الشاعر في قلب الأصولي... قراءة في التجربة الشعرية للإمام محمد حسن هيتو

لم يكن الإمامُ الأصولي الشيخ محمد حسن هيتو مجرد عالم من علماء الفقه وأصوله، ولا مجرد أستاذ جامعي ملأ حياته بالبحث والتعليم والتأليف، بل كان - إلى جانب ذلك كله - صاحبَ قلبٍ شاعر، وروح تتذوق البيان والجمال،  وقد عرَفه طلابُ العلم فقيهًا محققًا، وأصوليًّا دقيقَ النظر، غير أن من اقترب من عالمه الأدبي اكتشف وجهًا آخر في شخصيته؛ وجْهَ الشاعرِ الذي يبوح بما في النفس من حنينٍ وذكرى، ويجعلُ من الكلمة الشعرية مرآةً لوجدانه.

ومع رحيله عن هذه الدنيا - بعد عمرٍ حافلٍ بالعطاء العلمي والدعوي جاوز 83 عامًا - بقيت كتبه شاهدة على عقله، وبقي شعره شاهدًا على قلبه، فإذا كانت مؤلفاته في الفقه والأصول تكشف عن صرامة العالم ودقة الباحث، فإن دواوينه الشعرية تكشف عن رهافة الإنسان ودفء الوجدان، وهنا تتجلى تلك المفارقةُ الجميلة التي طالما عَرَفها تراثُنا العلمي: أنَّ الفقيه قد يسكن في قلبه شاعر، وأن العقل الذي يزن الأدلة قد يَفيض أحيانًا بنغم الشعر.

ومن هنا تأتي هذه القراءة في تجربته الشعرية بوصفها نافذةً تطل على جانب إنساني عميق في شخصية عالمٍ جمع بين العلم والبيان، والدعوة والوجدان، والفقه والشعر.

العالمُ الأصوليُّ الذي يَسكُنُه شاعر

ليست شخصيةُ العالم في تراثنا الإسلامي شخصيةً أحاديةَ البعد، ولا صورةً جامدةً تحيا في حدود العقل المجرد؛ بل كثيرًا ما اجتمع في العالم الواحد صرامةُ الفقه وشفافيةُ الأدب، ودقةُ الاستنباط ورقّةُ الشعور؛  فالعلم في حضارتنا لم يكن يومًا نقيض الجمال، ولا كان الفقه حجابًا يحول بين القلب وبين البيان؛ وإنما كان العالم الحقُّ جامعًا بين نور العقل ودفء الوجدان، ومن هنا لم يكن عجيبًا أن نجد في تاريخنا فقهاء كبارًا تركوا إلى جانب كتبهم العلمية آثارًا شعرية أو أدبية؛ لأن النفس التي تعيش مع النصوص، وتخالط البيان العربي، وتتشرب أسرار اللغة، لا بد أن يفيض فيها شيء من هذا الجمال.

وقد تنبه غيرُ واحد من الأدباء إلى هذه الظاهرة، ومن ألطف ما كُتب فيها ما ذكره الأديب الكبير علي الطنطاوي في رسالته المعروفة "من غزل الفقهاء"؛ حيثُ كشف فيها عن صفحة لطيفة من تراث العلماء، مبينًا أن كثيرًا من الفقهاء والأصوليين كانوا يقولون الشعر، بل يقولون الغزل أحيانًا، لا على وجه المُجون أو العبث، وإنما بوصفه تعبيرًا إنسانيًّا رفيعًا عن العاطفة والجمال، وقد أراد الطنطاوي بهذا أن يزيل الصورة النمطية التي تتخيل الفقيه إنسانًا جافًّا لا يعرف من الحياة إلا نصوص الأحكام، فبيّن أن الفقيه قد يكون رقيق القلب، مرهف الحس، يُحسن الشعر والتصوير كما يحسن الاستنباط.

ومع ذلك فقد كان الشعر عند الفقهاء على نوعين متمايزين:

أحدهما نظمٌ تعليمي يقصد به تقريب العلوم وضبط المسائل، كمنظومات الفقه والأصول والحديث، وهذا بابٌ من أبواب التعليم أكثر منه بابًا من أبواب الإبداع.

والآخر شعرٌ مطبوعٌ يفيض من وجدان صاحبه، ويعبّر عن عاطفة حقيقية وتجربة إنسانية، وهو الشعر الذي يقصده الأدباء حين يتحدثون عن موهبة الشاعر.

ومن هنا يثور سؤال مهم: هل شعر الفقهاء شعرٌ مطبوع، أم هو مجرد نظمٍ علمي؟

والجواب أن الأمر يختلف من عالم إلى آخر؛ فقد كان بعضهم ينظم الشعر كما ينظم المسائل، فتجيء أبياته أقرب إلى التقرير منها إلى الإبداع، بينما كان بعضهم الآخر يقول الشعر بطبعٍ سليم وذوقٍ رفيع، فتظهر في شعره حرارةُ العاطفة وصفاءُ اللغة.

وفي هذا السياق يمكن أن تُفهم التجربة الشعرية للإمام الأصولي محمد حسن هيتو؛ فهو من كبار المتخصصين في أصول الفقه والاجتهاد، وصاحب مؤلفات علمية دقيقة في هذا الفن، ومع ذلك فقد ترك تجربة شعرية واضحة المعالم، تجلت في دواوين عدة، أبرزها: شموع الذكريات، وفي موكب الدعوة، وعاشق وعذول.  وهذه الدواوين تكشف عن شاعرٍ لا يكتفي بنظم المعاني، بل يعيش الشعر بوصفه تجربةً وجدانية حقيقية.

وقد أشار اللغويُّ والأديب الكبير أستاذنا د. محمد حسان الطيان في تقديمه لأحد دواوين الشيخ إلى هذه الخاصية، فلفتَ النظرَ إلى أن شعره ليس نظمًا تقليديًّا يكتبه عالمٌ على سبيل التسلية، بل هو شعر يصدر عن قلبٍ حيٍّ وذوقٍ لغويٍّ رفيع، وكذلك رأى أستاذُنا شيخُ العربية، والناقد واللغوي الكبير د.  سعد عبد العزيز مصلوح أن هذه التجربة تكشف عن تداخلٍ جميل بين العقل العلمي والوجدان الأدبي في شخصية الشيخ.

أما الشيخ هيتو نفسه فقد كان واعيًا بهذه المفارقة الجميلة في شخصيته؛ إذ يُصرح في مقدماته بأن ما يكتبه من الشعر إنما هو تعبير عن المعاني الإنسانية التي تسكن النفس البشرية، من حبٍّ وحنينٍ وشوقٍ وأمل، وهي معانٍ لا تنفصل عن طبيعة الإنسان مهما بلغ في العلم والتخصص؛ ولذلك يؤكد أن حديثه عن الحب مثلًا إنما هو حديث عن الحب العذري العفيف الذي عُرفت به الثقافة العربية، لا عن الحب الشهواني المبتذل.

وهكذا يتجلى في شخصية الشيخ هيتو نموذجٌ جميل من نماذج العلماء الذين جمعوا بين دقة الفقه ورهافة الشعر؛ فالأصولي الذي يغوص في دقائق الاستنباط هو نفسه الشاعر الذي يصغي إلى خفقات القلب، وإذا كان العلم قد صاغ عقله بمنهجٍ صارم، فإن الشعر قد منح روحه مساحةً للتعبير والبوح والتأمل.

ومن هنا يمكن القول إن تجربة الشيخ الشعرية ليست هامشًا عارضًا في حياته العلمية، بل هي نافذة تكشف عن إنسانية العالم، وعن تلك الحقيقة العميقة التي طالما أكّدها تراثنا: أن العلم لا يقتل الجمال، وأن الفقيه الحق قد يسكن في قلبه شاعر.

لماذا يكتب العلماء الشعر؟

إذا كان العلم يربي في صاحبه ملكةَ النظر والتدقيق، فإن اللغة التي يحملها هذا العلم في حضارتنا الإسلامية تفتح أمامه في الوقت نفسه أبواب البيان والجمال،  فالعلوم الشرعية - وفي مقدمتها الفقه وأصوله - نشأت في حِضْن العربية، واستمدت أدواتها من دلالات الألفاظ وأسرار التعبير، حتى غدا العالم الذي يشتغل بهذه العلوم أشدَّ الناس صلةً باللغة وأعمقهم إحساسًا بنغمها ومعانيها، ومن هنا لم يكن الشعر في حياة كثير من العلماء أمرًا عارضًا، بل كان امتدادًا طبيعيًّا لتلك العلاقة الحميمة التي تربطهم باللسان العربي.

والشعر في حياة العالم يؤدي وظائف متعددة، لعل أولها التنفيس الوجداني؛ فالعالم - مهما اشتد انصرافُه إلى البحث والتدريس - يظل إنسانًا ذا قلب يخفق، ونفس تتأثر، ووجدان يتفاعل مع ما يحيط به من أحداث وتجارب، فإذا ضاقتْ لغةُ التقرير العلمي عن حمل هذه المشاعر، وجد في الشعر فسحةً يُعبّر فيها عن تأملاته وأحزانه وآماله؛ ولذلك رأينا في تراث العلماء أبياتًا تنطق بالحكمة، أو تشي بالحنين، أو تعكس لحظة من لحظات التأمل في الحياة.

وثاني هذه الوظائف أن الشعر كان عند كثير من العلماء وسيلة تربوية وثقافية؛ فقد نشأ العلماء في بيئة كان الشعر فيها جزءًا من الثقافة العامة، يرويه الناس في المجالس، ويستشهدون به في الحديث، ويجعلونه شاهدًا على اللغة والبلاغة؛ ولذلك كان العالم - بحكم تكوينه اللغوي - قادرًا على أن يقول الشعر أو يتذوقه؛ لأن الأذن التي تربت على القرآن الكريم والحديث الشريف وبلاغة العرب لا بد أن تستجيب لإيقاع الشعر وصوره.

وثالثها أن الشعر يمنح العالم مساحة للتأمل في التجربة الإنسانية، بعيدًا عن حدود البحث الفقهي أو الجدل العلمي؛ فالفقيه حين ينشغل بالاستنباط يعيش في عالم من الأدلة والقواعد، أما الشاعر فيه فإنه يعود إلى عالم الإنسان بما فيه من حب وأمل وذكريات وأشواق، وهكذا يُصبح الشعر لونًا من ألوان التوازن النفسي الذي يردّ العالم من صرامة المنهج إلى رحابة الشعور.

وإذا تأملنا هذه الوظائف الثلاث للشعر في حياة العلماء وجدناها تتجلى بوضوح في تجربة الشيخ محمد حسن هيتو؛ فشعره يبدو أحيانًا متنفسًا وجدانيًّا يبوح فيه بما تختزنه النفس من حنين وتأملات وذكريات، كما يظهر في قصائد ديوان شموع الذكريات، ويغدو في مواضع أخرى امتدادًا لثقافته اللغوية الواسعة التي صاغتها معايشة النصوص العربية الرفيعة، من القرآن الكريم والحديث الشريف إلى تراث البيان العربي، ثم نراه في جانب ثالث مساحة للتأمل الإنساني الهادئ الذي يخرج فيه العالم من دائرة البحث العلمي الصارم إلى رحابة التجربة الإنسانية بما فيها من حب وأمل وألم، وهكذا يتجلى الشعر في حياة الشيخ هيتو بوصفه وجهًا مكمّلًا لشخصيته العلمية؛ فهو الكلمة التي يعبّر بها القلب حين يفرغ العقل من جدله، والفسحة التي تستعيد فيها الروح توازنها بعد طول الاشتغال بقضايا العلم ومسائله.

دواوينه الثلاثة وخريطة تجربته الشعرية

إذا انتقلنا من الحديث العام عن الشعر في حياة العلماء إلى النظر في تجربة الإمام الأصولي محمد حسن هيتو وجدنا أن شعره لا يقوم على قصائد متفرقة متناثرة، بل يتجلى في ثلاثة دواوين واضحة المعالم، لكل واحد منها نبرةٌ خاصة وفضاءٌ موضوعي مميز، حتى كأن هذه الدواوين الثلاثة ترسم - إذا نُظر إليها مجتمعة - خريطة وجدانية متكاملة لشاعر يعيش بين الفكر والعاطفة، وبين الدعوة والإنسان.

وهذه الدواوين هي: شموع الذكريات، وفي موكب الدعوة، وعاشق وعذول، ومن خلال النظر في عناوينها ومقدماتها وما كُتب في تقديمها، تتجلى أمام القارئ ثلاثة عوالم شعرية متمايزة، لكنها تتآلف في النهاية لتشكل صورةً واحدة لروح الشاعر.

أولًا: شموع الذكريات - شعر الوجدان والحنين

يمثل ديوان شموع الذكريات الوجه الوجداني الأول في تجربة الشيخ الشعرية؛ ففيه تتقد شموع الذاكرة، وتتجلى تلك اللحظات التي يقف فيها الإنسان أمام ماضيه يستعيد صوره ومواقفه ومشاعره، والذكريات هنا ليست مجرد استرجاع للأحداث، بل هي مناخ شعوري كامل يفيض بالحنين والتأمل، واستعادة اللحظات الإنسانية التي تركت أثرها في النفس.

وقد تنبه إلى هذا البعد الدكتور حسان الطيان في تقديمه للديوان؛ إذ وصف الشيخ بأنه يعيش في عالم الذكريات ويستحضرها شعريًّا في صورة مؤثرة، حتى تبدو الذكرى في شعره كأنها كائن حي يضيء الماضي ويمنحه حياة جديدة؛ ولهذا كان عنوان الديوان موفقًا في تصوير هذه الحالة؛ فالذكريات فيه شموعٌ تضيء ليل العمر، وتُعيد إلى القلب دفءَ التجربة الإنسانية.

ثانيًا: في موكب الدعوة - شعر الرسالة والنهضة

أما ديوان في موكب الدعوة فيمثل الوجه الآخر للشاعر؛ وجه العالم الداعية الذي يعيش قضايا أمته وهمومها، ويجعل من الشعر لسانًا ينطق باسم الرسالة.  ففي هذا الديوان يخرج الشاعر من دائرة الذات والذكريات إلى فضاء الأمة والتاريخ والدعوة، فتغدو القصيدة منبرًا للنداء، وصوتًا يستنهضُ الهممَ، ويذكّر بالمجد ويبعث الأمل.

وقد أشار الدكتور سعد مصلوح في تقديمه لهذا الديوان إلى أن قصائد الشيخ فيه تمضي في خط واضح من الشعر الرسالي، حيث يتجاور الحماس مع الإيمان، ويتحول الشعر إلى كلمة صادعة بالحق في وجه الظلم، وإلى نداءٍ يوقظ روح العزة في النفوس، ومن يطالع عناوين القصائد في هذا الديوان - مثل: فراعنة اليوم، وأحلام الطاغوت، وفلننهض، ونبض الأمل، وأيها الشباب - يدرك أن الشاعر هنا يسير بالفعل في موكب الدعوة، ويجعل من الكلمة الشعرية جزءًا من خطاب النهضة والإصلاح.

ثالثًا: عاشق وعذول — شعر العاطفة العذرية

أما ديوان عاشق وعذول فيكشف عن جانب ثالث من جوانب التجربة الشعرية، هو جانب العاطفة الإنسانية الرقيقة، وفي مقدمته لهذا الديوان يوضح الشيخ في مقدمة الديوان أنه يتحدث عن الحب العذري العفيف الذي عرفته الثقافةُ العربية، لا عن الحب الشهواني المبتذل، وأنه لا يرى في التعبير عن هذه المشاعر ما يناقض العلم أو الدين؛ لأن الحب - في صورته النقية - جزء من التجربة الإنسانية التي جُبلت عليها النفوس.

وتدل عناوينُ القصائد في هذا الديوان -  مثل: من وحي الحب، والحب والجمال، والحب والقمر، وجنون الحب، والحب اليائس، والأمل - على أن الشاعر يتحرك هنا في فضاءٍ وجداني صافٍ، يتأمل فيه معانيَ الجمالِ والعاطفة، ويصور حالاتِ النفس بين الشوق والرجاء والألم.

خريطة التجربة الشعرية

ومن خلال النظر إلى هذه الدواوين الثلاثة مجتمعةً يمكن رسمُ خريطةٍ واضحة لتجربة الشيخ الشعرية، تقوم على ثلاث دوائر شعورية متكاملة:

1.      دائرة الوجدان والذكريات في (شموع الذكريات).

2.      دائرة الدعوة والرسالة في (في موكب الدعوة).

3.      دائرة العاطفة الإنسانية في (عاشق وعذول).

وهذه الدوائر الثلاث ليست متباعدة، بل هي متداخلة في روح الشاعر؛ فالشاعر الذي يستعيد ذكرياتِه هو نفسه الذي يحمل همّ أمته، وهو نفسه الذي يتأمل في جمال الحب الإنساني، وهكذا تتكامل في هذه الدواوين ملامح شخصية شاعرٍ يعيش بين الإنسان والدعوة، وبين الوجدان والفكرة.

ومن هنا يمكن القولُ: إن تجربة الشيخ الشعرية ليست مجرد محاولات متفرقة، بل هي تجربة ذات بِنْية واضحة، تكشف عن عالم أصولي كبير يطل على الحياة من ثلاث نوافذ: نافذة الذكرى، ونافذة الرسالة، ونافذة القلب.

شعر الدعوة والحماسة

إذا كان ديوان شموع الذكريات قد كشف عن الوجه الوجداني في تجربة الإمام الأصولي محمد حسن هيتو، فإن ديوان في موكب الدعوة يمثل الوجه الآخر لشخصيته؛ وجه العالم الداعية الذي لا يعيش العلم في برجٍ نظريٍّ معزول، بل يحمله رسالةً تنبض بالحياة، وتتحرك في واقع الأمة وآلامها وآمالها، وفي هذا الفضاء يتحول الشعرُ عنده من بوحٍ شخصي إلى كلمةٍ رسالية، ومن تعبيرٍ عن الشعور إلى نداءٍ يوقظ الهمم ويستنهض العزائم.

وقد تنبه إلى هذا المعنى العلامة د. مصلوح في تقديمه للديوان، حين وصف صاحبه بأنه "شاعرٌ داعية"، يجمع بين حرارة الإيمان وصدق الشعور، ويجعل من القصيدة منبرًا يصدع بالحق ويذكّر الأمة بتاريخها ومجدها، ومن يطالع عناوين قصائد هذا الديوان يدرك أن الشاعر يسير بالفعل في موكب الرسالة؛ فهناك قصائد تحمل أسماءً مثل: فراعنة اليوم، أحلام الطاغوت، هوان المجد، فلننهض، نبض الأمل، أيها الشباب، وهي عناوين تكشف منذ الوهلة الأولى عن نفسٍ حماسي يتفاعل مع قضايا الأمة ويعبّر عنها.

وفي هذا الشعر تتجلى صورةُ الداعية الذي يرى في الكلمة سلاحًا من أسلحة الإصلاح، فيواجه بها الظلمَ والاستبداد، ويُذكّر الأمة بماضيها المشرق، ويغرس في النفوس الأمل في مستقبل أفضل، فالقصيدة هنا لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى تغييره، ولا تكتفي برثاء الحال، بل تدعو إلى النهوض واستعادة العزة؛ ولهذا كان الشاعر يخاطب الشباب بلهجة الواثق من وعد الله، ويجعل من الحماسة بابًا لبث روح الإيمان في القلوب.

ويمتاز هذا الشعر بأن حماسته ليست صاخبة خاوية، بل هي حماسة مبنية على رؤية إيمانية وتاريخية؛ فالشاعر يستحضر مجد الأمة في عصورها الأولى، ويربط بين ذلك الماضي المشرق وبين واجب الحاضر ومسؤولية المستقبل، ومن هنا تتردد في قصائده صور النهضة والعودة إلى العدل والحق، حتى تبدو القصيدة كأنها خطبة شعرية في حب الأمة والدفاع عن رسالتها.

وقد أشار الدكتور سعد مصلوح إلى أن هذا الشعر يمتاز أيضًا بصدق الشعور وحرارة الإحساس وقرب المعنى من القلب، وهو ما يجعل القصيدة قادرة على التأثير في القارئ دون تعقيد أو غموض، فالشاعر لا يتكلف الصور البعيدة ولا الرموز الملتوية، بل يخاطب الوجدان بلغة واضحة تستمد قوتها من صدق التجربة.

ومن خلال هذا اللون من الشعر تتجلى حقيقة مهمة في شخصية الشيخ هيتو، وهي أن العالم عنده لا ينفصل عن الداعية، وأن الفكر لا ينفصل عن الرسالة، فالأصولي الذي يدرّس قواعد الاستنباط هو نفسه الشاعر الذي يذكّر الأمة بقيمها ومجدها، ويجعل من الشعر وسيلةً أخرى لخدمة الدعوة.

وهكذا يغدو شعر الدعوة والحماسة في تجربته الشعرية صوت الضمير الرسالي الذي يسكن قلب العالم، ووجهًا آخر من وجوه رسالته العلمية والدعوية؛ فإذا كان يعلّم الناس في كتبه كيف يفهمون النصوص ويستنبطون الأحكام، فإنه في شعره يذكّرهم بروح الرسالة التي قامت عليها تلك الأحكام.

الشعر الوجداني والذكريات

إذا كان شعر الدعوة في تجربة الإمام الأصولي محمد حسن هيتو يمثل صوت الرسالة في قلبه، فإن الشعر الوجداني في دواوينه يمثل صوت الإنسان الكامن وراء العالم والداعية، فالعالم الذي ينهض بهموم أمته، ويكتب في قضاياها، لا يخلو قلبه من لحظات يعود فيها إلى ذاته، يستعيد صور الماضي، ويصغي إلى نداء الذكرى، ويستحضر وجوهًا وأيامًا صنعت في نفسه أثرًا لا يزول.

وهنا يتجلى ديوان شموع الذكريات بوصفه واحدًا من أهم مفاتيح فهم هذا الجانب الوجداني في شعره، فالذكريات في هذا الديوان ليست مجرد حكايات من الماضي، وإنما هي حالة شعورية كاملة يعيش فيها الشاعر بين الحنين والتأمل، وبين استعادة اللحظة الماضية واستحضار معناها في الحاضر، فالذكرى عنده ليست سردًا، بل هي شعلة وجدانية - كما يوحي عنوان الديوان - تضيء القلب وتمنحه دفئًا إنسانيًّا خاصًّا.

وقد التفت الأديبُ حسان الطيان إلى هذه الخاصية حين قدّم للديوان، فرسم صورة شاعر يعيش في عالم الذكريات ويستحضرها كأنها حاضرة أمامه، حتى تبدو قصائده كأنها لوحاتٌ وجدانية تتداخل فيها صور الماضي مع مشاعر الحاضر، فالذكرى في شعره ليست مجرد استرجاع، بل هي حياة ثانية للأحداث، تعود فيها اللحظة الماضية لتنبض من جديد في وجدان الشاعر.

ولعل ما يلفت النظر في هذا الشعر أنه لا يقوم على الحنين العاطفي وحده، بل يمتزج فيه الحنينُ بالتأمل؛ فالشاعر حين يستعيد الماضي لا يفعل ذلك بوصفه زمنًا ضائعًا، بل بوصفه تجربة إنسانية صاغت شخصيتَه وأثَّرت في نظرته إلى الحياة،  ومن هنا تتحول الذكريات في شعره إلى لحظة مراجعة داخلية، يتأمل فيها الإنسانُ نفسه وعمره وعلاقاته بالناس.

وتدل عناوين كثير من قصائد هذا الديوان على هذا المناخ الوجداني؛ حيث تتردد كلمات مثل الحنين والذكرى والغربة والشجن، وهي كلمات تعكس حالة نفسية يعيش فيها الشاعر بين استعادة الماضي وتأمل الحاضر، وهذه العناوين وحدها تكشف أن الشاعر يكتب الذكرى بوصفها تجربة شعورية متكاملة.

وما يزيد هذا الشعر عمقًا أن صاحبه ليس شاعرًا متفرغًا للأدب وحده، بل عالم يعيش حياة مليئة بالعلم والدعوة والأسفار والتجارب؛ ولذلك فإن الذكريات التي تتردد في قصائده ليست ذكريات شاعر يعيش في عالم خيالي، بل ذكريات إنسان عاش الحياة بوجوهها المختلفة، فاختزن في ذاكرته صورًا ومواقف تنبض في شعره بالحياة.

ومن هنا يبدو الشعرُ الوجداني في تجربة الشيخ هيتو كأنه الجانب الحميم من شخصيته؛ ذلك الجانب الذي يكشف عن القلب وراء العقل، وعن الإنسان وراء العالم، فبينما تتجه قصائده الدعوية إلى الأمة والناس، تتجه قصائد الذكريات إلى الداخل، إلى تلك المساحة الهادئة التي يجلس فيها الإنسان مع نفسه، يستعيد ما مضى، ويصغي إلى صوت الزمن وهو يمر في العمر.

وهكذا تتكامل في شعره صورتان: صورة الشاعر الذي يخاطب الأمة، وصورة الشاعر الذي يخاطب ذاكرته، وفي هذا التوازن بين الخارج والداخل تتجلى إنسانية التجربة الشعرية عنده؛ إذ لا يكتمل صوتُ الدعوة إلا حين يجاوره صوت الذكرى والوجدان.

الحب العذري في شعره

وإذا كان الشعر الوجداني في تجربة الإمام الأصولي محمد حسن هيتو قد تجلّى في استحضار الذكريات وتأملات النفس، فإن وجهًا آخر من وجوه هذه التجربة يتبدّى في شعر الحب، كما يظهر بوضوح في ديوانه عاشق وعذول، غير أن هذا الحب الذي يتغنى به الشاعر ليس من ذلك اللون الذي يجرّ الشعر إلى مجالات الابتذال أو النزوات العابرة، بل هو - كما يصرّح هو نفسه في مقدمة الديوان -  حبٌّ عذريٌّ عفيف، ينتمي إلى تقليد قديم في الأدب العربي، حيث كان الحب تعبيرًا عن صفاء الوجدان وسمو العاطفة لا عن غواية الشهوة أو انطلاق الغرائز.

وقد حرص الشيخ في مقدمته على بيان هذا المعنى بيانًا واضحًا؛ فهو يصرح بأن حديثه عن الحب إنما هو حديث عن تلك العاطفة الإنسانية التي جبلت عليها النفوس، وأنه يقصد الحب العذري الذي امتازت به الثقافة العربية في تراثها الأدبي، فهو يرى أن الإنسان - مهما علا في مراتب العلم أو الفقه - يبقى إنسانًا يحمل في قلبه مشاعر الحب والحنين، وأن التعبير عن هذه المشاعر في إطارها النقي ليس خروجًا عن الوقار العلمي، بل هو جزء من الإنسانية التي فطر الله الناس عليها.

ومن هنا يميز الشاعر تمييزًا دقيقًا بين الحب العذري الذي يترفع عن الشهوة ويستند إلى العفة والوفاء، وبين الحب الشهواني الذي يجرّ إلى الرذائل، وهذا التمييز يعكس وعيًا أخلاقيًا واضحًا في تجربته الشعرية؛ فهو لا يكتب الحب بوصفه متعة حسية، بل بوصفه قيمة وجدانية سامية تلتقي فيها الرقة الإنسانية مع الالتزام الديني.

وتدل عناوين القصائد في ديوان عاشق وعذول على هذا المناخ العاطفي الرقيق؛ فهناك قصائد تحمل أسماء مثل: من وحي الحب، والحب والجمال، والحب والقمر، وجنون الحب، والحب اليائس.  وهذه العناوين وحدها تكشف عن عالم شعري يقوم على تأمل الجمال، واستحضار العاطفة، وتصوير الحالات النفسية التي يعيشها القلب بين الشوق والأمل والألم.

ويتجلى هذا التصورُ العذري للحب في عدد من قصائده التي يجعل فيها الحبيبة رمزًا للجمال الروحي لا مجرد صورة حسية، ومن أجمل النماذج على ذلك قصيدته "أجمل امرأة في الحياة"  في ديوانه عاشق وعذول، حيث يرسم صورة للحبيبة تقوم على الصفاء الروحي والنقاء الإنساني، لا على الوصف الجسدي المألوف في كثير من أشعار الغزل، يقول في صفحة نثرية من ديوانه:

"إن أجمل امرأة في الحياة هي تلك التي يراها العاشق بعيني قلبه، فيراها نورًا يضيء ما حوله من الكون، يتراعى له بمظهر البشر، ويراها كتلة من الصفاء والوفاء، هبطت سرًّا من أسرار السماء، لتستقر في قلبه، فلا يرى ولا يسمع في الدنيا سواها، ولا يجد الأنس في الحياة إلا في همس نجواها، هي نعيمه وجحيمه، بالوصل والهجران، وهي لذته وشقاؤه، بالرضى والسخط، هي جمال وجلال، وكمال ودلال، وأحلام تدب على الأرض).

فالحبيبة هنا ليست جسدًا يفتن الحواس، بل نورٌ ومعنى ووفاء؛ ولذلك تتحول في رؤية الشاعر إلى سرٍّ من أسرار الجمال الإنساني، يهب القلب طمأنينته ويمنح الحياة معناها، وهذا التصوير يقترب في روحه من تقاليد الحب العذري في التراث العربي؛ حيث يكون الحبُّ حالةً وجدانية سامية تتجاوز حدودَ الحس إلى صفاء النفس وسمو العاطفة، ومن هنا تبدو هذه الكلمةُ النثريةُ شاهدًا واضحًا على أن شاعرنا يتعامل مع الغزل بوصفه تجربة روحية رفيعة تنسجم مع تكوينه الأخلاقي والعلمي.

ويبدو هنا أثر واضح للتقليد العذري في الشعر العربي، ذلك التقليد الذي عرفناه عند شعراء مثل جميل بثينة، وكثير عزة، وقيس بن الملوح، حيث يكون الحب حالة روحية تتجاوز حدود الواقع إلى فضاء من الصفاء والوفاء، غير أن الشاعر هنا لا يكتفي باستعادة ذلك التراث، بل يُعيد صياغته في إطار تجربته الخاصة، بحيث يصبح الحبُّ عنده نافذة للتأمل في النفس والحياة.

ولعل من أجمل ما في هذا الشعر أنه يصدر عن عالم أصولي عرف بصرامة منهجه العلمي؛ فالقارئ حين يقرأ هذه القصائد يدرك أن وراء العقل الذي يتعامل مع قواعد الاجتهاد والاستنباط قلبًا قادرًا على الإحساس بالجمال والتأثر به، وهنا تتجلى مرة أخرى تلك المفارقة الجميلة التي قامت عليها هذه الدراسة: أن الفقيه قد يسكن في قلبه شاعر.

وهكذا يغدو الحبُّ العذري في شعر الشيخ هيتو جزءًا من مشروعه الإنساني لا مجرد موضوع أدبي هامشي؛ فهو تعبير عن الجانب الرقيق في شخصيته، وعن تلك المساحة التي يلتقي فيها العلم بالوجدان، ويجتمع فيها صفاء القلب مع عمق الفكر، وفي هذا الالتقاء يتأكد أن الشعر عنده ليس خروجًا عن عالم الفقه، بل هو وجه آخر من وجوه إنسانيته العالمة.

اللغة الشعرية عنده

إذا كانت الموضوعات الشعرية في دواوين الإمام الأصولي محمد حسن هيتو قد تنوعت بين الدعوة والوجدان والعاطفة، فإن لغته الشعرية بدورها تكشف عن طبيعة هذا الشاعر الذي نشأ في حضن العربية، وتربى على نصوصها العليا من قرآن وحديث وشعر وتراث، فالشاعر هنا ليس أديبًا بعيدًا عن العلوم، بل عالم أصولي شديد الحس باللغة، يدرك دلالات الألفاظ وموسيقاها وطاقتها التعبيرية؛ ولذلك جاءت لغته الشعرية لغةً واضحة صافية، تستمد جمالها من البيان العربي الموروث.

وقد أشار الدكتور حسان الطيان في تقديمه لديوان شموع الذكريات إلى هذه السمة حين وصف شعر الشيخ بأنه شعرٌ واضح العبارة، قريب المعنى، سهل المأخذ، لا يحول بين القارئ وبينه غموض التعبير ولا تعقيد الرمز؛ فالشاعر يختار من الألفاظ ما ينساب إلى السمع في رقة، ويصل إلى القلب في صفاء، حتى يبدو المعنى كأنه يسابق لفظه إلى نفس القارئ.

وهذه السهولة ليست ضعفًا في الصياغة، بل هي نتيجُ رسوخِ الشاعر في اللغة؛ إذ إن العالم الذي عاش عمره بين كتب الفقه والأصول والحديث قد تمرّس ببيان العربية، وأَلِفَ دلالاتِها الدقيقة، فأصبحت الكلمة عنده أداة طبيعية للتعبير، لا صناعة متكلفة.

وتتجلى هذه السمة في كثير من الأبيات التي نقلها الطيان في تقديمه، ومن ذلك قوله:

أنا في هواكِ متيَّمٌ لا أدَّعي * أوَعيتِ ذلك مُنيتي أم لم تعِي

ما كان لي في ذا الغرام مشورةٌ * فعشقتُ رغم تعففي وتورّعي

ففي هذه الأبيات تبدو اللغة شفافة واضحة، خالية من التعقيد، تقوم على التعبير المباشر عن الشعور دون التفاف أو زخرفة لفظية مبالغ فيها.

وقد تنبه الدكتور سعد مصلوح إلى هذه الخصيصة كذلك في تقديمه لديوان في موكب الدعوة، فذكر أن قصائد الشيخ تمتاز بتدفق الشعور وحرارة الإحساس وقرب المعنى من القلب، وأنها تسلك أقصر الطرق إلى وجدان القارئ.  ومن يطالع بعض الأبيات التي استشهد بها في تقديمه يدرك هذا الطابع الحماسي الواضح، كما في قوله:

هيهاتَ الذلُّ لقد ولَّت  * أيامُ القهر ولن ترجع

سيعود المجد لموكبنا * ونشيد الحق به يصدع

فاللغة هنا مباشرة قوية، تعتمد على الإيقاع الحماسي والصياغة الواضحة، وتخاطب العاطفة الجماعية للأمة، ومن جهة أخرى، تكشف عناوين القصائد في فهارس الدواوين عن طبيعة هذه اللغة الشعرية واتجاهاتها؛ ففي ديوان في موكب الدعوة نجد عناوين مثل: فراعنة اليوم، أحلام الطاغوت، فلننهض، نبض الأمل، أيها الشباب، وهي عناوين توحي بلغة خطابية حماسية تناسب موضوع الدعوة والنهضة.  أما في ديوان شموع الذكريات فتبرز عناوين مثل حنين وذكرى، غربة وشجن، ذكريات، وهي عناوين تشير إلى لغة وجدانية رقيقة تميل إلى التأمل والحنين، وفي ديوان عاشق وعذول نجد عناوين مثل الحب والجمال، الحب والقمر، جنون الحب، الأمل، وهي عناوين تنتمي إلى عالم العاطفة والجمال.

ومن خلال هذه العناوين يمكن أن ندرك أن لغة الشاعر تتلون بتلون موضوعه؛ فهي حماسية صادعة حين يتحدث عن الدعوة والأمة، رقيقة متأملة حين يستحضر الذكريات، شفافة حالمة حين يتحدث عن الحب والجمال، ومع ذلك فإن القاسم المشترك بينها جميعًا هو الوضوح والصفاء والالتصاق بالبيان العربي الأصيل.

وهكذا تبدو اللغة الشعرية عند الشيخ هيتو امتدادًا طبيعيًا لتكوينه العلمي واللغوي؛ فهي لغة عالم يعرف أسرار العربية، ويثق في قدرتها على التعبير، فلا يلجأ إلى الغموض ولا يتكلف الرمز، بل يترك الكلمة تمضي في طريقها الصافي إلى القلب، وفي هذا الصفاء تتجلى حقيقة مهمة في شعره، وهي أن جماله لا يقوم على التعقيد، بل على صدق الشعور وسلامة البيان.

أثر تكوينه العلمي في شعره

ليس الشعر في تجربة الإمام الأصولي محمد حسن هيتو ظاهرة منفصلة عن تكوينه العلمي، ولا هو عالم قائم بذاته بعيد عن عالم الفقه والأصول، بل يبدو - لمن يتأمل مسيرته العلمية والأدبية - امتدادًا طبيعيًّا لذلك التكوين العميق الذي تشكّل في ظلال العلوم الشرعية واللغة العربية، فالعالم الذي قضى عمره في تدريس أصول الفقه، وتحقيق كتب التراث، والتأمل في دلالات النصوص، لابد أن يترك هذا التكوين بصمته الواضحة في لغته الشعرية، وفي رؤيته للمعاني، وفي طريقته في التعبير.

وأول ما يظهر أثر هذا التكوين في شعره صفاءُ العبارة ودقة التعبير؛ فالأصولي بطبيعته شديد العناية بالألفاظ، دقيق في استعمالها، واعٍ بحدود دلالاتها؛ لأن علم الأصول قائم في جوهره على فهم النصوص واستنباط المعاني منها، ومن هنا جاءت لغة الشيخ الشعرية لغةً واضحة منضبطة، بعيدة عن الغموض والتعقيد، قريبة من البيان العربي الموروث، وهذا ما أشار إليه الدكتور حسان الطيان حين وصف شعره بأنه شعر واضح العبارة، يسابق فيه المعنى اللفظ إلى القلب دون التواء أو تعمية.

كما يظهر أثر التكوين العلمي في البنية الفكرية للقصيدة؛ فالشاعر هنا لا يكتفي بالتعبير عن الانفعال، بل يميل في كثير من قصائده إلى بناء الفكرة وبسطها على نحو منظم، حتى تبدو القصيدة أحيانًا وكأنها تأمل فكري مصوغ في قالب شعري،  وهذا واضح في قصائد الدعوة والحماسة في ديوان في موكب الدعوة، حيث تمتزج العاطفة بالحجة، ويتجاور الشعور مع الرؤية الفكرية، فتتحول القصيدة إلى خطاب يحمل معنى ورسالة.

ومن مظاهر أثر التكوين العلمي أيضًا حضور القيم الأخلاقية والدينية في شعره حضورًا واضحًا، فالشاعر لا يكتب في فراغ أخلاقي، بل يظل وعيه الفقهي حاضرًا في نظرته إلى الحياة والعاطفة، وقد ظهر ذلك بجلاء في مقدمته لديوان عاشق وعذول حين أكد أن حديثه عن الحب إنما هو حديث عن الحب العذري العفيف، لا عن الحب الشهواني، وأن التعبير عن العاطفة لا يجوز أن يخرج عن حدود القيم التي جاء بها الدين، وهنا نرى كيف يظل الفقيه حاضرًا حتى في لحظات الشاعرية.

كذلك يتجلى أثر التكوين العلمي في استحضار التاريخ والتراث في شعره، خاصة في قصائد الدعوة، فالعالم الذي يعيش مع كتب التراث ويستحضر تجارب الأمة في تاريخها العلمي والحضاري، يجد في ذلك معينًا غنيًّا للصور والمعاني؛ ولهذا نرى في بعض قصائده استدعاءً لمجد الأمة في عصورها الأولى، وربطًا بين ذلك الماضي وبين واقع الحاضر، في محاولة لبث روح الأمل والنهضة.

وقد لاحظ الدكتور مصلوح هذا التداخل بين العلم والشعر في شخصية الشيخ، حين أشار إلى أن قصائده تمتاز بحرارة الشعور وقرب المعنى، مع استنادها إلى رؤية فكرية واضحة نابعة من تجربته العلمية والدعوية.

ومن هنا يمكن القول إن التكوين العلمي للشيخ هيتو لم يكن عائقًا أمام تجربته الشعرية، بل كان أحد عناصر ثرائها؛ فقد منح شعره عمقًا فكريًّا وانضباطًا لغويًّا ووعيًا أخلاقيًّا، وجعل القصيدة عنده تعبيرًا يجمع بين حرارة الشعور ونور الفكرة.

وهكذا يلتقي في شعره العالِم والشاعر: فالعالِم يمنح القصيدة عمقها ورصانتها، والشاعر يمنحها دفئها وحرارتها، وفي هذا اللقاء تتجلى شخصية متميزة تجمع بين دقة الأصولي ورهافة الأديب، حتى يصبح الشعر عنده وجهًا آخر من وجوه ذلك التكوين العلمي الذي صاغ عقله وروحه معًا.

ختام في مكانة الشعر في حياة العلماء

حين يتأمل القارئ تراث العلماء في الحضارة الإسلامية يكتشف أن الشعر لم يكن عنصرًا طارئًا في حياتهم، ولا لونًا هامشيًّا من ألوان الثقافة، بل كان حاضرًا في مجالسهم العلمية، وفي كتاباتهم، وفي تربية نفوسهم وأذواقهم، فقد نشأ العلماء في بيئة كانت الكلمة فيها ذات سلطان، وكان الشعر فيها ديوان العرب ووعاء حكمتهم ومشاعرهم، فلا عجب أن يتردد صداه في مجالس العلم كما يتردد في مجالس الأدب.

وقد أدرك العلماءُ منذ وقت مبكر أن الشعر ليس مجرد زخرف لفظي، بل هو أداة من أدوات تهذيب النفس وتلطيف الروح؛ ولذلك امتلأت كتبهم بالشواهد الشعرية، واستشهدوا بالأبيات في اللغة والفقه والأصول والتفسير والحديث، حتى غدا الشعر جزءًا من النسيج الثقافي للعالم المسلم، ولم يكن ذلك الاستشهاد مجرد استحضار لغوي، بل كان تعبيرًا عن صلة عميقة بين العلم والبيان؛ لأن العالم الذي يتعامل مع النصوص ويغوص في دلالاتها لا بد أن يكون قريبًا من جمال اللغة وإيقاعها.

ولهذا لم يكن غريبًا أن نجد في مجالس العلماء شيئًا من الشعر يتردد بين الدرس والدرس، يرقق القلوب ويكسر جفاف البحث،  وقد أشار الشيخ محمد حسن هيتو نفسَه إلى هذه الحقيقة في مقدمته لديوان عاشق وعذول، حين ذكر أن مجالس العلم التي عرفها أو سمع عنها لم تكن تخلو من الشعر الذي يبعث الأنس في النفوس ويشيع البِشر بين الحاضرين، فالشعر في تلك المجالس لم يكن انصرافًا عن العلم، بل كان رفيقًا له يلطّف حدّته ويمنح النفس فسحة من الجمال.

وقد لفت اللغوي د. حسان الطيان النظر إلى هذا البعد حين قدّم شعر الشيخ هيتو، فرأى فيه امتدادًا لتلك الشخصية العلمية التي تجمع بين العقل والوجدان، بين صرامة الفقه ورقة الشعور.  وكذلك رأى الدكتور سعد مصلوح أن اجتماع الشعر والعلم في شخصية الشيخ ليس أمرًا عارضًا، بل هو صورة من صور التوازن في شخصية العالم الذي يجمع بين حرارة الإيمان وصدق الشعور.

ومن هنا يمكن القول إن الشعر في حياة العلماء لم يكن علامة فراغ أو ميل إلى الترف الأدبي، بل كان دليلًا على اكتمال الشخصية الثقافية والإنسانية، فالعالم الذي يعيش مع النصوص الكبرى للغة والدين لابد أن يتذوق جمال البيان، وأن يجد في الشعر مساحة يعبر فيها عن مشاعره وتأملاته، وفي هذا المعنى يلتقي العلم بالشعر في نقطة واحدة هي البحث عن المعنى؛ فالعالم يبحث عنه بعقله، والشاعر يبحث عنه بقلبه.

وإذا نظرنا إلى تجربة الشيخ محمد حسن هيتو في هذا السياق اتضحت لنا قيمتها الثقافية والإنسانية؛ فهي ليست مجرد تجربة شاعر عالم، بل هي شاهد جديد على أن الشخصية العلمية في تراثنا لم تكن منغلقة في دائرة البحث المجرد، بل كانت قادرة على الجمع بين الفكر والوجدان، وبين العلم والجمال.

وهكذا تنتهي بنا الرحلة في هذه التجربة الشعرية إلى تلك الحقيقة البسيطة العميقة: أن العالم قد يكتب الفقه بعقله، لكنه يكتب الشعر بقلبه، وأن الكلمة التي تُصاغ في محراب العلم قد تتردد أحيانًا في محراب الشعر، فتكتمل بها صورة الإنسان العالم الذي يجمع بين نور الفكر ودفء الشعور. 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة