تفسير سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ) (الفاتحة:1-7).
قد
اشتملت هذه السورة بوجه إجمالي على مقاصد الدين؛ من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد
ووعيد.
ولهذه
المزية سميت: أم القرآن، وافتُتح بها الكتاب المجيد، وأُمر الناس بقراءتها في كل
صلاة، وهي مقولة على ألسنة العباد لتعليمهم كيف يناجون البارئ تعالى، ويحمدونه،
ويتضرعون إليه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها أول ما نزل من القرآن، ورُوي هذا عن
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وجمهور أهل العلم على أن أول ما نزل سورة: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (العلق:1).
(بِسْمِ
اللَّهِ): (الاسم): اللفظ الذي يدل على ذات أو معنى. (والله): عَلَم على ذات
الخالق تعالى، والباء في (باسم): متعلقة بفعل مقدر، والمعنى: أبتدئ القراءة
متبركًا باسم الله، لا كما يفعل المشركون من البداية بأسماء آلهتهم متبركين بها،
فيقولون: باسم اللات، باسم العزى. وإنما حُذف الفعل العامل في (باسم الله)؛ ليكون
المبدوء به في اللفظ اسم الله دون شيء آخر.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): هما صفتان
مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا
المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان،
وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته
تعالى لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.
وليست
الصفتان -أعني: الرحمن الرحيم- بمعنى واحد، بل رُوعي في كل منهما معنى لم يُراعَ
في الآخر، فالرحمن بمعنى: عظيم الرحمة؛ لأن فَعْلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء
وعظمته، ولا يلزم منه الدوام؛ كغضبان، وسكران، والرحيم بمعنى: دائم الرحمة؛ لأن
صيغة فَعيل تستعمل في الصفات الدائمة؛ ككريم، وظريف، فكأنه قيل: العظيم الرحمة
الدائمها.
وذهب
ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالٌ على الصفة القائمة به
تعالى، والرحيم دالٌ على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دالٌ على أن الرحمة صفته،
والرحيم دالٌ على أنه يرحم خلقه، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات
الأفعال.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ): الحمد: هو
الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار؛ من نعمة، أو غيرها.
والجملة
مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى؛ نحو قولهم: الكرم في العرب. وإنما كان الحمد مقصورًا
في الحقيقة على الله؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل بالحمد إنما هو صادر من الله، وهذا
يقتضي أن يكون الحمد لله وحده. فالقصد من جملة الحمد: إنشاء الثناء عليه تعالى
بمضمونها الذي يتلخص في أن الله مستحق لجميع المحامد.
(رَبِّ الْعَالَمِينَ): (الرب): المالك،
والسيد المربي، ولا يطلق على غير الله إلا مقيدًا؛ نحو: رب الدار. والعالمين: جمع
عالَم، والعالَم: الخلق من ذوي العلم، وهم الإنس والملائكة والجن. وقيل: إن العالم
اسم لكل مخلوق من العقلاء وغيرهم. وجمع في الآية بالياء والنون، وهما علامة جمع المذكر
العاقل؛ لأنه أريد منه: ذوو العلم خاصة.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): وجه إعادة هذين
الوصفين -وقد سبق تفسيرهما-: أن وصفه تعالى برب العالمين؛ أي: مالكهم، أو سيدهم،
يثير في النفوس شيئًا من الرهبة، فَقُرِن بوصف الرحمة؛ ليجعل بجانب الرهبة منه
رغبة إليه، وفي ذلك استدعاء إلى الإقبال على طاعته، مع رجاء فضله وإحسانه.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): (المالك): وصف
من المِلك -بكسر الميم-. والدين: الجزاء؛ أي: إنه تعالى يتصرف في أمور يوم الدين
تصرف المالك فيما يملك، قال تعالى: (يَوْمَ لَا
تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (الانفطار:19)،
وقُرئ: (مَلِكِ يوم الدين) من المُلْك -بضم الميم-، ومعناه: المدبر لأمور
يوم الدين، كما قال تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ) (غافر:16).
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ): (العبادة):
الطاعة البالغة للنهاية في الخضوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة ما تحقق فيها أمران:
الإخلاص، وموافقتها للوضع الذي رسمه الشارع. وقُدّم المعبود على العبادة، فقال: (إِيَّاكَ
نَعْبُدُ)؛ لإفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص. والمعنى: نخصك
بالعبادة، ولا نتجه بها إلى غيرك. وقال: (نَعْبُدُ) بنون الجماعة، ولم يقل: أعبد؛
ليدل على أنه يعبده في جماعة المؤمنين، ويشعر بأن المؤمنين المخلصين يكونون في
اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم في الحديث عن شؤونهم الظاهرة وغير الظاهرة
مقام جميعهم.
(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): (الاستعانة):
طلب المعونة، ومعنى الجملة: نخصك بطلب الإعانة، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى غيرك.
ولم يُذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل الطلب كل ما يتجه إليه الإنسان من
الأعمال الصالحة.
وجاء
طلب الاستعانة بعد قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ ليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة
العبادات، بل إن عون الله هو الذي ييسر لهم أداءها.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): (الهداية):
الإرشاد، والدلالة بلطف على ما يوصل إلى البُغْيَة، وتُسند الهداية إلى الله،
والنبي، والقرآن، وقد يراد منه: الإيصال إلى ما فيه خير، وهي بهذا المعنى لا تضاف
إلا إلى الله -جل شأنه-. والصراط في أصل اللغة: الطريق السهل المستوي، ومعناه في
الآية: ما يدعو إليه الأنبياء -عليهم السلام- من العقائد والشرائع والآداب، ومن
هُدي إليها، فقد ظفر بأسباب السعادة في الدنيا والآخرة.
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): (الإنعام):
إيصال الخير إلى الأحياء العقلاء، والمراد في الآية: الإنعام الديني، فالمنعَم
عليهم: من عرفوا الحق فتمسكوا به، والخير فعملوا به. وقوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ)
بدل من (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، ولم يقل: "اهدنا صراط الذين أنعمت
عليهم" مستغنيًا عن ذكر الصراط المستقيم؛ ليدل على أن صراط هؤلاء المنعَم
عليهم هو الصراط المستقيم. وقال (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ولم يقل: صراط الأنبياء
أو الصالحين؛ ليدل على أن الدين نعمة عظيمة. ويكفي في الدلالة على عظمتها إسنادها
إليه تعالى في قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ).
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): بدل
من (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ). والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في
النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أُسند إلى الله، فسّروه بمعنى: إرادة
الانتقام، أو بمعنى: الانتقام نفسه. والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له
تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها، وإنما نعرف أثرها، وهو الانتقام من العصاة،
وإنزال العقوبة بهم. وأتى في وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله تعالى، فقال: (أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ)، وفي وصف الغضب باسم المفعول، فقال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)،
وفي ذلك تعليم لأدب جميل، هو أن الإنسان يجمل به أن يُسند أفعال الإحسان إلى الله،
ويتحامى أن يُسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإحسان والعقاب
صادرًا منه. ومن شواهد هذا قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي
الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن:10).
(وَلَا الضَّالِّينَ): (الضالين): جمع
ضالّ، وهو من لا يهتدي طريقًا يصل منه إلى المطلوب، فيمشي في غير طريقه، ويتخبط في
غواية.
وحرف
(لا) في قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) جاء لتأكيد معنى النفي المستفاد من كلمة: غير.
والمعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
وورد
في حديث مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير المغضوب عليهم باليهود،
والضالين بالنصارى.
ومن
لم يروا الحديث بالغًا في الصحة الدرجة التي توجب الوقوف عنده، فسّروا المغضوب
عليهم بمن فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، وقالوا في تفسير الضالين: هم
الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالات، لا يهتدون إلى الحق. ومن هؤلاء من ذهب
في تفسيره إلى أن المغضوب عليهم كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة، وهم الفساق، وأن
الضالين كل من أخطأ في اعتقاد، وهم فاسدو العقيدة.
وقدَّم
المغضوب عليهم على الضالين؛ لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم،
فكان جديرًا بأن يوضع في مقابلته قبل: الضالين.
المصدر:
مجلة لواء الإسلام - السنة الأولى - العدد الأول
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً