما سلمة، ومنذ رزقا به عُرِفَا بأم سلمة، وأبي سلمة، وغلبت عليهما الكُنْيَة، وإجلالاً للتاريخ الحافظ الأمين علينا من الآن تنحية اسم هند، وعبدالله، والتعامل معهما بكنيتيهما، وفي قصة الهجرة إلى الحبشة قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما ضاقت علينا مكة وأوذِيَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقنتوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان هو في مَنْعَةٍ من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظْلَم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه»، فخرجنا إليه أرسالاً حتى اجتمعنا، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، وأَمِنَّا على ديننا، ولم نخشَ منه ظُلمًا(2).

وعلمت أم سلمة وزوجها بأمر تمزيق صحيفة المقاطعة، فَقَدِما إلى مكة، وفي اعتقادهما أن اضطهاد قريش للمسلمين قد غدا أقل ضراوة.

ولمَّا تمت بيعة العقبة الكبرى، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى يثرب، قرَّرا من فورهما الخروج إلى هناك، وملء خواطرهما أنهما يخوضان معركة رابحة في النهاية، قلنا: إننا طَوْعَ أقدار لا نملك منها الفرار، ولا إرادة تسمو إلى تغييرها.

وفي ظلال هذا المعنى، تعالوا نستمع لقصة الهجرة إلى المدينة، ترويها أم سلمة بنفسها، ولسوف نستشعر وقع الألم يطل علينا من بين كلماتها، من وراء هذا الأمد الطويل تقول رضي الله عنها: لمَّا أجْمَعَ أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحَّل(3) بعيرًا لي وحملني، وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجال بني المغيرة المخزومي، قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه عَلَامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهووا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.

فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، فَفُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمْسي، سنة أو قريبها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها، فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئتِ.

وردَّ عليَّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني، فَرحَّلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله.

فقلت: أَتَبلَّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة(4)، فقال: إلى أين يا بنت أمية؟ فقلت أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلّا الله وابني هذا، فقال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يقودني، فوالله ما صاحبت رجلاً من العرب أراه كان أكرم منه، إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه، ثم استأخر عني، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى، فأخذ بخطامه فقادني حتى ننزل، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، وكان أبو سلمة نازلًا بها، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.

وكانت تقول: ما أعلم أهل بيت أصابهم في الإسلام ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة، وقيل: إنها أول امرأة خرجت مهاجرة إلى الحبشة وأول امرأة دخلت المدينة.

ولنا أن نطوف حول الخبر، متخيلين السيدة ممزقة المشاعر بين زوجها الغريب في بلاد غريبة، وطفلها الذي خُلِعَت يده، ويحتجزه أهل أبيه غضابًا كارهين.

عام كامل مرت أيامه بين تباريح شوق ضاغط، ونبضات ألم مرٍّ، يمزقان نياط قلبها الذي يكاد يقفز من بين ضلوعها من هول طرقاتهما، عام كامل تخرج إلى الأبطح، تجلس ساهمة شاردة، تحلق ببصرها وفكرها وروحها، وعلى مرآة عينيها تُثَبِّت ملامح زوجها وطفلها، وتتساءل: أنَّى السبيل إليكما؟ وتجيب نفسها بنفسها: لا سبيل أراه! حتى هيأ الله عز وجل لها أسباب اللقاء بهما، يا لصبر أم سلمة بالله وفي الله!

ولما استقرت رضي الله عنها بالمدينة، وأخبرتهم أنها ابنة زاد الركب أبي أمية بن المغيرة المخزومي، رفضوا التصديق أنها بهذا المظهر الزاهد ابنة زاد الركب، حتى إنهم كذبوها وقالوا: ما أكذب الغرائب! ولما جاء موسم الحج وأراد ناس من أهل المدينة الحج، فقالوا لها: أتكتبين إلى أهلك؟ فكتبت معهم، فرجعوا فصدقوها، وازدادت عليهم كرامة(5).

وفي رحاب المدينة الطيبة، طابت أيام أم سلمة، وأبي سلمة، وراحا يبذلان أعظم البذل، ويلتمسان طريقهما نحو الله ورسوله، فبينما هي تعكف على تربية الصغار، تعلمهم دين الله وتكيل في نفوسهم حب الله ورسوله، كان أبو سلمة في طليعة جند الله يتابع مسيرته الجهادية، فلمَّا خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «ذي العشيرة»، في جمادي الأولى 2هـ، استعمل أبا سلمة على المدينة، وشهد أبو سلمة رضي الله عنه «بدرًا» و«أُحدًا»، وعلى ساحتيهما صال وجال يرى الله منه نفسًا كبيرة، وجديرة بالصعود في موكب الشهداء، فعندما كانت «أُحد» تُشْرف على نهايتها، رماه أبو أسامة الجشمي بسهم في عضده، مكث يداويه في المدينة شهرًا حتى ظن أنه التأم.

وبعد شهر آخر علم النبي صلى الله عليه وسلم أن بني أسد بن خزيمة، قد أجمعوا أمرهم وجموعهم لغزوه في مدينته، فعقد صلى الله عليه وسلم لواء السرية لأبي سلمة وأمره أن يباغتهم، ونفذ أبو سلمة فما أشرف عليهم إلَّا بعد ما سرى الليل، ودخل الوقت في الغلس، فأخذهم على غزة ففزعوا وتفرقوا منهزمين، لا يلوون على شيء، وغنم المسلمون الإبل والشياه وساقوها إلى المدينة، وعادوا ولم يلقوا حربًا، ولكنَّ جُرْح أبي سلمة انتكأ في هذه السرية، فرقد في المدينة جريحًا، تُمرِّضه زوجه الحبيبة أم سلمة.

لا تدين الأيام بمبدأ البقاء على حال، أو المُضيّ على نمط معين، أو وتيرة واحدة لا تتكرر ولا تتغير.

هل دار هذا الخاطر بذهن أم سلمة، لما تعلقت عيونها بجريحها وألفته مشرفًا على النهاية؟ فراحت تُبدي له ودَّها تحت وقع أساها، وتقول ودودة ومن أعماق الضمير: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة ثم لم تتزوج، إلا جمع الله بينهما في الجنة، فتعال أُعاهدك ألا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك، قال أبو سلمة: أتطيعينني؟ قالت: نعم، قال: إذا متُّ تزوجي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يُحزنها ولا يؤذيها(6).

إن شأنهما عجب من العجب! كان شغل كل منهما الشاغل والآخذ بفكره أجمع، هو راحة الآخر، هي تروم له القدوم على مصيره في صلاح بال واطمئنان نفس، وأنها لن تتزوج بعده ريثما تلقاه في الجنة وتكون زوجه هناك، وهو يود راحتها من بعده، ويبتهل إلى الله كيما يرزقها رجلًا خيرًا منه، ومات أبو سلمة صاعدًا في موكب الشهداء(7).

الهوامش
  • 1 امرأته.
  • 2 حديث صحيح: صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3190).
  • 3 شدّ الرَّحْل، وهو سرج البعير، وما يوضع على ظهره للركوب.
  • 4 كان عثمان لا يزال على دين قومه، وأسلم في هدنة الحديبية، وفي فتح مكة دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمه شيبة بمفاتيح الكعبة، وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم»، واستشهد بمعركة «أجنادين».
  • 5 أخرجه أحمد في مسنده (6/ 307)، والحاكم في مستدركه (4/ 19).
  • 6 أخرجه ابن سعد في طبقاته (8/ 88) وقال: رجاله ثقات.
  • 7 انظر: سيرة ابن هشام (2/ 75)، البداية والنهاية (3/ 169)، أسد الغابة (7472) (3038)، الإصابة (12065).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة