منهج أهل السُّنة والجماعة في الدعوة

فرج كُندي

07 ديسمبر 2025

355

يقوم منهج أهل السُّنة والجماعة في الدعوة إلى الله تعالى على أصوله المستمدة من الكتاب والسُّنة، يحقق فيها توحيد الله تعالى كأساس ومنطلق يهدف إلى إخراج الناس من ظلمات الشرك والجهل إلي نور الإيمان بالله وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه.

ويعتمد أهل السُّنة والجماعة على العلم والحكمة والموعظة الحسنة وعدم التعصب للآراء الاجتهادية ويقرون بمبدأ الاختلاف المعتبر في الفروع.

الاعتماد على الكتاب والسُّنة

المنهج بأكمله مستمد من القرآن والسُّنة بفهم سلف الأمة، وهما المرجعان الأساسيان في كل شيء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركتُ فيكم أَمْرَيْنِ لن تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ» (أخرجه مالك في «الموطأ»).

الدعوة للتوحيد

أول ما يجب على الداعية الدعوة إلى توحيد العبادة لله، وهو أساس الدين، وقد أمر الله تعالى به جميع الرسل وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً عند بعثه لليمن.

الدعوة بالعلم والبصيرة

إن الدعوة لا تقو إلا على العلم والمعرفة بأصول الدين وفروعه؛ لأن الدعوة بغير علم دعوة فاسدة وباطلة.

تقوم الدعوة عند أهل السُّنة على الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن:

أولاً: الاعتماد في المنهج على الكتاب والسُّنة:

إن مما يميز منهج أهل السُّنة والجماعة اعتماه على الكتاب والسُّنة في كل شيء؛ اتباعاً واستدلالاً واجتهاداً واستنباطاً، ومن أراد أن يعرف صحيح المنهج من سقيمه؛ فلينظر إلى محلها وموقعها من الكتاب والسُّنة بُعداً أو قرُباً، ففي الاعتصام بالكتاب والسُّنة حصنٌ حصين والركن الواقي من كل انحراف وكل زيغ وزيف.

إن الاستدلال بالكتاب والسُّنة، والتحاكم إليهما منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وكل دعوة أو منهج قام على غير الكتاب أو السُّنة فهو منهجٌ منحرف مرفوض من أهل السُّنة والجماعة، ممن كان ومهما كان جهد أصحابه، قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وقال سبحانه: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف: 43)، وقال تعالى: (ثمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» (أخرجه مالك).

ثانياً: التركيز على المحكمات لا المتشابهات:

من المعلوم أن في القرآن الكريم من الآيات ما هو محكَمٌ وما هو متشابه؛ «والمحكَم منه ما دل عليه نصٌّ محكم قطعي الثبوت قطعي الدلالة، والمتشابه ما كان ظنيَّ الدلالة أو أشكل معناه، ولم يتبين مغزاه»، ومنهج أهل السُّنة في الإيمان بالمحكم والمتشابه أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، عملاً بقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران: 7).

قال ابن كثير في تفسيره: «يخبر الله تعالى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَات مُحْكَمَات، هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، أَي: بَيِّنَاتٌ وَاضِحَاتُ الدلالة لا التباس فيها على أحد، وَمِنْهُ آيَاتٌ أُخَرُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ بَعْضِهِمْ، فَمَنْ رد ما اشتبه إِلَى الْوَاضِحِ مِنْهُ وَحَكَّمَ مُحْكَمَهُ عَلَى مُتَشَابِهِهِ عِنْدَهُ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ عَكَسَ انْعَكَسَ».

وإن من مسلك أهل الزيغ ومن تبعهم من أهل الباطل أنهم يبحثون عن المتشابه ابتغاء الفتنة والتشويش على الناس، وهذا المسلك ليس مسلك أهل الحق وليس منهج ولا طريقة أهل الإيمان الذي عليه أهل السُّنة والجماعة قاطبة.

ثالثاً: التدرج وترتب الأولويات:

لقد كانت طريقة الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام الأول مغايرة بعض الشيء لما كان العمل عليه في العهد المدني، والناظر لأحكام التشريع يجد الأمر بينًا واضحًا في ذلك، ومن أمثلة ذلك: أحكام الجهاد والتدرج في حرمة الخمر، وفرض الحجاب، وتشريع الصلاة وأحكامها، كصلاة المقيم والمسافر، فضلًا عن الأمر بدعوة الناس كافة، وغير ذلك مما ليس هذا موطن ذكره؛ وكل ذلك يدل بوضوح على أهمية التدرج في الدعوة إلى الله، والنظر في ذلك وهو ما وضعه أهل السُّنة بعين الاعتبار وجعلوه همهم في الدعوة إلى الله تعالى.

ولذا، فإن منهج أهل السُّنة في الدعوة راعى ذلك بجلاء ووضوح لا لبس فيه، من خلال وضع ضوابط شرعية وقواعد محكمة تضبط طريق العمل في الدعوة وتتقيد بمنهجه، لجلب المصالح ودرء المفاسد.

رابعاً: إحسان الظن بالآخرين:

من السمات التي تميز منهج أهل السُّنة عن غيره من مناهج الفرق الأخرى إحسان الظن بالآخرين، وعدم إساءة الظن بهم، فإن الأصل هو إحسان الظن حتى يتبين الخطأ، أو تكون هناك قرينة ظاهرة دالة على العمل السيئ؛ لأن سوء الظن ينبت الشقاق والبغض والضغينة وهو ما لا يقبله ولا يعمل أهل السُّنة به لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12).

خامساً: إنزال الناس منازلهم:

ومن الخصائص التي يسير عليها منهج أهل السُّنة في الدعوة معرفة مكانة الناس وإنزالهم منازلهم من حيث المكانة والسمعة، وفق ما أمر وعمل به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «أَمرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نُنزِّلَ الناسَ مَنازلَهُمْ» (أخرجه أبو يعلى، والبيهقي، أبو نعيم).

سادساً: التحرر من التعصب للأشخاص:

عمل أهل السُّنة وفق المنهج الذي ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه ولم يحيدوا عنه؛ التحرر من التعصب الأعمى للأفراد أو القبائل أو الأعراق أو غير ذلك، فقد أوصاهم بترك عٌبية الجاهلية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفخرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ، وآدم من تراب، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوامٍ، إنما هم فحمٌ من فحْمِ جهنمَ، أو لَيكونُنَّ أهونَ على اللهِ من الجِعْلَانِ التي تدفعُ بأنفْها النَّتِنَ» (أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد).

وأكد ذلك في وصيته الأخيرة في حجة الوداع، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قال: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ، أَبَلَّغْتُ؟»، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. (أخرجه أبو نعيم، والبيهقي).

فهذه بعض مقومات ومرتكزات وأسس منهج الدعوة عند أهل السُّنة والجماعة، التي من تمسك بها وعمل إخلاصاً وصدقاً لله تعالى كانت دعوته على بصيرة وعلى نهجٍ قويم، ووجد البركة والتوفيق في عمله والانتشار والذيوع لدعوته.

_________________

المصادر:

1- منهج الدعوة وأئمة الدعوة، عبدالله القرعاوي، الناشر: دار العاصمة.

2- أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان، الباب الأول: موضوع الدعوة، الناشر: مؤسسة الرسالة.

3- الأسس العلمية لمنهج الدعوة الإسلامية، عبدالرحيم محمد المغذوي، دار الحضارة- الرياض 1430ه.

4- معجم مصطلحات العلوم الشرعية، مدينة المك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، الطبعة الأولى 1439هـ.

5- تفسير ابن كثير.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة