الهجرة والحسين.. قراءة في الحب والرجولة
منذ أيام، فتح
الدهر صفحة جديدة من تاريخ أمتنا المشرق بالمجد والحضارة، ومطلع عام هجري جديد
يجدد فينا الثبات والخُلق الكريم.
تعاود المسلمَ
ذكريان؛ ذكرى هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وذكرى
مقتل الحسين عليه السلام، الهجرة التي استمدت وحيها من روح الله تعالى، ونسْجها من
خُلق الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وسيرتها من صدق العرب، واستقرت في مسامع
الأجيال مثلاً مضروباً لقادة الإنسانية، يلهمهم الصبر على مكاره الرأي، والاستمساك
في مزالق الفتنة، والاستبسال في مواقف المحنة، والاستشهاد في سبيل المبدأ، والاعتقاد
الصادق بفوز الفكرة. (وحي الرسالة، الزيات)، وأما مقتل الحسين عليه السلام فظل
وسيظل نهاراً دامياً ما غابت شمسه، ليبقى الحسين عليه السلام وِتراً في الخالدين
لم يُشفع.
القلة
والانضباط
لقد غَبَرت بين
يدي النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو فيها إلى الله عزوجل وما
آمن معه إلا قليل؛ رجل وامرأة وحر وغلام وعبد، أما الرجل فهو عليه الصلاة والسلام،
وأما المرأة فزوجه خديجة العاقلة الواعية، وأما الحر فهو صاحبه الصديق، وأما
الغلام فعلي بن أبي طالب، وأما العبد فبلال، رضي الله عنهم أجمعين.
إن هذه القلة هي
بذرة الخير التي ستنمو في أرض مكة، ويعمُّ نورها ما بين المشرق والمغرب، والقلة
حالة مماثلة لذلك النفر القليل الذي كان مع طالوت عليه السلام حتى شارف بهم النهر،
فلم يشربوا إلا من اقترف غرفةً بيده، القليل الذي يقاوم ما يشتهي ويتحمل ما يكره، وهو
ذات القليل الذي كان مع موسى عليه السلام وآمن على خوف من فرعون وقومه، فكان لهم
الغلبة والخلافة والنجاة.
والقرآن الكريم
يصرف نظر المؤمنين إلى ما كان من سابق عهدهم؛ (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ
مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26)، وكيف تحولت القلة إلى كثرة واعية عاملة، والضعف إلى
قوة فاعلة ونصر مُؤيد، والخوف إلى أمنٍ كريم ورزق رغيد.
وهذه التذكرة هي
قبس الهدى يجده ملتمسه حينما تهجم عليه الحياة وتتناوب عليه الظروف الضاغطة، ويتحول
عنه من كان أقرب الناس إليه، مستذكراً مستلهماً من نبيه عليه الصلاة والسلام؛ «كان
يطلب ولا يجد، ويعرض ثم لا يُقبل منه، ويحاول ثم لا يعتريه اليأس، ويجهد ثم لا
يتخوَّنه الملل، ويستمر ماضياً لا ينحرف، ومعتزماً لا يتحول، أليست هذه هي أسمى
معاني التربية الإنسانية أظهرها الله عز وجل في نبيه فعمل بها وثبت عليها، كعمر
طفل وُلد وأحكم تهذيبه بالحوادث، حتى تسلّمته الرجولة الكاملة بمعانيها من الطفولة
الكاملة بوسائلها» (وحي القلم، الرافعي).
إن الهجرة وما
سبقتها من حوادث وما كان فيها من مهام، لهي مثال حيٌّ من أمثلة الانضباط والالتزام،
فبدون الالتزام لن تبدأ، وبغير الاستمرارية لن تنتهي؛ «ومن أراد أن ينجز أمراً
عليه أن يقيِّد نفسه» (عصارة الأيام، سومرست موم).
إن الهجرة
النبوية على صاحبها أطهر الصلاة والسلام تهتف بأهل العزمات ألا يقفوا، وبأصحاب
الغايات ألا يهنوا، ولا يقعدوا عن المبتغى حتى يمضوا حُقُباً؛ «في البداية
والنهاية من خبر معاوية بن عبدالكريم عن أبيه أنه دخل على الفرزدق فتحرك فإذا في
رجله قيْدٌ، فقلت ما هذا؟ فقال: حلفت ألاَّ أنزعه حتى أحفظ القرآن» (البداية
والنهاية، ابن كثير).
الحنين
لذلك المنزل
خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم من بلده مكة، يعاجله الحنين لها، فيعالجه بقوله: «أما والله
إني أخرج منك وإني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن
أهلك أخرجوني ما خرجت» (الروض الأنف، السهيلي).
وقرن القرآن
الكريم بين الموت وخروج الإنسان من وطنه: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم) (النساء: 66)، ليفيد أن خروج المرء من موطنه وأرضه يساوي قتله، كأن
الذي يخرجه ويهجِّره يزرع الجرح في صدره ويأخذ الصبر.
وما أجمل أحمد
شوقي حين قال: «والوطن موضع الميلاد، ومجمع أوطار الفؤاد، ومضجع الآباء»! (أسواق
الذهب، أحمد شوقي)، وهو الذي يقول:
فيا وطني لقيتك
بعد يأسٍ كأني قد لقيت بك الشبابا
ولا يُنبيك عن
خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا
الصاحب
في سفر الحياة
حينما أذن الله
عز وجل لنبيه عليه السلام بالهجرة، قال أبو بكر رضي الله عنه: «الصحبة الصحبة يا رسول
الله».
إن الحياة قلما
تجود بالأصحاب الأخيار الكرام، الأوفياء، من تجد روحك بينهم، يفرحون لفرحك، ويحزنون
لحزنك، فهم معك في كل حال حتى يسلموك لقبرك سعيداً.
إن ظفرت بهم، أو
بواحد منهم فقد أنعم الدهر عليك بالتداني وغرَّد الطير في لسانك، وما الأخوة
والصداقة إلا الحرص والصدق، وحفظ الود والعهد، وصون الغيبة وجميل الخصال، والعلاقة
التي تتسلل إليها المصالح والماديات والمطامع تنهار، وتزول بزوال سببها وغايتها، وستدرك
لماذا قال الله عزوجل: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67).
لقد ترجم الصديق
رضي الله عنه في الهجرة هذه المعاني حقيقة في مسعاه، واضحة في قسمات وجهه، بادية
في إحساسه؛ قال: يا رسول الله، إني أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصْد فأمشي
بين يديك، والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمّة إلا أن تكون بي دونك. (المستدرك
على الصحيحين).
والذين يدخلون
في حياتك كثير، والذين يخرجون منها أكثر، والود الصادق يبقى وإن تباعدت المسافات
وشطَّ المزار؛ «يا كميْل إن الود يفصح به الزمن، والخلُق تكشفه الفرقة، والكريم من
يرعى حقك في الحالين» (من وصايا علي بن أبي طالب، انظر: نهج البلاغة لابن أبي
الحديد)، «فلا تسأل راحلاً عن سبب رحيله لأنه جهَّز عذره قبل حقائبه» (الرسائل، غسان
كنفاني).
مرَّ
بنا رجلٌ مبارك
هذا الجواب
البهيج من أم معبد، سألها زوجها وقد تركها وليس معها طعام، والشاة مريضة هزيلة: من
أين لك هذا يا أم معبد؟ فقالت: إنه قد مر بنا رجل مبارك. (الروض الأنف، السهيلي)،
فهو المبارك الكريم عليه الصلاة والسلام، حيثما ذكرته انفرجت أساريرك، وأنَّى
توجهت وجدت أثره الكريم في الحياة، فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج
المنير، وإن تكحلت عينك بقراءة سيرته وترديد أخباره نضَّر الله وجهك واستنار محياك
وابتهجت نفسك، وقد امتزجت أنفاسك بأنفاس النبوة الطاهرة.
البركة التي
تخبر عنها أم معبد هي بركة الأثر، وأنت لست مؤيداً بالمعجزات، ولكنك تملك بركة
الكلام الذي يحيي الأمل في نفوس البائسين، ويبث الحياة في قلوب المتعبين، وترشد
الحيران في حيرته، وتمد يد العون لمن قصدك.
إن البركة عطاء،
وبذل الندى وكف الأذى، ومشاركتك بعلمك وخبرتك لمن حولك ومن هم تحت يدك ولمن صحبك
في مشوار الحياة، إن البركة بلا شك إضاءة العتمة، وحسبي أن أصحبك في آخر ما وصفت
به أم معبد رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن صمت علاه الوقار، وإن تكلم سما
وعلاه البهاء»، صلى الله عليه وسلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً