سؤال محيّر في بيوتنا: لماذا ينحرف الشباب فجأة؟!

إسلام محمود

08 أكتوبر 2026

46

انحراف الشباب فجأة

يقول أحد التابعين: «الأدب من الآباء والصلاح من الله»، وهذه يمكن اعتمادها كقاعدة ذهبية في التربية، فعلى الآباء القيام بعملية التربية، أما الصلاح فهو من الله لا يمكن أحد أن يجبر الإنسان على إتيان الصلاح قهراً.

نعم هناك معايير تربوية تثمر في النهاية لصناعة جيل صالح، لكنَّ هناك خيوطاً وواقعاً أكثر تعقيداً، من صبر ومثابرة، وصعود وهبوط، وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، وبين المأمول والواقع تكمن عبقرية المربّي في صناعة الأجيال.

المفكر الفرنسي جان جاك روسو كتب 6 كتب عن التربية، وأنجب 6 أولاد، معترفاً في النهاية أنه لم يجد نظرية لتربيتهم، اعترافه ليس عجزاً أو تعجيزاً، بقدر ما هو تسليط الضوء بعمق على أخطر عملية أسرية في الوجود؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم: 6).

ويبقى السؤال الذي يصيب الأسرة بالصدمة: ماذا حدث لأبنائنا فجأة في مرحلة الشباب، وقد ربيناهم صغاراً على الفضيلة؟ هل التربية ضربة حظ، أم أننا أخطأنا خطأ فاحشاً لا يغفر، ولسان حالهم يقول: إننا لم نخطئ؟ هل هو عقاب إلهي لنا أم اختبار لصبرنا، أم كل ذلك معاً؟

«المجتمع» تواصلت مع خبيرين تربويَّيْن لمعرفة الخيوط الرفيعة التي تؤدي في النهاية لمثل هذه الظاهرة الصادمة للأسر داخل مجتمعاتنا.

سبب انحراف الشباب المفاجئ

يقول د. محروس سليمان، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بالجامعة الإسلامية، في حديثه لـ«المجتمع»: كثيراً ما تستيقظ الأسرة على سلوك صادم من أحد أبنائها؛ تدخين أو تعاطٍ، رفقة سيئة، عنف، سرقة، علاقات غير آمنة، هروب من المنزل، أو تراجع حاد في الدراسة، ويكون السؤال: كيف حدث ذلك فجأة، ونحن لم نلاحظ شيئاً؟!

الحقيقة النفسية والتربوية أن انحراف الشباب نادراً ما يحدث فجأة؛ فالسلوك الذي يظهر في لحظة قد تكون جذوره قد نمت خلال سنوات، وما تراه الأسرة انفجاراً مفاجئاً قد يكون نهاية سلسلة طويلة من الاحتياجات غير المشبعة، والأخطاء التربوية، والضغوط النفسية، والفراغ القيمي، والتأثيرات الاجتماعية والرقمية.

القسوة وصناعة الطاعة المؤقتة

قد يظن بعض الآباء أن كثرة الأوامر وشدة العقوبة تضمنان حسن تربية الأبناء، لكن القسوة قد تنجح فقط في ضبط سلوك الطفل أمام والديه، فالطفل يخشى العقوبة، لكنه لا يفهم بالضرورة لماذا يُعد السلوك خطأ، ولا يتعلم كيف يضبط نفسه في غياب الرقابة.

ويضيف د. سليمان، في حديثه: حين يصل إلى المراهقة، ويزداد احتياجه إلى الاستقلال وإثبات الذات، قد يتحول الخوف القديم إلى تمرد، وهنا تظهر المفارقة؛ أن الأب كان يريد ابناً منضبطاً، لكنه ربّاه على الرقابة الخارجية بدل الضمير الداخلي، ولذلك قد يبدو الابن مهذباً في البيت، بينما يعيش حياة أخرى خارجه.

كثرة الأوامر وإلغاء شخصية الابن

البيت الذي تسوده لغة: «افعل.. لا تفعل.. اسكت.. لا تناقش.. أنا أعرف مصلحتك..»، قد ينتج أحد نمطين؛ شاباً ضعيف الشخصية يسهل التأثير فيه، أو شاباً متمرداً يرفض كل سلطة ولو كانت محقة.

ونبه د. سليمان إلى أن المراهق يحتاج إلى حدود، لكنه يحتاج أيضاً إلى مساحة للاختيار، والتجربة، وتحمل نتائج قراراته، وإذا حُرم من ممارسة الاستقلال بصورة آمنة داخل أسرته، فقد يبحث عنه خارجها بصورة خطرة، وعادة لا يتوقف المراهق عن الكلام، ولكنه يتوقف عن الكلام مع والديه عندما يشعر أن كل اعتراف سيتحول إلى محاكمة، وكل خطأ سيقابل بالتوبيخ.

الجوع العاطفي والبحث عن القيمة

يحصل بعض الأبناء على كل احتياجاتهم المادية، لكنهم يعانون فقراً عاطفياً شديداً، قد يوفر الأب المال، وتوفر الأم الرعاية اليومية، لكن الابن لا يسمع كلمة تقدير، ولا يشعر أن أحداً يهتم بما يدور داخله.

ومع تكرار النقد والمقارنة، مثل: «لماذا لست مثل أخيك؟»، «أنت لا تنجح في شيء»، «لقد خيبت أملنا»، تتشكل لدى المراهق صورة سلبية عن نفسه، وعندها قد يتعلق بأي شخص أو جماعة تمنحه شعوراً بالقيمة، حتى لو كان الثمن تبنّي سلوكيات منحرفة.

هل كل خطأ للشباب يُعد انحرافاً؟

وحذّر د. سليمان أنه من الضروري ألا نطلق وصف «منحرف» على شاب ارتكب خطأ أو مر بتجربة عابرة؛ لأن الوصم قد يدفعه إلى التماهي مع الصورة السلبية؛ «إذا كنتم ترونني فاسداً، فسأتصرف كذلك»!

ونبه إلى أن هناك فرقاً بين زلة محدودة يعترف بها الشاب ويتراجع عنها، ونمط سلوكي متكرر يتسم بالكذب، والعنف، وكسر القواعد، وتدهور الدراسة، وتبدل الأصدقاء، والعزلة، والغموض المالي أو الانفعالات الحادة، وهذه التحولات تستحق الانتباه المبكر، لا الانتظار حتى تقع الكارثة.

الروشتة الوقائية للأسرة

الحقيقة أن الوقاية تبدأ منذ الطفولة، ولا تقوم على الرقابة وحدها، بل على بناء علاقة قوية تجعل الابن قادراً على العودة إلى أسرته عند الخطأ، وكذلك على المناعة لا المنع، مثل:

  • الجمع بين الحنان والحزم.
  • الانتقال من العقوبة الانتقامية إلى العواقب التربوية.
  • تخصيص وقت منتظم للحوار.
  • الاعتراف بإنجازاته، ومساعدته على اكتشاف موهبته، وربطه ببيئة صالحة.
  • يسبق كل ذلك تقديم القدوة؛ فلا يمكن إقناع الشاب بالصدق وهو يرى والديه يكذبان، أو مطالبته بضبط الغضب وهو يعيش وسط الصراخ.

انحراف الشباب مقدمات لم تقرأ في وقتها

بينما أكدت د. إسراء أبو عمشة، الباحثة في القضايا الأسرية والطفولة المبكرة، في حديثها لـ«المجتمع»، أن انحراف الشاب نادراً ما يحدث فجأة، وإنما يبدو مفاجئاً للأسرة لأن مقدماته لم تُقرأ في وقتها.

وأوضحت أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يغلب عليها القسوة، وكثرة الأوامر، وشدة العقوبة، قد يتعلم الطاعة الظاهرية، لكنه لا يتعلم بالضرورة الضبط الذاتي أو اتخاذ القرار، ومع الوقت قد تتحول مشاعر الخوف أو القهر أو عدم التقدير إلى تمرد، أو بحث عن القبول خارج الأسرة.

وحذّرت أن أخطر ما يفاقم المشكلة غياب الحوار الحقيقي، فحين يشعر الابن أن حديثه سيقابل بالتوبيخ أو السخرية أو المحاكمة، يتوقف عن مشاركة والديه، وتصبح جماعة الرفاق أو العالم الرقمي المصدر الأقرب للتأثير والتوجيه.

وتابعت، في حديثها: مع الأسف هنا قد تتسع المسافة بين الأسرة والابن دون أن تدرك الأسرة حجمها، كما أن التناقض بين الوالدين في القواعد يقلل من شعورهم بالانتماء للأسرة ويزيد قابليتهم للتأثر بمن يمنحهم الاهتمام والقبول.

وترى أبو عمشة أن هناك روشتة ضرورية للأبوين، تتمثل في:

  • حزم بلا عنف، وحدود واضحة بلا إذلال.
  • عقوبة تربوية مناسبة بلا انتقام.
  • حوار يومي يقوم على الاستماع قبل إصدار الأحكام.
  • معرفة أصدقاء الأبناء وبيئتهم الرقمية دون تجسس أو اختراق للخصوصية.
  • منح الأبناء مسؤوليات حقيقية، وتعليمهم التفكير النقدي، والقدرة على قول: «لا».

واختتمت حديثها بالقول: إن أهم ما يحتاجه الشاب أن يشعر أن أسرته مساحة يعود إليها عند الخطأ، لا مكاناً يخشى العودة إليه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة