محمود سامي البارودي.. إحياء التراث وتجديد الشعر العربي الحديث (2 - 2)

صورة مرسومة للبارودي

ديوان البارودي ومختاراته الشعرية والنثرية 

للبارودي ديوان ضخم قام بترتيبه ومراجعته وتنقيحه بنفسه قبل موته، وقد عنيت به أسرته بعد ذلك واهتموا بطباعته ونشره، وقام بشرح غريبه وضبطه الأستاذان علي الجارم ومحمد شفيق معروف بتكليف من وزارة المعارف، وقد صدر من هذه الطبعة جزءان أولهما سنة 1940 وثانيهما في سنة 1942م، كما ترك البارودي مختارات من الشعر في أربعة أجزاء كبيرة اختارها من عيون الشعر العباسي لثلاثين شاعرا من كبار الشعراء، من أمثال: بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد والعباس بن الأحنف وابن المعتز وأبي العتاهية وصالح بن عبد القدوس والبحتري وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء وغيرهم، وقام بشرحها والتعليق عليها، وهذه المختارات تدل على حسن ذوقه وبصره بالشعر الجيد وسعة اطلاعه، وله أيضا مختارات في النثر سماها قيد الأوابد جمع فيها عيون الرسائل والخطب والتوقيعات ورسائل نثرية طريفة، ويغلب على نثره السجع والتكلف والغرام بالاستعارات والمحسنات البديعية.

من محاكاة القدماء إلى التعبير عن الذات والعصر

ويمكن تقسيم شعر البارودي إلى قسمين؛ في القسم الأول يقلد الشاعر السابقين ويدور في فلكهم حينا؛ فيبكي الديار ويقف على الأطلال ويرتد إلى ماض وبيئة لم يعش فيهما، ويغلب على شعره في هذا القسم الصنعة وكثرة المحسنات البديعية ومعارضاته لكبار الشعراء، وهذا أمر طبيعي جدا ولا نراه غريبا ولا معيبا؛ فقد ظهر الشاعر في فترة ضعف كان الشعر فيها عبارة عن ألغاز وأحاجي وصنعة وتكلف كما هو معروف، فكان عليه أن "يرُوض القول" حسب تعبيره حتى استطاع تطويع اللغة لأغراضه الشعرية، ويكفي البارودي – كما يقول الدكتور يوسف خليف - أنه قد استطاع أن يخلِّص القصيدة العربية من عيبين كبيرين؛ هما: الدَّوَرَان في فلك الأغراض الضيقة والمبتذلة وشعر المناسبات كما كان حال معظم شعراء عصره، والثاني: هو تخلصه من أثقال المحسنات البديعية وقيودها الغليظة التي كانت الشغل الشاغل للشعراء، ولذلك نرى أن اتهام بعض الباحثين لشعر البارودي بالتقليد والضعف وانعدام القيمة بسبب استلهامه لشعر الأقدمين فيه ظلم كبير للشاعر، خاصة أننا إذا دققنا النظر في هذه المعارضات الشعرية لوجدناها تعبر عن شخصية الشاعر تعبيرا صادقا وتثبت قدرته على مجاراة هؤلاء الفحول، لا بل وتجاوزهم في كثير من الأحيان.

وفي القسم الثاني: يعبر الشاعر عن عصره وشخصيته ويتجاوز نموذج المعارضة الشعرية والمحاكاة للقديم؛ وهو ما يؤكد على أن تأثره بالتراث لم يكن غاية في ذاته، ولكنه كان مجرد وسيلة ومرحلة كان على الشاعر أن يخوضها ليخُطّ طريقا جديدة يسلكها الشعراء من بعده؛ وقد استطاع بالفعل أن يجدد في شكل القصيدة العربية ويرد إليها حياتها من جديد، ويبث الروح في هذا التراث ليكون خَلْقا آخر على حسب تعبير يوسف خليف، ولم تحُلْ تراثية البارودي بينه وبين التعبير عن شخصيته والإعلان عنها، كما لم تضع بينه وبين عالمه المعاصر حجابا يباعد بينه وبين تصوير مشاعره؛ فشعر البارودي كما قال عنه الدكتور محمد حسين هيكل هو حياته. (انظر: يوسف خليف: شعر البارودي بين التراث والمعاصرة، ص 46).

والبارودي يعبر عن ذلك بقوله:

فانظر لقولي تجد نفسي مصورة ** في صفحتيه، فقولي خط تمثالي

والبيت من قصيدة جميلة مطلعها:

ردوا عليَّ الصِّبا من عصري الخالي ** وهل يعود سواد الِّلمة البالي

ماض من العيش ما لاحت مخايله ** في صفحة الفكر إلا هاج بلبالي

سلت قلوب فقرت في مضاجعها ** بعد الحنين وقلبي ليس بالسالي

لم يدر من بات مسرورا بلذته ** أني بدار الأسى من هجره صالي

المعارضات الشعرية.. المفهوم والوظيفة الفنية

المعارضة الشعرية فن أدبي يقوم على محاكاة شاعر لشاعر آخر، مظهرا إعجابه بنظمه وموضوعه الشعري، وغالبا ما تكون من نفس الوزن والقافية وبعيدة عن الهجاء والسباب، ولا بأس أن يبدي الشاعر المعارِض التفاخر بنفسه وبأصالته، دون الوقوع في شعر من يقوم بمعارضته أو الانتقاص منه، فالمُعَارِض – كما يرى الأستاذ أحمد الشايب - يقف من صاحبه موقف المقلد المُعجَب، أو المعترف ببراعته على كل حال، ومناطُ المعارضة هو الجانب الفني وحسن الأداء وليس هذا التسابّ القبيح، ولا يلزم أن يكون المتعارضان متعاصرين بخلاف المناقضة في ذلك، وإن اتفقا في وحدة البحر والقافية ثم الموضوع غالبا، وفي أنهما فَنَّا المنافسةِ والمبارزة بوجه عام. (انظر: أحمد الشايب: تاريخ النقائض في الشعر العربي، ص 7، مكتبة النهضة المصرية، ط 2، 1954م).

بين البارودي والمتنبي  

والمتأمل في معارضات البارودي الشعرية تستبين له رغبةُ الشاعر في إحياء التراث إنقاذا للشعر من هذه الهوة التي سقط فيها، ولذلك نراه يعارض الشعراء الفحول وعلى رأسهم: المتنبي وأبو تمام والبحتري وأبو نواس وأبو العلاء المعري وعنترة بن شداد وغيرهم، يقول البارودي في صباه معارضا المتنبي:

هو ما قلتُ فاحذرنْها صباحا ** غارة تملأ الفضاء رماحا

تترك الماء لا يسوغ لظام ** وتردُّ الدم الحـــــــــــــرام مباحا

ويقول المتنبي:

إلى أي حين أنت في زي مُحرم ** وحتى متى في شقوة وإلى كم؟

وإلا تَمُتْ تحت السيوف مكرما ** تمت وتقاس الذل غير مكرم

فثب واثقا بالله وثبة ماجد ** يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم

فالبارودي في هذا النموذج وغيره يضع المتنبي نصب عينيه، ويرى في شعره الثوري مثلا له، حيث تشابهت حياة الشاعرين في كثير من المواقف؛ فكلاهما فارس وجندي مقاتل لا يتخلى عن سلاحه ولا تلين له قناة، وكلاهما طموح للمجد محب للعروبة والبادية والشيم العربية الأصيلة، ومن ثم لا يشعر القارئ بغرابة أو استهجان لهذا النوع من المعارضة. ومن جميل معارضاته للمتنبي أيضا قوله:

يا هاجري من غير ذنب في الهوى ** مهلا، فهجرُك والمَنون سواء

أغريتَ لحظَك بالفؤاد فشفَّه ** ومن العيون على النفوس بلاء

هي نظرة فامنن عليَّ بأختها ** فالخمر من ألم الخُمار شفاء

لا أنت ترحمني، ولا نار الهوى ** تخبو، ولا للنفس عنك عزاء

ألم الصّبابة لذّة تحيا بها ** نفسي، ودائي لو علمت دواء

حكمَ الجمالُ لها بما تختاره ** فتحكّمتْ في الناس كيف تشاء

جودي عليّ ولو بوعد كاذب ** فالوعد فيه تعلّة ورجاء

وثقي بكتمان الحديث فإنّما ** شفتاي خَتم والفؤاد وعاء

لا ترهبي قول الوشاة فإنّهم ** قد أحسنوا في القول حين أساءوا

زعموك شمسا لا تلوح بظلمة ** ولقولهم عندي يد بيضاء

فعلام تخشين الزيارة بعدما ** أمن ازديارَك في الدّجى الرّقباء

وهو يعارض في هذه الأبيات قصيدة المتنبي الشهيرة التي يقول في مطلعها:

أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ ** إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ

قَلَقُ المَليحَةِ وَهيَ مِسكٌ هَتكُها ** وَمَسيرُها في اللَيلِ وَهيَ ذُكاءُ

أَسَفي عَلى أَسَفي الَّذي دَلَّهتِني ** عَن عِلمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفاءُ

وَشَكِيَّتي فَقدُ السَقامِ لِأَنَّهُ ** قَد كانَ لَمّا كانَ لي أَعضاءُ

ويقول في مدح الخديوي إسماعيل:

ذو هيبة تكفيه سَوْقَ جنوده ** وبديهةٍ تغني عن التجريب

وهو مأخوذ من قول المتنبي في مدح سيف الدولة:

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ** لك المهابة ما لا تصنع البُهَم

معارضة البردة وإحياء فن المديح النبوي

وللبارودي قصيدة طويلة رائعة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسماها: كشف الغمة بمدح سيد الأمة تبلغ نحو أربعمائة بيت، وقد تناول فيها حياة النبي الكريم وسيرته العطرة نظما وقد بناها على سيرة ابن هشام، وهي معارضة لبردة الإمام البوصيري التي ألهمت كثيرا من شعراء المدائح النبوية، وفيها يقول:

يا رائد البرق يمم دارة العلم ** واحْدُ الغمام إلى حي بذي سلم

وإن مررت على الروحاء فامرِ لها ** أخلافَ ساريةٍ هتانة الديم

من الغزار اللواتي في حوالبها ** ريُّ النواهل من زرع ومن نعم

إذا استهلت بأرض نمنمت يدُها ** بُرْدا من النَّوْر يكسو عاري الأكم

محمد خاتم الرسل الذي خضعت ** له البرية من عرب ومن عجم

سميرُ وحيٍ ومَجْنَى حكمةٍ وندَى ** سماحةٍ وقِرى عافٍ وريُّ ظم

يا غافر الذنب، والألباب حائرة ** في الحشر، والنار ترمي الجو بالضرم

حاشا لفضلك وهو المستعاذ به ** أن لا تمن على ذي خَلَّة عدم

إني لمستشفع بالمصطفى وكفى ** به شفيعا لدى الأهوال والقُحُم

فاقبل رجائي فما لي من ألوذ به ** سواك في كل ما أخشاه من فقم

إن حياة البارودي وشعره وتجربته السياسية والفكرية جديرة بكل تأكيد أن نسلط الضوء عليها؛ فهي مهمة في ذاتها لقيمة الشاعر وتميزه، ومهمة لتأثيرها الكبير وغير المحدود في مسيرة الشعر العربي الحديث الذي يؤرخ له ولبداياته بميلاد الشاعر الكبير محمود سامي البارودي رحمه الله.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة