يتبدّل موقع
العلم في حياة الأمم تبعًا للمعنى الذي يستقرّ له في وعي أبنائها؛ فالمعرفة لا
تُقاس باتساع مجالاتها وحده، ولا بتقدّم أدواتها ووسائلها فحسب، بل بما تحمله من
غاية، وبالموقع الذي تحتله داخل رؤية الإنسان للحياة، وبالأثر الذي تتركه في بناء
الوعي وتوجيه السلوك وصناعة الاتجاه الحضاري العام.
وفي التجربة
الحضارية للأمة، تحرّكت العلوم ضمن بناء متوازن تتكامل فيه الوظائف وتتوزع فيه
الأدوار بصورة تحفظ للمعرفة معناها الشامل؛ فكانت العلوم الشرعية تضبط علاقة
الإنسان بربه وقيمه ووجهته، بينما أسهمت العلوم الإنسانية والاجتماعية في فهم
الواقع وتكوين الوعي، وتولّت العلوم العقلية تنمية التفكير وتعميق النظر، في حين
دفعت العلوم التطبيقية حركة العمران وتطوير الحياة، وقد أوجد هذا التكامل ميزانًا
معرفيًا ربط بين التعلم ورسالة الإنسان، وجعل العلم جزءًا من مشروع حضاري يتجه إلى
البناء والإصلاح وترقية الحياة.
وفي قلب هذا
النسق، ظلّ العلم المتصل ببيان الحق وتوجيه الإنسان عنصرًا يمنح بقية العلوم
معناها الكلي واتجاهها العام، فتتحرك المعرفة داخل رؤية متوازنة تجمع بين بناء
الإنسان وخدمة المجتمع وتوسيع أفق العمران، دون انفصال بين التقدم المادي والبعد
القيمي الذي يضبط حركته ويوجه أثره.
طغيان النموذج المادي والتحوّل نحو الوظيفة والمنفعة
ومع التحوّلات
المتسارعة التي يشهدها العالم، واتساع حضور النموذج المادي في تقييم الأشياء
والمسارات، بدأ منطق جديد يتقدّم داخل الوعي المعاصر، يربط قيمة الجهد بما ينتجه
من أثر مباشر وعائد سريع، ويجعل المنفعة الملموسة معيارًا حاضرًا في قياس النجاح
والأهمية، وقد امتدّ هذا التحوّل تدريجيًا إلى المجال المعرفي، فأعاد تشكيل زاوية
النظر إلى العلم، ووجّه الاهتمام نحو نتائجه الظاهرة وما يرتبط به من فرص الامتداد
والحضور والتأثير.
ومن هنا، بدأ
موقع العلم يتغيّر داخل وعي كثير من الطلاب والباحثين؛ إذ أخذت المعرفة تميل شيئًا
فشيئًا نحو بعدها الوظيفي، وأصبحت قيمة التخصص ترتبط بما يمنحه من مكاسب وفرص
ومكانة اجتماعية، بينما تراجع حضور المعنى الذي يجعل العلم رسالة تتصل ببناء
الإنسان وإصلاح الواقع وصناعة الوعي.
ولم يقف أثر هذا
التحوّل عند حدود النظرة إلى التخصصات والاختيارات العلمية، بل امتدّ إلى مستوى
أعمق أعاد تشكيل الدافع نفسه؛ فضعف ذلك الشعور الذي يدفع الإنسان إلى البذل من أجل
الرسالة، وخفّ الارتباط الوجداني بالعلم بوصفه طريقًا إلى الإسهام الحضاري، بينما
اتجهت طاقة العطاء بصورة أكبر نحو ما يرتبط بالمردود السريع أو الأثر القابل
للقياس المباشر.
ويكشف هذا
التحوّل عن تغيّر تدريجي في المعايير التي تضبط الأولويات وتوجّه القرارات؛ إذ
يصبح العائد عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الخيارات، بينما تضيق مساحة المعنى كلما انحصر
التقييم في النتائج القريبة وحدها، فتتحول المعرفة من مشروع يُسهم في تشكيل الوعي
وترقية الإنسان إلى أداة تُقاس قيمتها بقدرتها على إنتاج المكاسب أو توسيع فرص
المنافسة والحضور.
ومن هذا الموضع
تتضح طبيعة الإشكال بصورة أعمق؛ لأن القضية لا ترتبط بتنوع العلوم ولا بتقدّم
التخصصات، بل بالميزان الذي تُفهم به المعرفة نفسها، إذ إن تغيّر هذا الميزان يعيد
توجيه العلم من الداخل، ويؤثر في طبيعة العلاقة بين الإنسان والتعلّم، وفي الطريقة
التي ينظر بها إلى دوره ووظيفته وأثره داخل المجتمع والحياة.
ولهذا، تبدأ
المعالجة الحقيقية من إعادة بناء المعنى الذي يتحرك العلم في إطاره؛ لأن المعرفة
تستعيد رسالتها حين يعود الدافع متصلًا ببناء الإنسان وتوسيع الوعي وخدمة الحياة
ضمن رؤية حضارية متوازنة، وعند هذا المستوى يتّسع البذل، ويترسّخ معنى الخدمة،
ويتحوّل العطاء إلى إسهام يتجاوز حدود المنفعة المباشرة نحو أفق أوسع يرتبط
بالرسالة والأثر الممتد.
ويمتدّ هذا
التصحيح إلى طبيعة العلاقة بالمعرفة نفسها؛ حيث تستعيد مكانتها بوصفها رسالة تُبنى
حولها الرؤية ويتشكل من خلالها الوعي ويتحدد بها الاتجاه، فتتجاوز حدود الوسيلة
المرتبطة بالعائد إلى فضاء أرحب يجعل العلم عنصرًا فاعلًا في صناعة الإنسان وبناء
الحضارة وتوجيه حركة المجتمع.
كما يقتضي هذا
المسار إعادة ضبط معيار التقييم؛ بحيث يُنظر إلى العلم من زاوية أثره في ترقية
الإنسان وتشكيل الوعي وبناء الرؤية الحضارية، إلى جانب ما يحققه من تطور مهني أو
تقني أو اقتصادي، وبذلك يستعيد الميزان توازنه الطبيعي، فيأخذ العائد موقعه داخل
المنظومة المعرفية دون أن يتحول إلى الغاية التي تُختزل فيها قيمة العلم ورسالة
التعلّم.
الأثر الممتد.. بناء الإنسان وعمارة الحضارة
وعندما يستقيم
هذا الترتيب، تستعيد العلوم تكاملها، ويعود لكل مجال موقعه داخل البناء الحضاري
العام، فتتحرك المعرفة في اتجاه يربط بين بناء الإنسان وعمارة الحياة، ويمنح العلم
قدرته على إنتاج الوعي بقدر ما يمنحه القدرة على إنتاج النتائج، كما يعيد للإنسان
علاقته العميقة بالمعرفة بوصفها طريقًا إلى الفهم والبناء والإسهام الحضاري.
وعند هذا
المستوى، تتجلّى حقيقة تتجاوز حدود اللحظة المعاصرة؛ فالعلم الذي يتحرك داخل معنى
عميق يُنشئ إنسانًا يمتلك القدرة على البناء، والإنسان الذي يحمل هذا الوعي يُسهم
في إقامة أمة متوازنة في رؤيتها واتجاهها، بينما تتحول الأمة التي يستقيم فيها هذا
الميزان إلى قوة حضارية قادرة على الإسهام في عمارة الإنسان والحياة معًا.
ومن هذا الفهم،
تتجه القراءة إلى استيعاب التحوّلات المعاصرة ضمن رؤية تضبط مسارها وتحفظ للمعرفة
غايتها الكبرى، بحيث يبقى العلم متصلًا ببناء الوعي وصناعة الإنسان وترشيد حركة
الحياة، لأن قيمة المعرفة في حقيقتها ترتبط بالوجهة التي تتحرك نحوها، وبالمعنى
الذي تحمله، وبالأثر الذي تتركه في الإنسان قبل أي شيء آخر.
وهنا يبدأ
التصحيح الحقيقي؛ حين يستعيد العلم رسالته، ويستعيد الإنسان علاقته المتوازنة
بالمعرفة، ويعود الميزان إلى موضعه الذي يجعل بناء الإنسان أصلًا تتحرك حوله بقية
المقاصد، ويمنح العائد مكانه الطبيعي داخل المسار المعرفي، دون أن يتحول إلى
المركز الذي يعيد تشكيل معنى العلم ووظيفته واتجاهه.
اترك تعليقاً