الأحكام القطعية وتطورات المجتمعات
لقد جاءت رؤية الملائكة المستقبلية لمسيرة الإنسان تماماً كما توقعوا، فقد
قال الله تعالى لهم: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً
قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) (البقرة: 30).
وعوضاً عن البحث عن سبب انتهاج الإنسان نهج الفساد، وسفك الدماء، انشغل
الناس بالسؤال: كيف عرفت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض؟
الجرأة في زمن الاستضعاف
تمر الأمة اليوم بمنعطف بالغ الضعف، فقد استقرت في مرحلة الغثاء، وصحب ذلك
هوان وضعف يثير الاشمئزاز، وعوضاً عن بحث أسباب الضعف، ووضع الحلول للخروج من حالة
الغثاء، ذهب فرقاء لا حصر لهم مندفعين نحو نصوص الشريعة الثابتة، يرون في أحكامها
القطعية تحجُّر لا بد أن يزول، وأحكام فات محل تنزيلها!
وتحت دعاوى عديدة، من مثل: التجديد، الإسلام دين العقل، الإسلام يرفض
الكهنوت، الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ تجرأ أخلاف لا حصر لهم على أحكام الله
تعالى، فتولى بعضهم الوحي المعصوم من حيث الثبوت، وآخرون من حيث التشريعات، وأصبح
شعار «هم رجال ونحن رجال» مدخلاً تداس به الأحكام، حتى ممن يتعثر في قراءة سور
القرآن القصار.
غفلة في بعض الأفهام
إن هذه الشريعة تختلف عن كافة الشرائع السابقة من نواح شتى، أبرزها كونها
آخر الرسالات السماوية، فلا وحي ولا تشريع بعد وفاة الرسول الخاتم صلى الله عليه
وسلم، وأحكام الشريعة كمصدرها، فالقرآن لا يُقرأ إلا بنفس الطريقة التي وصلتنا منذ
نزل، كذلك أحكام القرآن القطعية ثابتة بثبات تلاوته، وفهوم الراسخين هي المدخل
للشريعة.
وإذا كان مدخل الشريعة هو فهوم الراسخين، فإن مدخل الراسخين هو كلام خاتم
المرسلين، والشريعة في جانبيها؛ القرآن والسُّنة، لا يجوز الادعاء بأن صلاحيتها قد
ناسبت أقواماً وأزمنة فات محل وجودها.
إن الثبات المصاحب لحقيقة كون الماء أساس كل حي، وهي الحقيقة المؤكدة في
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ
حَيٍّ) (الأنبياء: 30)، لا يتأثر بتطاول الأزمنة، فقوله
تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) (البقرة: 229) هي بذات الثبات الذي لا يقبل أن يتغير بتغير الظروف
والجغرافيا والأزمنة.
وكما جعل الله تعالى الهواء لا يستغني عنه الإنسان، ولا يصلح أن يسعى
الإنسان لاستبداله بعنصر غيره، فكذلك أوامر الله وتشريعاته لا يجوز تجاوزها، فحين
تغيب حقيقة أن ما وضعه الله قانوناً لتستمر الحياة، كالماء والهواء، يتساوى مع ما
جعله الله تشريعاً لعباده لا يجوز تخطيه بحال، فإن الأقدام تزل.
فأحكام المواريث على سبيل المثال هي كقوانين الحركة السائرة في الكون، فكما
يعد قانون الحركة حجر الأساس في فهم حركة الأجسام في الطبيعة، ولا يمكن الاستغناء
عنه أو تعديل مساراته أو إلغاء ثوابته، وقانون الجاذبية في الكون محافظاً على
تماسك الكون وتنظيم حركته، فالتشريعات الإلهية عامة كذلك، لها من ضبط المجتمعات
وتنظيم حركتها ما لقوانين الطبيعة من تنظيم الكون وضبط حركته وثباته.
فلو سألت علماء الطبيعة: هل يمكن للكون أن يبقى بدون قانون الجاذبية، أو
الحياة تستمر بدون وجود الماء، فإن نفيهم القاطع يسبق إكمال السؤال.
بين كتابين
إن لله تعالى كتاب مقروء، هو القرآن، وكتاب منظور، هو الكون، والقوانين
المنظمة لحياة الإنسان في التشريع والعبادة، تتساوى في ضبطها للقوانين المنظمة
لحركة الكون وانتظام أفلاكه، وكما لا يصلح الكون بغير قوانينه الثابتة منذ وجد، فكذلك
لا تصلح الأمم إلا بالأوامر الإلهية، التي لا يجوز تغييرها تحت ضغط تطور المجتمع،
فاختلال المجتمعات بتبديل الشرائع، كاختلال الأكوان بتغير القوانين الضابطة
لوجودها.
يقول ابن تيمية: ليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر؛
والرياح والمطر ولا كحاجة الإنسان إلى حياته؛ ولا كحاجة العين إلى ضوئها والجسم
إلى الطعام والشراب؛ بل أعظم من ذلك؛ وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال(1).
فحاجة الناس للشريعة في صلاح مجتمعاتهم وأبدانهم أشد من حاجتهم إلى الطعام
والشراب، وربما يتفق معك في هذا إجمالاً بعضهم، لكن تراهم يتجرؤون على تبديل
الأحكام أو إلغائها بالكلية.
والسؤال: لماذا يقطع علماء الأكوان باستحالة تعديل ثوابت بقاء الكون، والقوانين
المنظمة له، وتجد في بعض حملة الدين من يسعون لإلغاء الثابت من النصوص بحجة
التطور؟!
فهل يُخضع التطور الشريعة لمعطياته، أو لا بد أن يكون التطور محكوماً
بمعطيات الشريعة؟ بمعنى: أن المجتمع لو دخل في أطوار تبديل، فهل تتبدل له الشريعة،
أم نشترط على المجتمع ألا يطور نفسه إلا في دائرة عدم الخروج عن إطار الشريعة؟
هل لو تطور المجتمع وارتضى الزنى نلغي له تحريمه، وعقوبته؟ هل لو ارتضى
المجتمع في تطوره القبول بالسكْر وتغييب العقل، نلغي تحريم الخمر، ونلغي عقوبتها؟!
هل لو ارتضى المجتمع تحويل مسار المرأة، وجعلها أداة بيد الرأسمالية، وبيوت
الأزياء، نتخذ من ذلك منطلقاً لإلغاء العلاقة الحاكمة بينها وبين الرجل، ونعطيها
الحق في تجاوز حدود الله، ونؤول أو نلغي أحكام الشريعة لتتكيف مع الواقع الذي
أوجدته التيارات اللادينية للمرأة؟
إن دعاة التجديد غير المنضبط، سيجدون أنفسهم مضطرين للتنادي بإباحة الزنى، وإباحة
السكر، وإباحة التبني، يوماً ما، وهم اليوم يقطعون حبل الشريعة بالكلام غير
المنضبط حول الميراث، وعلاقة الزواج، وغير ذلك مما تغذيه الحركات اللادينية حول
العالم.
عروة لا انفصام لها
من العرى التي لا انفصام لها أن تدين المرء وتشرعه يسير في خطين مترافقين
متوازيين؛ السير بما شرع الله، وابتغاء رضاه بفعل الشرع.
فسعي المرء ينبغي أن تكون غايته وجه الله وابتغاء مرضاته، وما دام المرء
يريد مرضاة الله تعالى، فإنه يبحث عن كل ما يصل به إليه، ولا يسعى قط لترك أحكامه،
أو يراها بحاجة لتدخل عقله لأنه من وضْع من قال: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
هذه الغاية -طلب رضا الله تعالى- تغيب تماماً عن الساعين لمجاوزة الأحكام
القطعية، أو المطالبين بتعديلها أو تأويلها، أو اتخاذ تطور الأزمنة حجة لتجاوز
الحكم الشرعي أو تعديله أو إلغاؤه.
يفترض العلماء أن بعض الناس قد يهب ماله قبل الحول فراراً من وجوب الزكاة
عليه، فالحكم الفقهي سقوط الزكاة، لكن هذا إثم، وصاحبه آثم فيما بينه وبين الله
تعالى؛ فمجاوزة حدود الله تأولاً لا تغني عن صاحبها شيئاً.
مثال لا يصح
لقد احتذى بعضهم الحالة الأوروبية نموذجاً لهذا التنادي، فكما قامت في أوروبا
حركة للإصلاح الديني، فلا بد أن تقوم في الأمة حركة للإصلاح الديني!
وكما ثار فلاسفة العصور الوسطى على الواقع الكنسي حتى ولَّدوا المذهب
البروتستانتي، فلا بد أن نسلك ذات المسار.
وهؤلاء غافلون أو متغافلون عن أسباب دفعت لذلك، كان منها تحويل الجنة
والنار سلعًا تباع كما تباع العقارات والمزارع المستصلحة!
السؤال هنا: هل تعرضت مجتمعاتنا المسلمة لتلك الحالة؟
إن الجواب على ذلك فيه ردٌّ على من يريد تجاوز أحكام الله بحجة تطور
المجتمع، والذي تم تحويل مساره عمداً، وبدلاً من العودة بالمجتمع للمسار المطلوب
صار التنادي بتحويل الشريعة لتجاري تحول المجتمع، حتى ولو كان له كل يوم تطور، وكل
يوم حاجة، لنصل في النهاية إلى مرحلة اللادين، واللاتشريع، إلا أسماء نتسماها بفعل
الوراثة، لا بفعل التعبد والانصياع.
________________
(1) مجموع الفتاوى (19/ 101).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً