فتاوى العلماء حول الطائفة الدرزية

د. فاطمة حافظ

24 أغسطس 2025

857

نهض علماء الإسلام عبر العصور بواجبهم في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وصيانتها من البدع ومن التحريف، وحذروا من الفرق والطوائف التي خالفت التوحيد، ومنها الطائفة الدرزية التي صنف نفر من العلماء وأفتى بحكم عقيدتهم، وهل أهلها مسلمون، وحكم التعامل معهم.

وبعض هذه الفتاوى قديم ومنها فتوى ابن تيمية، وفتوى الرملي، وبعضها حديث نسبياً مثل فتوى المرادي، وابن عابدين، ورشيد رضا.. وغيرهم كثير، ولضيق المقام سوف نعرض لفتاوى المحدثين، ونبدأ بفتوى المرادي الحنفي، مفتي دمشق في القرن الثاني عشر الهجري التي أصدرها في رسالة بعنوان «أقوال الأئمة العالنة في أحكام الدروز والتيامنة».

من هم الدروز؟ وما عقيدتهم؟ 

وترجع أهمية الرسالة إلى كونها تضمنت فتاوى أعلام العلماء المتقدمين من مختلف المذاهب، وإلى أنها تطرقت إلى معظم التساؤلات حول العقيدة الدرزية وأجابت عنها إجابات وافية، وافتتحت الرسالة بمقدمة حول آراء العلماء في: من هم الدروز؟ وما عقيدتهم؟ ملخصها أنهم المعتقدون أن الإلهية لا تزال تظهر في شخص بعد شخص مثل علي بن أبي طالب وغيره، وظهرت بعد ذلك في الحاكم بأمر الله، وهي الآن تظهر في مشايخهم الذين يسمونهم العقال، وهم ينكرون قيام الساعة وخروج الناس من قبورهم وأمر المعاد ويقولون بتناسخ الأرواح.

وأما حكم هؤلاء، وهل هم كفار أم أهل كتاب مثل اليهود والنصارى؟ وهل يحل أكل ذبائحهم وإقرارهم في قرارهم المجاورة للمسلمين؟ فيجيب المرادي أن أئمة المفتين من كافة المذاهب مجمعين على كفر هذه الطائفة، وأنهم أكفر من اليهود والنصارى، ولا تجوز مناكحتهم، ولا تحل لنا ذبائحهم كما هي الحال مع أهل الكتاب، ولا يجوز إقرارهم في ديار الإسلام بجزية أو غيرها لما في كتبهم من الزعم بألوهية الحاكم بأمر الله والقول بتناسخ الأرواح والقول بالحلول، وتأويل الشرائع الإسلامية على غير وجهها والتنقيص من شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد سئل رشيد رضا سؤالاً مشابهاً يتعلق بإنكار الدروز للبعث ورميهم للمسلمين أنهم يسايرون اليهود والنصارى في ذلك، وهل هم مسلمون بقولهم هذا؟ فأجاب بقوله: لا يضرنا موافقة اليهود والنصارى في بعض عقائدهم، فالأصل موافقة جميع الأديان في العقائد، وأما الدروز فإنهم فرقة من فرق الباطنية، الذين انشقوا من المسلمين وهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، ولكنهم يحرفون القرآن بالتأويل كسائر الباطنية، ويعتقدون بأن العلي، والبار، وأبي زكريا، وعلي، والقائم، والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم؛ إله واحد، والحاكم هذا هو أعظمهم، ويعبرون عنه بمولانا، ويدينون بتوحيده، ومبنى عقيدة الدروز على التناسخ، ولا حاجة للإطالة بها والجدال معهم عبث؛ فإنه لا قانون في دينهم للاستدلال، إذ العمدة فيه على الحروف وحساب الجُمل.

واختتم رشيد رضا فتاواه بتمني دخول شباب الدروز في الدين الإسلامي على يد من أسماهم الشباب المسلم العصري من ذوي البصيرة والنباهة، ولعل هذا هو السبب في أنه لم يتابع العلماء في القول بكفرهم واستخدامه عبارات أقل حدة في ذلك؛ كي لا يكون ذلك سبباً في تنفيرهم من الإسلام، وعلى أي حال فإن دعوته هذه تنم عن أنه لا يعدهم مسلمين وإلا ما كانوا بحاجة للدعوة إلى الإسلام.

ولا ينفرد رشيد رضا بهذا المسلك، فقد سبقه إليه الشيخ محمد عبده حين سئل من طرابلس الغرب عن رجل يريد التخلي عن العقيدة الدرزية واعتناق الإسلام، فهل إذا أقر بالشهادتين مع التبرؤ من جميع ما يخالف العقيدة الإسلامية يعد مسلماً، وما حكم من لم يقبل إسلامه من المسلمين.

وحول هذه الجزئية الأخيرة، يجب الإشارة إلى أن بعض العلماء المتقدمين كابن تيمية لم يقبلوا توبة الدرزي بذريعة أنهم ليسوا بأهل كتاب وليسوا بمشركين، وإنما هم زنادقة ومرتدون لا تقبل توبتهم، وخالفهم محمد عبده ذاهباً إلى أنه ليست سُنة في ذلك إلا سُنة نبينا، وقد كان عليه السلام يقبل الرجعة إلى الإسلام بعد الردة والإخلاص بعد النفاق، وكتب السُّنة شاهدة بذلك، فكيف لا نقنع من الناس ما قنع صلى الله عليه وسلم منهم؟ وكيف نطالبهم بأكثر مما طالبهم به وهو صاحب الشريعة وإليه المرد عند النزاع؟!

وتكشف فتوى حديثة رفعت إلى موقع «إسلام ويب» شيئاً من العقيدة الدرزية؛ إذ تسأل عن معنى «التقمص» الذي يردده الدروز، فأجاب العلماء: التقمص يقصد به انتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري آخر، فهم يعتقدون أن النفس البشرية لا تموت، بل الذي يموت قميصها وهو الجسد، أما النفس فتنتقل إلى جسم آخر، وهذه عقيدة باطلة، فالقرآن والسُّنة على خلافها؛ إذ يخبر الله عز وجل في كتابه أن النفس تتوفى وتقبض كقوله: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) (الزمر: 42)، وقوله (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185)، وهي قاطعة في كون النفس تموت وتقبض، ولا تنتقل إلى جسم آخر، ولكن موتها وقبضها لا يعني أنها تفنى، بل هي باقية، وهي إما منعمة وإما معذبة، حتى ترد إلى جسدها.

وإلى جوار هذه الفتاوى العقدية هناك فتاوى أخرى تتعلق بحكم التعامل مع الدروز، ومنها ذلك السؤال الذي أجاب عنه الشيخ عبدالمجيد سليم، شيخ الديار المصرية، حول حكم رجل درزي عقد على امرأة مسلمة سُنية، هل يصح العقد؟ وهل يحل له الدخول بها؟

واستشهد الشيخ في فتواه بنصوص مطولة من فتوى للشيخ ابن عابدين، مفادها أنهم يُظهرون الإسلام ويعتقدون عقائد الباطنية، ويحلون الزنى والخمر ويجحدون الحشر، وعقب عليها الشيخ سليم بقوله: «إذا كان الرجل المذكور من طائفة الدروز وكانت هذه الطائفة حالها كما ذكرناه عن ابن عابدين كان كافراً، فلا يجوز له نكاح المسلمة، وإذا تزوجها كان الزواج باطلاً لا يترتب عليه ولا على الدخول فيه أثر من آثار النكاح الصحيح، فالوطء فيه زنى لا يثبت به النسب ولا تجب العدة».

حكم ذبائح الدروز، وهل يجوز أكلها؟

ومن أسئلة المعاملات التي رفعت إلى موقع «إسلام ويب» سؤال حول حكم ذبائح الدروز، وهل يجوز أكلها؟ وأجيب عنه بالنفي لأنهم فرقة باطنية وليسوا أصحاب دين سماوي ولا أهل كتاب، فلا يجوز أكل ذبائحهم لأنهم أشبه بالمرتدين الذين لا تصح ذكاتهم، ومن المعلوم أن من شروط صحة الذكاة أن يكون المذكي صاحب دين سماوي (مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً).

وبالجملة، أصدر العلماء فتاوى بينت حقيقة العقيدة الدرزية وحكم التعامل مع معتنقيها، ورغم كثرتها لا نجد خلافاً فيها بين الإصلاحيين وغيرهم أنهم ليسوا بمسلمين، وأن منزلتهم ليست منزلة أهل الكتاب حتى تحل مناكحتهم وذبائحهم.



الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة