خالد فهمي.. من المعجم واللغة إلى تأسيس الوعي وصناعة الهوية
أ.د. خالد فهمي
إبراهيم مثالٌ نادر لعالمٍ تشكّل وعيُه اللغوي في نقطة التقاءٍ دقيقة بين التراث
واللسانيات، وبين التحقيق والفكر، وبين المعجم بوصفه صناعةً علمية والمعجم بوصفه
ذاكرةَ أمة؛ فمنذ بداياته الأولى لم يتعامل مع اللغة باعتبارها مادةَ درسٍ فحسب،
بل باعتبارها كائنًا حضاريًّا حيًّا، تتقاطع فيه المعرفة والهوية، والمنهج
والرؤية.
وُلِد أ.د. خالد
فهمي في محافظة القليوبية بمصر سنة 1390هـ/1970م، ونشأ في بيئةٍ مصريةٍ أصيلة تشرب
فيها مبكرًا حب العربية والاعتزاز بتراثها، والتحق بكلية الآداب بجامعة عين شمس،
فتخرّج فيها سنة 1991م، ثم واصل دراساته العليا في
الجامعة نفسها، فنال درجة الماجستير سنة 1995م عن دراسته الموسومة بـ«الجهود
اللغوية للثعالبي»، جامعًا فيها بين التحليل اللغوي والتحقيق العلمي، قبل أن يتوّج
مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراة سنة 1999م من جامعة المنوفية بمرتبة
الشرف الأولى، عن أطروحته الرصينة «تراث المعاجم الفقهية في العربية في ضوء صناعة
المعجم الحديث»، وهي أطروحة كشفت مبكرًا عن وعيٍ منهجيٍّ ناضج، وعن مشروع علميٍّ
جاء مؤسَّسًا على رؤية بعيدة المدى.
ويكشف هذا
المسارُ العلمي المتدرّج عن عقلٍ بُني على الاختيار الواعي لا المصادفة، وعلى
التراكم المنهجي لا القفز العجول؛ عقلٍ أدرك منذ وقت مبكر أن فقه اللغة والمعجم
ليسا فرعًا هامشيًّا، بل مدخل لفهم الثقافة وبنية التفكير، ومن هنا تبلورت ملامحُ
مشروعه العلمي باكرًا: قراءة التراث لا بوصفه ماضيًا مغلقًا، بل مادة قابلة لإعادة
التشغيل المعرفي، واستثمارها في بناء معجمٍ حيٍّ يتفاعل مع أسئلة العصر، ويضرب
بسهم وافرٍ في بناء الهوية، وصناعة الانتماء.
ولم يكن تتلمذُه
على أيدي أعلام كبار من طبقة رمضان عبد التواب وسعد مصلوح وغيرهما مجرد انتسابٍ
مدرسي، بل كان تشربًا لمنهجٍ يرى في اللغة علمًا دقيقًا، وفي التحقيق مسؤوليةً
أخلاقية، وفي المعجم أفقًا حضاريًّا.
المعجم والتحقيق.. من صناعة المادة إلى التشغيل الحضاري
وإذا كان كثير
من الباحثين يقفون عند حدّ التخصص الضيق، فإن خالد فهمي اختار طريقًا أشقّ: توسيع
التخصص دون تفريغه، فامتد مشروعه من المعجمية واللسانيات إلى المصطلحية، ومن تحقيق
النصوص إلى نقد مناهج التحقيق، ومن اللغة إلى قضايا الإعاقة، والهوية، والتنمية،
والوعي المعرفي، والانتماء العربي والإسلامي، وهنا تتبدّى فرادة تجربته؛ إذ لم تكن
كتبُه –التي جاوزت 60 مؤلفًا– تكرارًا لموضوعٍ واحد، أو في حقل دراسي وعلمي واحد،
بل حلقاتٍ متصلة في مشروعٍ كبير، يتقدم فيه السؤال اللغوي ليصير سؤالًا حضاريًّا،
ويتحوّل فيه المعجم من أداة وصف إلى أداة تفكير ونهضة!
أما في ميدان
التحقيق، فقد كان له موقفٌ صارم، لا يُجامل ولا يُهادن؛ فكتب في نقد التحقيق بقدر
ما كتب في إنجازه، وميّز بين التحقيق بوصفه نسخًا فنيًّا، والتحقيق بوصفه وعيًا
بالنص وسياقه ووظيفته، ومن هنا جاءت كتبه في «أنشودة المتن والهامش»، و«دعم خصوصية
النوع»، و«التحقيق والتشغيل الحضاري»، بوصفها بياناتٍ علميةً لا تقل أهمية عن
النصوص التي حققها، فلقد أعاد تعريف المحقق: لا ناسخًا متقنًا فحسب، بل مثقفًا
مسؤولًا عن إدخال النص في دورة الحياة المعرفية المعاصرة.
ولم يقف أثرُه
عند صفحات الكتب، بل امتد إلى قاعات الدرس، ولجان الدراسات العليا، ومجامع العلم،
ومؤسسات الدولة الثقافية؛ فحضوره في مجمع اللغة العربية، وفي دار الكتب المصرية،
وفي معهد المخطوطات العربية، وفي المجالس العلمية والتحكيمية، يكشف عن ثقةٍ مؤسسية
بعالمٍ جمع بين الصرامة العلمية وسعة الأفق، وهو في تدريسه لم يكن ناقل مقررات، بل
صانع أجيال؛ يدرّس اللغة بوصفها منهج تفكير، ويعلّم طلابه أن الاشتغال بالعربية لا
ينفصل عن قضايا العصر ولا عن هموم الإنسان وقضايا الأمة.
العالم المربي.. أثر يتجاوز المتن إلى صناعة الأجيال
وعلى المستوى
الإنساني -وهو ما لا تقوله السير الرسمية- فإن خالد فهمي إبراهيم يجسّد صورة
العالم الذي لم تُبعده المناصب، ولم تُجرّده الكثرة من التواضع؛ صديقٌ وفيّ،
وزميلٌ أمين، وإنسانٌ حاضر في أفراح الناس وأتراحهم، يكتب كما يعيش: بصدق،
وبانحيازٍ أخلاقي للمعنى. وهنا تتكامل الصورة: عالمٌ كثيف الإنتاج، صلب المنهج،
واسع الاهتمام، لم يفصل يومًا بين العلم والقيم، ولا بين المعرفة والوفاء.
إن الكتابة عن
خالد فهمي ليست تأريخًا لشخص، بل توثيقٌ لمرحلةٍ من الوعي اللغوي العربي المعاصر،
مرحلةٍ حاولت أن تستعيد اللغة من الهامش، وأن تعيد للمعجم دوره، وللتحقيق هيبته،
وللعلم وظيفته الحضارية؛ ولذلك فإن أثره لا يُقاس بعدد الكتب وحده، بل بعمق السؤال
الذي زرعه، وبالطريق الذي فتحه، وبالأجيال التي علّمها كيف تفكر في اللغة، وكيف
تجعل منها مصدرًا لبناء الوعي وصناعة الهوية.
اقرأ
أيضاً:
- أحمد
الهواري.. راهب في محراب العلم وحارس ذاكرة النهضة
- عبدالصبور
شاهين.. العالِم الذي جعل اللغة حصناً والمنبر جامعة
- في
حضرة النحو حين يتجسد علماً وبياناً.. أ.د. أحمد عبدالعظيم عبدالغني
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً