مقاصد الزكاة.. من إصلاح الفرد إلى أمن المجتمع
إذا كانت
الضرائب في الفكر الوضعي قد عُرفت زمنًا طويلًا بمذهب الحياد فلا يُطلب منها إلا
وفرة الحصيلة وغزارة الجباية، ثم اضطر الناس بعد تقلّب الأحوال إلى إقحام أهدافٍ
اجتماعية واقتصادية فيها؛ فإن الزكاة في الإسلام ليست طارئةً على مقاصد الإنسان،
ولا عارضةً على مصالح العمران، بل هي فريضةٌ مقدّسة قبل أن تكون نظامًا ماليًّا، وعبادةٌ
خالصة قبل أن تكون سياسةً اقتصادية؛ تؤدّى ابتغاء مرضاة الله، وامتثالًا لأمره،
كما قال سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ) (البينة: 5)، فهي تبدأ من السماء قبل أن تنزل إلى الأرض، وتُصلح
القلب قبل أن تُصلح السوق، وتبني الإنسان قبل أن تبني المؤسّسة.
ولذلك، فأول
مقاصد الزكاة مقاصد تعبُّدية إيمانية؛ إذ هي شهادةُ صدقٍ على عبودية المال لله لا
للإنسان، وتربيةٌ على الاستخلاف لا الاستئثار، وعلى معنى الحق المعلوم لا المنة
المصنوعة، الزكاة تُعلن في ضمير المسلم أن المال وسيلةٌ لا غاية، وأن الدنيا طريقٌ
لا مستقر، وأن السعادة ليست في جمعٍ لا ينتهي، بل في إنفاقٍ يُزكي ويُرضي، وفي
وقوفٍ عند حدّ الله يُطهّر القلب من الاستغراق في حب الدنيا؛ فهي قَطعٌ للحلقة
المفرغة التي يدور فيها الإنسان بين زيادة المال وزيادة التعلّق به، حتى ينسى
الآخرة ويذبل فيه معنى الرسالة، ومن هنا جاء التعبير القرآني الجامع: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) (التوبة: 103)؛ تطهيرٌ من رجسٍ، وتزكيةٌ بنماءٍ، وإزالةٌ للدَّرن، ثم
زيادةٌ في صفاء الروح وعلوّ الهمة.
ومن هذه العبادة
تتفرّع المقاصد التربوية والأخلاقية على مستوى الفرد؛ فالمقصد التربوي الأظهر هو
تطهير النفس من الشُّح، ذلك الداء الذي قد يُسقط الإنسان في مهاوي الدم والخيانة
والفجور، والذي جعل القرآن الفلاح مقصورًا على من وُقيه: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).
والزكاة ليست
درسًا نظريًّا في كراهية البخل، بل تدريبٌ دوريٌّ متكرر، يُحوّل الإنفاق من
استثناءٍ إلى خُلُقٍ مستقر؛ إذ يعتاد المؤمن إخراج الحق في زرعه كل حصاد، وفي ماله
كل حول، وفي فطره كل عيد، فتستقيم فيه اليد العليا لا باعتبارها كِبرًا على الناس،
بل باعتبارها انقيادًا لله وإحسانًا إلى الخلق، ومع هذا الاعتياد تتربّى عزة النفس
في جانب، وتُقمع نوازع العدوان في جانب آخر؛ فمن سهُل عليه أن يعطي ابتغاء وجه
الله، عسُر عليه أن يأخذ ما ليس له فينهب أو يسرق، إذ يجتمع في قلبه مراقبةُ الله
وحُرمةُ أموال العباد.
ثم إن الزكاة
تُوقظ معنى الشكر؛ فهي شكرٌ عمليٌّ لنعمة المال كما أن الصلاة شكرٌ لنعمة البدن،
وفيها ترقيةٌ للإنسان نحو الكمالات الربانية بقدر الطاقة البشرية؛ لأن من صفات
الله تعالى الجود والإحسان وإفاضة الخير، فإذا تخلّق العبد بشيءٍ من ذلك سما، لا
ليُشبه الربّ تعالى، حاشاه، بل ليأخذ بنصيبه من المعاني التي تُصلح الإنسان
وتُزكيه، ومن هنا أيضًا مقصدٌ تربويٌّ رفيع: تنمية شخصية الغني، فالمعطي لا ينقص
في باطنه؛ بل يزداد اتساعًا وانشراحًا، ويشعر بانتصارٍ على هوى النفس وشيطان الشح،
فيكبر في نفسه قبل أن يكبر في حسابه.
وعلى مستوى
الآخذ، تظهر مقاصد تربوية ونفسية لا تقل شأنًا؛ فالزكاة تحريرٌ للإنسان من ذل
الحاجة، وصيانةٌ لكرامته من أن تُسحق تحت وطأة السؤال، الإسلام يحب للناس حياةً
طيبة، ويكره أن تُعطلهم معركة الخبز عن معرفة الله وعمارة الأرض؛ ولذلك تُعطي
الزكاة الفقيرَ كفايته في مطعمٍ وملبسٍ ومسكنٍ وزواجٍ وتعليمٍ بحسب حاله، حتى يشعر
أنه عضوٌ حيٌّ في المجتمع لا رقمٌ مُهمل، وأن ما يأخذه ليس مِنّةً من أحد، بل حقّه
المعلوم الذي رتّبه الله في مال من استخلفه، فإذا حصل هذا الشعور زالت من قلبه
بذور الحسد والبغضاء التي تُنبتها القسوة والحرمان، واستقام عوضًا عنها معنى
الأخوّة والرضا والتآلف.
ومن هنا تتجلى
المقاصد الاجتماعية الكبرى للزكاة؛ فهي ليست صدقةً فردية تُلقى ثم تُنسى، بل هي
بناءٌ للعلاقات على أساسٍ من الإخاء والتكافل، حتى لا تبقى الشحناء كامنةً تحت سطح
المجتمع، إن المجتمع الذي يشبع فيه قومٌ ويُترك قومٌ يجوعون، يتكوّن فيه حريقٌ
معنوي يأكل القلوب قبل أن يأكل البنيان، أما الزكاة فتُطفئ هذا الحريق قبل
اشتعاله، وتمنع الحالقة التي تحلق الدين حين يفسد ذات البين، بل إن الشريعة جعلت
في مصارفها ما يُصلح النزاعات ويقيم السلم الأهلي، فيُعان الغارم لإصلاح ذات
البين، وتُسدّد الديات والغرامات التي تحول دون الصلح، لتكون وحدة المجتمع مقصدًا
ممولًا لا شعارًا مُهملًا.
وأما المقاصد
الاقتصادية، فهي واضحة لمن تدبّر حكمة التشريع؛ فالزكاة تُحارب الكنز حربًا عملية،
وتدفع المال إلى الدوران والإثمار بدل الانكماش في الخزائن؛ إذ فُرضت نسبةٌ على
الثروة النقدية سواء استُثمرت أو لم تُستثمر، فتكون سوطًا حضاريًا يدفع صاحب المال
إلى تشغيله حتى لا تأكله الأعوام، وفي ذلك تفعيلٌ لسنن العمران: تشغيلٌ للطاقات،
وتحريكٌ للأسواق، وتوسيعٌ لدائرة التملك، وتقليلٌ للفوارق الفاحشة التي تهزّ كيان
المجتمع حين يُرى الثراء الفاحش إلى جوار الفقر المدقع، والغاية ليست معونةً مؤقتة
تُسكّن الألم ثم تعيده؛ بل الأصل أن تُخرج الزكاة الفقير من دائرة الحاجة إلى
دائرة الكفاية، وربما إلى دائرة الإغناء والتمليك بحسب السعة؛ فيُملّك التاجر
متجره، والزارع أدواته، والمحترف آلته، فيتحول المحتاج من طالبٍ إلى منتج، ومن
مُعانٍ إلى مُعين.
ثم هناك مقصدٌ
مهمٌّ لأمن المجتمع واستقراره: فالزكاة نظام ضمانٍ اجتماعي شامل، يُغيث المنكوبين
بالكوارث، ويجبر انكسار من احترق بيته أو جاحت ماله جائحة، ويؤوي ابن السبيل،
ويعالج التشرد، ويواجه أزمات البطالة والتسول علاجًا تربويًا وعمليًا معًا؛ يكره
السؤال، ويُعلي قيمة العمل، ثم يفتح باب التمكين بأدوات العمل ورأس المال
والتدريب، فلا تُترك الكرامة الإنسانية رهينة الصدقات الموسمية ولا عُرضة الابتزاز
الاجتماعي، بهذا يتحقق الأمن من الخوف مع الكفاية من الجوع، وهما نعمتان قرنتهما
سورة قريش بعبادة الله: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم
مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: 4)؛ لأن العبادة الخاشعة تحتاج قلبًا مطمئنًا، والمجتمع
الآمن يحتاج عدالةً نافذةً وتكافلًا مؤسسيًّا لا عاطفةً مؤقتة.
ويبقى مقصدٌ جامعٌ يليق بخاتمة الحديث: أن الزكاة، وإن بدت نظامًا ماليًّا، فهي في حقيقتها عقدُ اتصالٍ بين العقيدة والحياة؛ تجمع الروحي والمادي، الفردي والاجتماعي، الأخلاقي والاقتصادي، وتربط بين صلاح القلب وصلاح السوق، وبين عبودية الله وصيانة الإنسان، فإذا أُقيمت كما أراد الله، صارت طهارةً للمال، ونماءً للروح، ورحمةً للضعيف، وحصنًا للمجتمع، وسببًا في استقامة العمران، وإذا عُطلت أو فُصلت عن منظومة الإسلام وأخلاقه، صارت آثارها منقوصة؛ لأن الشريعة بنيةٌ مترابطة لا تُؤخذ منها لبنة وتُترك أخرى(1).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً