في صدام جديد مع الإسلام..
رئيسة وزراء إيطاليا اليمينية ميلوني تقرر حظر البرقع في المدارس
جورجيا ميلوني
التي تشغل منصب رئيسة وزراء إيطاليا منذ عام 2022م، هي زعيمة حزب «إخوة إيطاليا» الذي
تعود جذوره الأيديولوجية إلى حركات اليمين الفاشية التي ظهرت في إيطاليا بعد الحرب
العالمية الثانية، ويمتد مسارها السياسي من «الحركة الاجتماعية الإيطالية»، وهو حزب
أسسه أنصار الفاشي الدموي موسوليني عقب الحرب العالمية الثانية، يتمحور انتماء
ميلوني السياسي المعاصر حول القومية الإيطالية، ويركز على الرقابة الصارمة على
الهجرة؛ متذرعة بـ«الهوية الإيطالية»، ومقاومة التعددية الثقافية، وإعادة ترسيخ
القيم الإيطالية لتقليدية.
في سبتمبر 2026م،
أعلنت ميلوني عن حزمة جديدة من السياسات المدرسية تتضمن حظر ارتداء البرقع والنقاب
في المدارس الإيطالية، ووضع حد أقصى لعدد الطلاب الأجانب في الفصل الدراسي الواحد،
مبررة هذه الإجراءات بأنها ضرورية للاندماج.
بين اليمين الإيطالي والإسلام
يتذرع اليمين
الإيطالي في سياساته ودعاواه بمحاصرة الإسلام في إيطاليا بمخاوف تتعلق بالهجرة،
والهوية الوطنية، والتغير الثقافي، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، دأبت أحزاب يمينية
-مثل «رابطة الشمال» (التي تُعرف الآن باسم «الرابطة» و«التحالف الوطني»، ولاحقاً «إخوة
إيطاليا»- على تصوير الإسلام باعتباره غير متوافق ثقافياً مع التقاليد الإيطالية.
وتشمل أبرز
مظاهر هذا التوجه ما يلي:
- معارضة بناء
المساجد، وغالباً ما يتم تبرير ذلك بحجة حماية التراث الثقافي الإيطالي.
- مقاومة الرموز
الإسلامية، ولا سيما الحجاب والنقاب، حيث يرى قادة اليمين أنها تتعارض مع المعايير
الغربية المتعلقة بالجندر.
- ربط الإسلام
بمخاوف أمنية، لا سيما خلال موجات الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط.
وقد دأب أسلاف ميلوني في العمل السياسي على استخدام الإسلام كعنصر محوري في النقاشات المتعلقة
بالسيادة الوطنية والهجرة، وتواصل سياساتها الحالية هذا النهج، إذ تضع الإسلام في
إطار التحدي الثقافي الذي يتطلب تدخلاً من الدولة.
الحضور الإسلامي في المدارس في إيطاليا
يتميز نظام
التعليم في إيطاليا بطابعه المركزي، حيث يخضع لمناهج ولوائح وطنية موحدة، وتستحوذ
المدارس الحكومية على النسبة الأكبر من أعداد الطلاب، وهناك مدارس دينية خاصة
-معظمها كاثوليكية.
الطلاب الأجانب
يشكل الطلاب
الأجانب 11.6% من إجمالي التلاميذ في المدارس الإيطالية، وفقاً لبيانات مؤسسة «ISMU»، وينحدر
هؤلاء الطلاب من خلفيات متنوعة من أوروبا الشرقية، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا،
والشرق الأوسط، وفي بعض المناطق الحضرية، تتجاوز نسبة الطلاب الأجانب 30% في
الفصول الدراسية.
ورغم هذا
المتوسط الوطني المحدود، فإن النسب ترتفع بشكل ملحوظ في بعض المناطق الحضرية ذات
الكثافة المهاجرة، حيث تتجاوز نسبة الطلاب الأجانب داخل بعض الفصول 30%؛ ما يعكس
التفاوت الكبير بين الواقع المحلي والمتوسط العام على مستوى البلاد.
الطلاب المسلمون
إيطاليا لا تنشر
إحصاءات رسمية حول الانتماء الديني في المدارس، لكن الأنماط الديموغرافية تشير إلى
أن الطلاب المسلمين يشكلون جزءاً كبيراً من التلاميذ الأجانب، ويأتي الكثير منهم
من المغرب وألبانيا ومصر وباكستان وبنغلاديش؛ وهي دول ذات أغلبية مسلمة.
وفي حين ترتدي
معظم الفتيات المسلمات في إيطاليا الحجاب، فإن أقلية صغيرة فقط ترتدي النقاب أو
البرقع؛ ما يجعل الحظر الذي اقترحته ميلوني لا مبرر حقيقي له.
تصريحات ميلوني المناهضة للمسلمين
تصوّر تصريحات
ميلوني الأخيرة -بشكل صريح- أغطية الوجه الكاملة الإسلامية على أنها تتعارض مع
القيم الإيطالية، ففي خطاب ألقته في سبتمبر 2026 أمام الجناح الشبابي لحزب «إخوة
إيطاليا»، صرحت بما يلي:
- يجب الذهاب
إلى المدرسة بوجوه مكشوفة.
- جادلت بأنه لا
ينبغي لأحد -باسم تقاليد حقيقية أو مزعومة- أن تجبر شابة على إخفاء وجهها.
- أصرت على أن
القادمين إلى إيطاليا يجب أن يتعلموا لغتنا، ويفهموا ثقافتنا، ويحترموا قواعدنا.
وتصور تصريحات
ميلوني تغطية الوجه كرمز لعدم المساواة بين الجنسين وغياب الاندماج الثقافي، كما
يوحي خطاب ميلوني بأن التجمعات الكبيرة للطلاب الأجانب -ومن بينهم المسلمون- تقوض
الهوية الإيطالية، إذ زعمت أنه من غير المقبول أن يصبح الأطفال الإيطاليون أقلية
داخل الفصول الدراسية.
ورؤية ميلوني
تتماشى مع السرديات اليمينية المتطرفة التي تصور الإسلام كتهديد للقيم الغربية، لا
سيما فيما يتعلق بأدوار الجنسين والتماسك الاجتماعي.
قرارات ميلوني ضد المسلمين
طرحت حكومة
ميلوني عدة تدابير تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على المجتمعات المسلمة، من بينها:
1- حظر البرقع والنقاب في المدارس:
أعلنت ميلوني عن
مشروع قانون مرتقب لحظر ارتداء البرقع والنقاب في جميع المدارس الإيطالية، من شأن
هذا الإجراء إضفاء طابع رسمي على قيود تُطبَّق بالفعل بشكل غير رسمي في بعض
المؤسسات، ومواءمة سياسة إيطاليا مع دول مثل فرنسا وبلجيكا، ولا يشمل الحظر غطاء
الرأس (الحجاب).
2- تحديد سقف لعدد الطلاب الأجانب في الفصل الدراسي:
تخطط الحكومة
لتحديد حد أقصى قانوني لعدد الطلاب الأجانب المسموح بوجودهم في كل فصل دراسي، ورغم
أن هذا الإجراء ليس دينياً في ظاهره، فإنه يؤثر بشكل غير متناسب على الطلاب
المسلمين، الذين يشكلون نسبة كبيرة من المهاجرين في إيطاليا، وتجادل ميلوني بأن
وجود أعداد كبيرة ممن لا يتحدثون الإيطالية يعيق عملية الاندماج.
3- دروس إلزامية في اللغة الإيطالية لأولياء الأمور:
سيتعين على
أولياء أمور الطلاب الأجانب الذين يواجهون صعوبات جدية في الاندماج تعلم اللغة
الإيطالية، وتستهدف هذه السياسة عائلات المهاجرين وتربط بين سلوك الوالدين وحصول
أبنائهم على التعليم.
4- دعم التدابير التشريعية ضد النقاب:
جاء إعلان
ميلوني عقب أشهر من المبادرات ذات الصلة:
- اقترح وزير
التعليم، جوزيبي فالدیتارا، تعديلاً يحظر ارتداء أغطية الوجه الكاملة في المدارس.
- وافقت لجنة
الثقافة على قرار مناهض للنقاب، بدعم من عضو البرلمان الأوروبي المنتمي لليمين
المتطرف، روبرتو فاناكسي.
- قدم حزب الرابطة
مشروع قانون لتعديل قانون السلامة العامة الإيطالي الصادر عام 1975م، بهدف تجريم
إجبار أي شخص على إخفاء وجهه.
وتشير هذه
التدابير مجتمعة إلى جهد حكومي منسق لتقييد الممارسات والملابس الإسلامية.
5- ربط الفشل في الاندماج بتصاريح الإقامة:
تشير بعض
المقترحات إلى أن الآباء الذين يخرجون بناتهم من المدارس لتجنب حظر النقاب قد
يواجهون خطر إلغاء تصاريح إقامتهم، وهو ما يعيد للأذهان سياسات سابقة تتعلق
بالتغيب عن المدرسة، ويخلق هذا ضغطاً قانونياً على العائلات المسلمة للامتثال
لمعايير الدولة.
وتعكس سياسات
ميلوني مشروعاً أيديولوجياً أوسع نطاقاً، يتمثل في إعادة تعريف الهوية الإيطالية
من خلال التجانس الثقافي والرقابة الصارمة على الهجرة، ولا تُعد مقترحاتها بشأن
قواعد اللباس المدرسي وتحديد أعداد الطلاب الأجانب مجرد قرارات إدارية منعزلة، بل
هي جزء من نمط تاريخي طويل يضع فيه اليمين الإيطالي الإسلام في خانة التحدي
الثقافي والسياسي.
ورغم تقديم هذه
السياسات باعتبارها تدابير لتعزيز الاندماج، فإنها تؤثر بشكل غير متناسب على
المجتمعات المسلمة وتعزز السرديات التي تصور الممارسات الإسلامية على أنها غير
متوافقة مع القيم الإيطالية، ومع اقتراب الدورة الانتخابية المقبلة في إيطاليا،
يبدو أن مبادرات ميلوني مصممة لترسيخ دعم اليمين المتطرف والتفوق على المنافسين
الذين يدعون إلى فرض قيود أكثر صرامة على الهجرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً