سلسلة الطريق إلى الإبداع
مشروب ساخن على طاولة المبدعين (1) ... إبداع من رحم الوجع
لحظة قاسية قد توقف سير إنسان، وتشل حركته، وتأخذه من
يده إلى أوسع أنفاق السأم والهروب من الحياة، واللحظة نفسها قد تكون فاتحة خيره،
وسائقته إلى النجاح، ومفجِّرة نهره، وهدايته إلى الإبداع والإلهام. ولدينا في حقول
الإبداع العربي والغربي نماذج كثيرة تخلَّقت فيها الصناعة الإبداعية، وحضر الإلهام
على جناح الريح من وحي الأوجاع، والهم الحاضر، وقسوة الآلام؛ فأشعار عنترة كانت
ابنة تجربته القاسية المسكونة بالمنع والمستحيل، وأشعار قيس ولَّدها الحرمان، وأمجاد
المتنبي صيغت في فضاءات الطموح والحلم الكبير، وأبو العلاء المعري المحبوس خلف
ظلمته، نطق الحِكم وأبلغ الأقوال.
رجل وُلد مرتين
يتصدر الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) حجة الإسلام
وبقية عطر الأولين، قائمة أولئك الذين تفتحت أبواب إبداعهم تحت طرقات الهموم وحصار
السأم والفراغ؛ فبعدما وصل مقامًا علميًّا عاليًا وصار محطًّا للأنظار، فقد الشغف
والحماس، وتسرَّب إليه هم ثقيل كاد يخنق روحه ويلقيه في عدمية النسيان، فقد شعر
فجأة أن جهده بلا معنى ولا قيمة، وأن كل منجزات الإنسان وغاياته تافهة وإلى زوال.
حاصرته الكآبة والشعور بالفشل والرغبة في الانزواء، وهرب
من دنياه سنوات طويلة باحثًا عن روحه في فضاءات الصحاري والوديان والمجهول، بعيدًا
عن سطوة الشهرة وزحام الناس والأهواء، وكانت تلك الرحلة مفتاح عودته العظيمة إلى
دنيا الدين والناس والإبداع، فكتب موسوعته "إحياء علوم الدين" من وحي
تجربته العملاقة.
المبدعة المتسولة
"جوان رولينج" امرأة خاملة مطوية الذكر،
بلا سند أو عائل، طلَّقها زوجها البرتغالي بعد عام واحد من الزواج، فخرجت من
البرتغال حاملة رضيعتها عائدة إلى اسكتنلدا، لتبدأ حياة بائسة في إدنبرة، بحثت عن
سبيل رزق، وفتشت عن منافذ إعانات الحكومة البريطانية كي تستطيع العيش هي وابنتها، حتى
صارت تتسول سبل عيشها.
عملت في مهنة بائسة بالكاد حفظت لها بعض حياتها،
وكانت تهرب من ساعات كدرها بالكتابة، وعندما يشتد البرد، ولا تجد تدفئة في بيتها
الضيق المتهالك، تأخذ طفلتها وتدخل إحدى المقاهي لتوفر لنفسها الدفء في أثناء
الكتابة، ولأن الورق لم يكن متاحًا فكانت تكتب على أرواق القمامة، وأحيانًا على
المناديل الورقية، لكنها كتبت.
وفي لحظة من الزمان أنهت الجزء الأول من "هاري
بوتر"، وظنت أن مسيرة الأوجاع قد انتهت، لكنها كلما قدمتها لدار نشر رفضتها،
حتى بلغ عدد رافضوها 12 دارًا، حتى إنها قالت عن نفسها "كنت أفكر أنني أسوأ
فاشلة أعرفها لكن الشيء الوحيد الذي بقي لي هو أن أكتب"، ثم شاء القدر أن
تقرأ ابنة مدير إحدى الدور فصلًا من "هاري بوتر"، فتصيح: "رائعة يا
أبي"، ويبدأ النجاح.
الجاحظ.. بائع السَّمك يطمح في الخلافة
هكذا خلقه الله فسلم للأقدار، طفل دميم، توفي أبوه
صغيرًا وترصده الفقر وقلة الحيلة وهوان الحال؛ حيث كان حفيدًا لأحد الجمَّالين،
فلا ذكر ولا عائلة كبيرة، واضطر في أول سني عمره أن يعمل بائعًا للخبز والأسماك
عند ضفاف نهر سيحان في البصرة.
لم يكن راضيًا عن حاله ووجد أن نجدته ستكون مع
الكتاب، جمع بين عمله الشاق وبين التردد على العلماء وأهل الكِتاب، وأحب القراءة
حتى صار من أكابر زوار المكتبات فكان يؤجِّر دكاكين بائعي الكتب والنُسَّاخ فيبيت
فيها ليالي حتى ينهي ما فيها من كتب.
طالت
به الرحلة مع الكِتاب وتوسعت روافدها، حتى إنه من شدة انشغالاته بما يقرأ نسي اسمه
ذات مرة ثلاثة أيام، وفي طريق القراءة الذي اتخذه مهربًا من الأوجاع ومنفذًا
للطموح والنجاح، لم ينتبه إلى أن إبداعًا يتخلق تحت سطوة الأزمة والقسوة، فعندما
عاد للناس عاد أحد أبهى الأقلام العربية وأقواها وأغزرها إنتاجًا، ولا يزال ما
كتبه محط الأنظار حتى الآن، ونال في عصره مراتب لم يكن يحلم بها في أبعد الأحلام؛
حتى إنه سُئل ذات يوم: كيف حالك؟ فقال مفاخرًا: يتكلم الوزير برأيي، وصلات الخليفة
متواترة إلي، وآكل من الطير أسمنها، وألبس من الثياب ألينها، وأنا صابر حتى يأتي الله
بالفرج. فقالوا له: بل الفرج ما أنت فيه. قال في ثقة: بل أحب أن ألي الخلافة!!
ابن الجوزي.. اليتيم الذي تألق
مات أبوه وعمره ثلاث سنوات، ثم تزوَّجت أمه وتركته
وحيدًا، فأخذته عمته تربيه، سكنه الألم من صغره وتربى مقطوعًا عن بيوتات العائلات،
لقد أهداه القدر عمته، التي أهدته للعلم والعلماء. لقد بحث منذ صغره عن تعويض
يُخرجه من تراكم مآسيه، فلم يجد أفضل من مسجد "محمد بن ناصر الحافظ"
وساحات التلقي العلمي لدى الشيخ ابن الزغواني، ثم حكايات الأدب والحياة، فتعلم
وداوم وثابر حتى بدأ يأخذ مكان أستاذه، ورويدًا رويدًا صار واعظًا متقنًا، ثم تحرَّك
نجمه في الآفاق، وصار من أكابر دعاة المسلمين وأدبائهم المعدودين في فنون القول
والببيان، حتى وصفه الذهبي بأنه "كان رأسًا في التذكير بلا مدافعة، يقول النظم
الرائق والنثر الفائق بديهًا، ويسهب ويعجب ويطرب ويطنب، لم يأت قبله ولا بعده مثله،
فهو حامل لواء الوعظ والقيم بفنونه، مع الشكل الحسن والصوت الطيب، والوقع في النفوس،
حسن السيرة".
فيليس ويتلي.. إبداع العبودية
من فضائها الجميل وأرضها الواسعة خطفها تجار العبيد عام 1760م،
وألقوها على سفينة عتيقة كئيبة عبرت بها المحيط الأطلنطي مرتحلة إلى أمريكا في
رحلة موت قاسية نجت منه إلى موت من نوع آخر، ويشاء القدر أن يكون اسمها شاهدًا على
مأساتها طيلة حياتها؛ فالسفينة كان اسمها "فيليس"، فسُميت بها، والتاجر
الذي اشتراها عندما وصلت بوسطن كان اسمه "جون ويتلي" فنُسبت إليه.
عبرت مرار السنين وبلعت أوجاعها في صمت حزين، ثم انفتح أمامها باب
لتعلم الكتابة والقراءة خلسة مع الزوجة الطيبة من وراء النخاس تاجر العبيد، فكان
سعدها وبداية حظها، وفي سن الثالثة عشرة بدأت تكتب الشعر وتتألق فيه.
في البدء رفض المجتمع الأبيض العنصري أن يعترف بقدراتها، وهي الأمة
الرخيصة السوداء، ثم مبالغة في الحقد اتهموها بأنها سارقة للشعر الذي تكتبه
وأوقفوها في محكمة تعدادها 18 رجلًا أبيض، فكلفوها أن تقرأ مقاطع أدبية لميلتون
وفيرجين وغيرهما لتثبت مهارتها؛ ففعلت في ثبات، دون ارتجاف، فأقروا لها، وصارت أول
أفريقية تنشر كتابًا في أمريكا، عام 1873م وعمرها لم يتخط العشرين.
نصيحة عبد الوهاب مطاوع
في كتابه "صديقي لا تأكل
نفسك" يخبرنا الكاتب عبد الوهاب مطاوع أن كُتَّاب التراجم الشهيرة يفتشون فى
حياة المشاهير دائمًا على نقطة التحول التي كانت بداية انطلاقهم إلى المجد،
فيكتشفون في أحيان كثيرة أنها كانت عقبة كئودًا أو فشلًا ذريعًا أو إخفاقًا في
تحقيق هدف، حوَّل مجرى حياتهم إلى الطريق الذي لمعت فيه عبقرياتهم .فبعض النقاد مثلًا يعتقدون أنه لو لم يُصَب
طه حسين بالعمى في صباه؛ لما كان طه حسين الذي تكاد لا تخلو جامعة أجنبية في
العالم الآن من رسالة دكتوراه عنه، وأنه لو توافرت لعباس محمود العقاد الظروف
المادية اللازمة لمواصلة تعليمه في المدارس بعد الابتدائية لكان أقصى ما وصل إليه
من مجد في حياته هو وظيفة مدير في مصلحة حكومية.. والأمثلة كثيرة على العقبات التي
اعترضت طريق المشاهير فحولوها إلى بداية لحياة جديدة ونجاح أكبر.
من كلمات مؤلفة هاري بوتر "جوان رولينج" في
أحد لقاءاتها عام 2008: "الفشل كان يعني أنني تجردتُ من كل
ما ليس ضروريًّا؛ فبقي لي ما هو حقيقي: ابنتي، وقلمي، وحُلمي أن أكتب".
- الألم يصنع الإنسان ويفجر الإبداع