معبد الإلحاد يهتز (5)

دراسة تحليلية لقصة أصحاب الفيل.. بين الحقيقة التاريخية والشبهات المعاصرة

الحمد لله عزَّ وجل الذي أيَّد رسله بالبينات، وجعل التاريخ شاهدًا على أن الحق لا يندحر مهما تكاثرت جيوش الباطل، والحمد لله عزَّ وجل الذي قصَّ علينا في كتابه العزيز قصص الأمم الغابرة، ليكون في كل قصة منها نورٌ للعقل، وقوة للقلب، وبرهان للحق على الباطل.

ومن أعجب هذه القصص وأقواها في الدلالة، حادثة أصحاب الفيل، التي لم تكن حكاية أسطورية تُروى للتسلية، وإنما فصل مفصلي من فصول إعداد الأرض لبعثة سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم، هذه القصة التي حكاها الله عزَّ وجل في بضع آيات، كانت في حقيقتها معركة بين إرادة السماء ومكر الأرض، بين خط إلهي ممتد من إبراهيم الخليل إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومشروع أبرهة الذي أراد أن يُبدِّد نور الكعبة قبل أن يسطع من جديد.

يثير الملحدون شبهات حول هذه الواقعة، مدعين أنها أسطورة لا تتسق مع العلم أو التاريخ، يزعمون أن الله عزَّ وجل دافع عن كعبة مليئة بالأصنام، وأن الفيلة لا يمكنها العيش في بيئة اليمن، وأن غياب التدخل الإلهي في انتهاكات لاحقة للكعبة يناقض فكرة المعجزة.

نص الشبهة

«في قصة أصحاب الفيل التي وردت في القرآن يطرح النص الديني فكرة مثيرة للجدل؛ كيف يعلل تدخل الله الواقي للكعبة المكان الذي كان يضم 360 صنماً وثنياً آنذاك ضد جيش أبرهة المسيحي الذي يُصوَّر في الرواية كعدو غاز، تثير هذه القصة تساؤلات عن سياقها الزمني خاصة وأنها حدثت قبل ميلاد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وقبل ظهور الإسلام كدين يوحد العبادة في مكة؟!

لكن السؤال الأعمق يكمن في مدى اتساق القصة مع الواقع الطبيعي، فالفيلة بحسب دراسات علم الأحياء لا تتحمل العيش في مناخ جاف كاليمن ولا سيما في مناطق مرتفعة مثل صنعاء، أكثر من 2000 متر فوق سطح البحر حيث تندر الرطوبة والغابات الاستوائية التي تعتمد عليها هذه الكائنات في البقاء، كما أن رحلة قطع آلاف الكيلو مترات دون إمدادات تكفي لجيش تعتبر ضربًا من الخيال العلمي؛ ما يدفع إلى التشكيك في القصة كرواية تاريخية محضة!

السؤال: أين كانت تلك القوى الإلهية حين انتهكت حرمة الكعبة بعد ذلك؟ كيف نفسر غياب أي تدخل إلهي في لحظات تاريخية أخرى حين تعرضت الكعبة لانتهاكات مادية ودموية صادمة عندما حاصر مسلم بن عقبة مكة عام 64هـ ودكها بالمنجنيق حتى أزهقت أرواح الأبرياء، حين هدم عبدالملك بن مروان أجزاء من الكعبة لتحويل مزار الحج إلى قبة الصخرة في القدس عامي 73 و74هـ؟ أو عندما اجتاح أبو طاهر القرمطي مكة عام 317هـ فاقتلع باب الكعبة ودنس حرمتها وسلب الحجر الأسود وقتل آلاف الحجاج ورمى جثثهم في بئر زمزم معلنا بغطرسة:

أنا بالله وبالله أنا..

يخلق الخلق وأفنيهم أنا..

ثم حول مراسم الحج إلى منطقة نفوذه في البحرين لعقدين؟ في كل هذه المحطات لم تظهر الطيرالأبابيل ولا حجارة من سجيل، بل ساد الصمت المطبق وكأن العناية الإلهية تختار تدخلاتها بمعيار غامض!» ا.هـ

الرد على الشبهة

- دفاع عن الكعبة أم عن الرسالة؟

القول بأن الله عزَّ وجل دافع عن الكعبة الوثنية فيه قلبٌ للحقيقة، فالله عزَّ وجل لم يدافع عن الأصنام، بل عن البيت العتيق الذي شاء أن يكون مركزًا للنبوة الخاتمة، ومهبطًا للوحي، ومنارةً للتوحيد إلى قيام الساعة.

لقد بُنيت الكعبة المشرفة على التوحيد على يد إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل، ثم دنّسها المشركون لاحقًا بالأوثان، لكن الحكمة الإلهية اقتضت حفظ هذا الموضع ليكون نقطة انطلاق الرسالة المحمدية، ويأتي الربط المعجز بين سورتين من سور القرآن الكريم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (الفيل: 1) يتبعها مباشرة: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) (قريش: 1)؛ أي أن إهلاك الجيش الغازي كان تمهيدًا لاستقرار قريش، ومن ثمّ تمكين بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بسنوات.

وبالتأمل، فلو نجح أبرهة الأشرم في احتلال مكة المكرمة، لتحوّلت إلى مستعمرة حبشية صليبية نصرانية؛ ما يهدد سلسلة التوحيد والنبوة؛ لذا كان التدخّل الإلهي لحماية الرسالة قبل انطلاقها.

- إمكانية وجود الفيلة في اليمن:

زعم الملحد أن «الفيلة لا تعيش في مناخ اليمن الجاف» يُخالف الحقائق البيئية والعسكرية، الفيل الآسيوي يعيش في بيئات شبه قاحلة، وكان يُستخدم في الحروب منذ القرن الرابع قبل الميلاد، واليمن قبل انهيار سد مأرب كان أرضاً خضراء خصبة، كما تُثبت النقوش الحميرية والسبئية.

الواقع أن أبرهة والٍ حبشي على اليمن، وكان يمكنه استيراد فيلة من الحبشة أو الهند عبر البحر الأحمر، فالمسافة من صنعاء إلى مكة ليست آلاف الكيلومترات، بل نحو 1000 كم، تُقطع في أسابيع ضمن قافلة عسكرية مدرّبة، ومن الناحية العلمية الفيلة شاركت في معارك شهيرة كمعركة «غوغميلا» بين الإسكندر الأكبر، وداريوش الثالث، وكانت تستخدم لفتح الطرق وبثّ الذعر، لا بالضرورة لخوض القتال المباشر.

- الطير الأبابيل: تفسير علمي:

القرآن الكريم لا يصف الطير بأنها نسور أو مخلوقات أسطورية، بل يقول الله عزَّ وجل: (تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ) (الفيل: 4)، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا الحدث: هل ألقت الطيور حجارة طينية حارقة؟ هل نقلت أمراضًا قاتلة كالجدري أو الجمرة الخبيثة أو الطاعون؟ القرآن الكريم استخدم تعبيرًا مماثلًا في قوم لوط: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ) (هود: 82)، والراجح أن جيش أبرهة تعرّض لهلاك بيولوجي أو ميداني مفاجئ، ربما عبر مرضٍ فتّاك أو مادة حارقة، وهو ما يتوافق مع تعبير القرآن الكريم: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) (الفيل: 5)؛ أي ممزقين كأوراقٍ بالية.

والتفسيرات العلمية المحتملة:

1- التفسير الميكروبيولوجي: بعض العلماء والباحثين المعاصرين طرحوا فرضية أن الحجارة من سجيل قد تكون حاملة لجراثيم أو فيروسات قاتلة، كفيروس الجدري أو الحصبة؛ ما يفسر الوصف القرآني الكريم (كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)؛ أي أجساد متآكلة، في علم الوبائيات، إسقاط مواد ملوثة على جيش مزدحم بلا حماية صحية يمكن أن يفتك به خلال أيام.

2- التفسير الفيزيائي الباليستي: إذا كانت الحجارة صغيرة وصلبة وملقاة من ارتفاع كبير، فإن طاقة الاصطدام تكفي لإحداث جروح قاتلة، خاصة إذا تكررت الإصابة، وهذا يتفق مع مبدأ التدمير بالمقذوفات في علم الفيزياء الحربية.

3- التفسير البيئي المناخي: الطيور المهاجرة أو المحلية قد تتحرك جماعيًا عند اضطراب بيئي أو تحفيز إلهي، وقد رُصدت سلوكيات مشابهة علميًا حيث تهاجم أسراب الطيور أهدافًا محددة إذا شعرت بالتهديد، لكن هنا التوجيه كان معجزًا لا عشوائيًا.

- لماذا لم تتكرر المعجزة؟

لماذا لم تنزل الطير الأبابيل عندما قُصفت مكة عام 64هـ؟ أو حين سُرق الحجر الأسود؟ أو عند استباحة الحرم؟

والجواب من عدة زوايا:

1- المعجزة لا تتكرر بشكل تلقائي، بل تحدث في الأحداث التاريخية الحاسمة لحماية الرسالة قبل اكتمالها.

2- بعد نزول القرآن الكريم، أصبح الناس في ميدان الابتلاء والاختيار، فلا يُنتظر تدخلٌ سماوي عند كل نازلة.

3- الكعبة نفسها ليست أغلى من سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم، الذي شُج وجهه الشريف في «أُحد»، وطُرد من مكة، وقُتل أصحابه، دون تدخل من الله عزَّ وجل بإنقاذٍ مباشر.

4- قال الله عزَّ وجل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ) (فاطر: 45)، فالتدبير الإلهي لا يخضع لانفعالات البشر، بل لمنظومة شاملة من السنن والحكمة.

5- حادثة الفيل كانت جزءًا من التمهيد الكوني لمبعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في عامٍ أصبح علامة تاريخية فاصلة (عام الفيل)، فكان الهدف أن تبقى الكعبة رمزًا محفوظًا حتى يأتي الوحي ويبدأ العهد الجديد للدعوة، ولم يكن المقصود جعل الحماية الإلهية على هذا النحو آليةً دائمة تتكرر في كل حادثة.

- الشهادة التاريخية:

المصادر التاريخية اليمنية والحبشية، وبعض النقوش الحميرية المكتشفة، تشير إلى وجود حملات عسكرية بقيادة أبرهة نحو شمال الجزيرة، كما أن المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس القيسراني ذكر حاكمًا حبشيًا على اليمن في القرن السادس الميلادي، وهو ما يتطابق مع زمن الحادثة؛ ما يجعل وجود جيش أبرهة حقيقة تاريخية لا اختراعًا قرآنيًا كما يزعم الملحدون.

- منطق القوة العسكرية:

التشكيك في قدرة أبرهة على جلب الفيلة يتجاهل أن الجيوش العظمى في ذلك العصر (كجيوش الهند وفارس) كانت تنقل الفيلة عبر آلاف الكيلومترات في ظروف أصعب بكثير، مستفيدة من خبرة طويلة في الإمداد العسكري، فكيف يعقل أن الحبشة، وهي أرض الفيلة أصلًا، تعجز عن ذلك؟

- البعد الإستراتيجي:

حادثة الفيل ليست مجرد حماية مبنى، بل منع تحوّل مكة إلى قاعدة استعمارية صليبية تابعة للحبشة ومن ورائها الإمبراطورية البيزنطية؛ ما كان سيغير مسار التاريخ الديني تمامًا، وهذا يفسر لماذا كان التدخل الإلهي في ذلك التوقيت ضرورة تاريخية، بخلاف الأحداث اللاحقة التي لم تهدد أصل الرسالة.

- انسجام النص القرآني الكريم مع السنن الكونية:

القرآن الكريم لم يذكر شيئًا يناقض العلم أو الطبيعة، الطير الأبابيل يمكن فهمها في ضوء السنن الكونية: قد تكون طيورًا حقيقية تحمل أحجارًا أو مسببات مرضية، أو رمزًا لوسيلة هلاك طبيعية اختارها الله عزَّ وجل، وهذا التعدد في الاحتمالات يجعل الواقعة متسقة مع العقل، بخلاف الأساطير التي تصف مخلوقات خيالية خارقة.

- المعجزة في التوقيت لا في التكرار:

الاعتراض على عدم تكرار المعجزة بعد الإسلام يشبه الاعتراض على عدم انشقاق البحر بعد موسى عليه السلام، المعجزات ليست خدمات طوارئ مفتوحة، بل رسائل إلهية تقع عند مواقف التاريخ الكبرى لتثبيت خط الوحي، ثم يسير الناس بعد ذلك في دار الابتلاء.

- البرهان الباقي:

لو كانت الحادثة أسطورة، لأمكن لأهل مكة المعاصرين لها تكذيب سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم وقت نزول سورة «الفيل»، إذ كانوا أحياء وشهودًا للأحداث، ولكن التاريخ لم يسجل تكذيبًا واحدًا منهم لهذه القصة، رغم عدائهم الشديد لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الصمت التاريخي يُعد إقرارًا ضمنيًا بوقوعها.

فإذا اعتبر الملحد القصة أسطورة، فليشرح كيف وُثِّقت في مصادر متباعدة ثقافيًا وزمنيًا؟! لأن التواطؤ الجماعي عبر ثلاث حضارات أمر مستحيل عمليًا، والمنهج العلمي نفسه يقبل الظواهر غير المألوفة طالما وُجدت لها شواهد موثوقة.

ولذلك، رفض المعجزة مبدئيًا ليس علمًا بل أيديولوجياً، لأنه يقوم على إنكار مسبق لا على اختبار الدليل.

إنَّ قصة أصحاب الفيل تحمل رسالة مزدوجة؛ أن الطغيان مهما بلغ، قد يسقط بأضعف جنود الله عزَّ وجل؛ وأن الله عزَّ وجل، حين يشاء، يُربِك كل موازين القوة البشرية في لحظة، وهذا المعنى يبعث الطمأنينة في قلب المؤمن، ويمنح حتى الملحد فرصة للتأمل؛ أليس من المنطقي أن هناك قوة عليا تضبط هذا الكون بمعايير تتجاوز ما ندركه؟

يمكننا القول:

- الكعبة حُفظت من أجل الرسالة، لا من أجل قدسية الحجارة.

- حادثة الفيل والطير الأبابيل واقعة إعجازية لخدمة الدين الذي ارتضاه الله عزَّ وجل للجن والإنس.

- المعجزة لا تقاس بالتكرار بل بتوقيتها وغرضها.

- التدخل الإلهي ليس تأمينًا تلقائيًا، وإنما جزء من تدبير كليّ يتجاوز اللحظة والمشهد.

- الحكمة الإلهية أوسع من الأفق البشري المحدود.

قصة أصحاب الفيل علامة على أن الله عزَّ وجل يُهيّئ الأرض لرسالاته، ويقصي من يعيقونها في اللحظات المفصلية من التاريخ، ومن لا يرى في بقاء الإسلام رغم الطعنات والهجمات معجزة مستمرة، فلن يقتنع ولو نزلت عليه الأبابيل من جديد.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة