تشكيل الوعي..
رمضان.. كيف نبدأ؟
من الإيجابيات
أن تظهر بشكل ومظهر جميل وأن تظهر بين الناس بسلوك محمود، لكن هذا السلوك لا بد أن
يتماشى معه تغيير في الداخل.
فعندما يهلّ
علينا رمضان نسعى لتجميل الظاهر وهو مطلوب، لكن الأكثر طلباً هو السعي لتغيير
الداخل، وهو جوهر عبادة الصيام في رمضان، تعيش ساعات طويلة من الجوع والعطش وقطع
كل الشهوات لتشعر بالآخرين، لا لتظهر للآخرين أنك في تعب مثلهم.
إن الحكمة تقول:
إن من يشعر بألم نفسه فهو حيّ، أما من يشعر بألم الآخرين فهو إنسان، وعبادات
الإسلام كلها تصبّ في هذا السياق الجماعي، وأن المسلم واحد من المسلمين، غير متميز
بينهم بشيء إلا بالتقوى، يقف الغني والفقير في صف واحد في الصلاة، وفي طواف واحد
في الحج، وفي الامتناع عن الطعام والشراب في رمضان فهما على السواء.
فإذا كانت
الصلاة تكسر سَوْرة النفس، وتعاليها بالابتعاد عن عامة الناس، حيث تجمعك بهم في
الصلاة، وتكسر سوْرتها في الاعتزاز بجنسها أو عرقها حينما يزدحم الجميع في طواف
الحج، فإن الصيام يكسر سَوْرة الغني في عدم اكتراثه بحال الفقير.
رمضان وقائمة الإهمال
إن أكثر ما
نفتقده عملياً مع دخول الشهر المبارك وضع البرامج الإيجابية وما ينبغي أو يفترض أن
يعمل، متناسين دائماً أكبر معوق في نفوسنا، وهو ماذا يجب أن تترك أو تتخلص منه
النفس قبل رمضان؛ لأنه هو المعوق الحقيقي لتنفيذ الإيجابيات؛ لأن النفس لم تتخلص
من آفاتها وظلت مصاحبة لها في رمضان وقبله وبعده دون أي تغيير.
هناك مثال عملي
قدمه الأمريكي جيم كولينز، المتخصص في إدارة الأعمال واستدامة الشركات ونموها، وهو
مثال حي يلفت النظر إلى إسقاطه على آفات النفس وكيفية التخلص منها قبل البدء في
الإيجابيات.
يقول كولينز:
إنه أمضى 5 سنوات من عمره مع فريقه البحثي للإجابة عن سؤال واحد فقط: لماذا هناك
شركات في السوق كانت جيدة، ثم تحولت لشركات عظيمة في غضون سنوات؟ بمعنى آخر: هناك
شركات كانت في يوم من الأيام جيدة في مبيعاتها، وتحقق هامش ربح جيداً ولديها حضور
بين منافسيها، ذات الشركات هذه، وصلها قائد جديد، وحوّلها في فترة محدودة لتصبح
شركات عظيمة في أرباحها، عظيمة في أهدافها، عظيمة في تأثيرها؟
وكان السؤال
الصعب: هل هناك خطوات عملية نستطيع أخذها من كل هذه النماذج الناجحة؟ هل هناك قاسم
مشترك بين كل هذه المنظمات؟ هل هناك خلطة سحرية أحدثت الفرق؟
مكث الرجل 5
سنوات في رحلة البحث عن هذا الجواب، الذي تحول لكتاب ملهم «جيد إلى عظيم»، لكن
الذي يهم في هذه العجالة أن نعرف ما الخطوة رقم واحد، التي قام بها كل قائم عظيم
عند الوصول لدفة القيادة في منظمته.
يبين كولنز في
كتابه: كنا كفريق بحث متوقعين أن الخطوة رقم واحد أن يضع هذا القائد خطة إستراتيجية،
أو انتقالية، أو عصفاً ذهنياً، أو فريقاً استشارياً عالمياً، أو استحواذاً على
منافس.
كانت هذه كلها
خطوات متوقع حدوثها، لكن الذي حدث كان مختلفاً تماماً، وكانت الخطوة الملهمة،
والمفاجئة في الوقت نفسه، أن هؤلاء القادة لم يبدؤوا بمربع ما يجب أن نفعله الآن،
وإنما بدؤوا بالعكس تماماً، وهو «ماذا يجب أن نتوقف عن فعله؟»، وهو ما نسميه «قائمة
الإهمال».
عندما شرحت
قائمة الإهمال لمجموعة من كبار رجال الأعمال في الرياض في ليلة تسويقية، وذكرت
أنها يقصد بها ببساطة ما الأعمال والمنتجات التي يفترض أن نتوقف عن عملها أو
إنتاجها لأنها لا تحقق لنا أهدافنا؟ سواء كانت أهدافاً مالية، أو إستراتيجية، لا
بد من تحديد تلك المنتجات، التي تأخذ جهداً ووقتاً وعائدها علينا ضعيف، حددها أولاً،
ثم أهملها ثانياً، وأدخلها سلة المهملات.
ويختم كولينز
حديثه: بعد أسبوعين كانت الصدمة أنه بالفعل هناك منتجات كان يفترض أن نوقفها من
سنوات، وبعد استبعادها أصبحت الشركة الآن أكثر تركيزاً، وأصبح هناك وقت أكبر يتم
إنفاقه في مشاريع أكثر أهمية.
ويبقى السؤال
لنا نحن المسلمين والمهتمين باستقبال رمضان: ما الأمور التي في حياتك يجب أن تتوقف
عن عملها وتهملها؟ وما الأعمال التي تتركها لأجل رمضان ثم تعاود ممارستها بعده،
وهي معوق لك في كل الشهور؟
إن أكبر رسالة
يبعث بها إلينا دخول رمضان هي أنك قادر على فعل ما لا يمكن فعله، وأنك قادر على
التسامي والترفع عن الشهوات، فإذا فعلت هذا في نهار رمضان لمدة 30 يوماً، فأنت
قادر على أن تفعله في غيره من الشهور، والشاهد عليك عزيمتك أنت وليس غيرك.
فقبل الولوج
بعمق في عبادة الشهر الكريم، نقترح أن نقوم بعقد جلسة إهمال عميقة داخل النفس،
لتلغي كل المعوّقات التي تعطل كل الإيجابيات، في ساعتها ستشعر بالانطلاقة في رمضان
وغيره من الشهور.
رمضان ووهْم التغيير السطحي
اشترى رجل ساعة
حائط قديمة، لكن ابنه الصغير لاحظ أنها لا تعمل بانتظام، فأحياناً تكون سريعة،
وأخرى بطيئة.
سأل الابن
والده: لماذا لا نضبط عقاربها لتشير إلى الوقت الصحيح؟ وكانت إجابة الأب: يا بني،
العيب ليس في العقارب التي تراها، العيب في المحرّك، الذي لا تراه، فمهما عدّلنا
العقارب من الخارج، سيعود الخطأ مرة أخرى لأن الأصل مختلّ وغير مستقر.
إن إصلاح النفس
من الداخل أكبر انتصار نفعله في حياتنا، فنحن نقضي أعمارنا في محاولة تجميل
العقارب -السلوكيات- أمام الناس، بينما تكمن المشكلة في القلوب التي هي محطّ نظر
الرحمن، وبها يستقيم الخارج طبيعياً ودون عناء.
إن القلب هو
الملك، والأعضاء هم باقي الجنود، فمتى فسد الملك فسد جنوده، وإذا صلح صلح جنوده.
إن من أكبر
أخطائنا هو وهْم التغيير السطحي، دون تغيير الباطن والعمق، فمن أراد تغيير واقع
حياته، فليبدأ بتغيير طريقة تفكيره وقناعاته العميقة، وأن التغييرات ليست في مظهر
منضبط لمرة واحدة، بل في معدن سليم يكون مصنعاً لإنتاج الانضباط.
وما أجمل ما
ذكره الصحابي زيد بن ثابت عن عمق وفهم النبي صلى الله عليه وسلم للحياة وجعله
الدنيا محطة سعادة للوصول إلى الآخرة، يقول زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، ولذلك قال في حديثه
الشريف جاعلاً الإفطار نصف فرحة المؤمن ولم يقلل منه: «للصائم فرحتان؛ فرحة حينَ
يفطر، وفرحة حينَ يلقى ربه» (صحيح الترمذي).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً