الغربةُ في الوطن.. وجعُ مَن بَقي ولَم يَرحلْ
اعتاد الناس أن
يطلقوا الغربة على مفارقة الأوطان، وأن يسموا غريبًا مَن حمل بعضَ متاعه وكثيرًا
من ذكرياته، وترك وراءه البيتَ الذي أَلِفَهُ، والطرقاتِ التي حَفظت خُطاه،
والوجوهَ التي نشأ بينها، ثم مضى إلى أرض أخرى مهاجرًا أو مهجَّرًا، مختارًا أو
مضطرًا، ولهذه الغربة وجعُها الذي لا يُخطئه القلب؛ فالوطن ليس رقعة من الأرض
فحسب، وإنما هو قطعة من تكوين الإنسان: فيه طفولته، وذاكرته، وأهله، ولهجته،
ومقابر أحبابه، وفي زواياه أشياءُ صغيرةٌ لا يعرف المرءُ مقدارَ تعلقِه بها حتى
يُفارقَها.
ومع أن هذه
غربةٌ بالأجساد، تفصل الإنسانَ فيها المسافاتُ عن أرضه ودياره، فإن القرآن الكريم
كشف عن مبلغ مشقتها على النفس، حتى قرن الخروج من الأوطان بإزهاق الأرواح في سياق
بيان شدة التكليف وثقله، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا
قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66]. وليس اقتران الخروج من الديار بقتل النفس في هذا
السياق أمرًا عاديًّا؛ فهو يكشف عن عمق الصلة التي تنشأ بين الإنسان ووطنه، حتى
يغدو اقتلاعه منه لونًا من اقتلاع جزء من حياته وذاكرته ووجوده؛ ولهذا كانت الهجرة
القسرية والمنفى والتهجير من أشد ما يبتلى به الإنسان؛ إذ لا يترك وراءه مكانًا
فحسب، وإنما يترك عالمًا كاملًا كان جزءًا من تعريفه لنفسه.
غير أن ثمة
غربةً أخرى لا تحتاج إلى سفر، ولا تَعْبرُ حدودًا، ولا يحمل صاحبُها جوازًا أو
حقيبة؛ غربةً يكون فيها الإنسانُ داخلَ وطنه، وبين أهله، وفي مدينته، الأجساد فيها
مقيمة، والبيوت قائمة، والطرقات هي الطرقات، والوجوه هي الوجوه، وربما في البيت
الذي وُلد فيه، ومع ذلك يشعر الإنسان أنه غريب؛ لا لأن المسافة فصلته عن وطنه، بل
لأن مسافةً أخرى نشأت بينه وبين الواقع الذي يعيش فيه.
إنها غربة لا
تقاس بالكيلومترات، وإنما تقاس بالمسافة بين ضمير الإنسان وما يراد منه أن يرضى
به، وبين قيمه وما أصبح الناس يستسيغونه، وبين إيمانه وما يفرضه عليه زمانٌ اضطربت
فيه الموازين، وقد يهاجر الإنسان عن وطنه فيعرف سبب غربته، أما أن يبقى فيه ثم لا
يجد متسعًا لكلمته، ولا أمنًا لموقفه، ولا سعة لقيمه ومبادئه، فذلك لونٌ آخر من
ألوان الغربة؛ لأن غربة المكان تُفسَّر بالمسافة، أما غربة الروح وهي في مكانها
فأشدُّ استعصاءً على التفسير وأعمقُ نفاذًا إلى النفس.
حين يصبح "المعروف" غريبًا
وليست كلُّ غربة
يصنعها سلطان؛ فقد يكون الإنسان آمنًا من بطش السياسة، ثم يجد نفسه في غربة أهدأ
صوتًا وأشد التصاقًا بحياته اليومية: غربة الدين والقيم؛ حيث تتغير المجتمعات
شيئًا فشيئًا، وتتبدل حساسيتها تجاه الأشياء، حتى يصبح مألوفًا بعضُ ما كان
مستنكرًا، وبعض ما كان حرامًا مجرد «اختيار»، بينما يصبح الورعُ تشددًا، والحياء
ضعفًا، والعفة تعقيدًا، والثبات على المبدأ عجزًا عن مسايرة الحياة، وليس أشد على
المؤمن من أن يرى ميزان الأشياء نفسَه يتغير، فلا يعود الخلافُ حول القدرة على فعل
الصواب، بل حول كون الصواب صوابًا أصلًا.
عندئذٍ يبدأ
الإنسان يشعر بأن اللغة التي يفهم بها الحياة لم تعد مفهومة لمن حوله، يقول:
"لا أستطيع أن أفعل هذا لأنه حرام"، فيستغربون أن يكون للحلال والحرام
هذا الحضورُ في قراراته، فيترك مالًا مشبوهًا وهو محتاج إليه، فيسأله بعضهم لماذا
يعقد حياته، ويرفض واسطة تمنحه ما ليس له، أو كذبًا ينجيه، أو علاقة لا تحل له، أو
صفقة يخون فيها أمانته، فيقال له: "الناس كلهم يفعلون ذلك"، وربما كان
أشد ما يؤلمه أن يتحول السؤال من: "أيُرضي اللهَ هذا أم يُسخطه؟" إلى
سؤال ساخر أو مشفق: "وهل ما زال أحد يعيش بهذه الطريقة؟". عندها لا يكون
المؤمن غريبًا لأنه يعيش بعيدًا عن قومه، وإنما لأنه يحمل ميزانًا لم يعد مألوفًا
بينهم.
وهنا تكتسب كلمة
النبي صلى الله عليه وسلم عمقًا إنسانيًّا عجيبًا: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود
كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» (رواه مسلم في صحيحه، 145)؛ فالغربة التي يتحدث
عنها الحديث ليست بالضرورة غربةَ أرضٍ وديار، وإنما قد تكون غربةَ الحق حين يقل
أنصارُه، وغربةَ الاستقامة حين يكثر الخارجون عنها، وغربة الميزان حين تتغيرُ
الموازينُ، وليس في الحديث دعوةٌ إلى البحث عن الغربة أو استحسان مخالفة الناس
لذاتها؛ فليس كلُّ غريبٍ على حق، ولا كلُّ مخالفٍ للجمهور مستقيمًا، وإنما شرف
الغربة في الحق الذي اغترب الإنسان من أجله.
ولعل من أبلغ
الصور النبوية في وصف هذا الشعور حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (رواه
الترمذي (2260)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه)، وما أبلغ صورة الجمر؛ لأن القابض
عليه لا يجهل أنه يحرقه، ولا تنعدم فيه غريزة الإفلات منه، وإنما يبقى قابضًا لأن
هناك شيئًا عنده أغلى من راحة يده، وكذلك قد يعرف المؤمن أن التنازل سيخفف عنه
كثيرًا من المشقة، وأن مسايرة التيار ستجعله أقل تعبًا وأكثر قبولًا، لكنه يرى أن
ثمة أشياء إذا أفلتها مرةً ربما لم يستطعْ أن يستردَّها، وأنَّ ألمَ الثبات - على
شدته - أهونُ من ألمِ أن يستيقظَ يومًا فلا يعرف الإنسانُ نفسه التي كان يعرفها.
غربة الموقف وضريبة الضمير
وهناك غربة أشد
من غربة السلوك الشخصي؛ غربة الإنسان الذي يعرف الطريق الذي يضمن له الراحة، لكنه
لا يستطيع أن يسلكه؛ لأن ثمنَه ضميرُه، يستطيع أن يصمت عن ظلم فينجو، وأن يجامل
فاسدًا فينتفع، وأن يمدح ما لا يؤمن به فتنفتح له الأبواب، وأن يُغمض عينيه عما
يجري حوله فيعيش حياة أكثر هدوءًا؛ لكنه يجد في داخله شيئًا يأبى عليه ذلك، وهنا
يدفع الإنسانُ ما يمكن أن نسميه «ضريبة الضمير»: قد تُضَيّق عليه فرصة، أو يتأخر
عن موضعٍ يستحقه، أو يخسر منفعةً، أو يبتعد عنه مَن كان قريبًا منه، لا لأنه ارتكب
جريمة، وإنما لأنه رفض أن يجعل الصواب والخطأ تابعين لمصلحته.
والقرآنُ لا
يَعِدُ المؤمن بأن الاستقامةَ طريقٌ مفروش بالقبول والراحة والريحان، وإنما يكلفه
بالثبات ولو ثقلت الطريق: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا
تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]، والتعبير القرآني دقيق:
﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لا كما رغبتَ، ولا كما يرضى الناس، ولا كما تقتضي السلامة، ولا
كما تتبدل الظروف والمصالح، ومن هنا تنشأ غربةُ صاحبِ المبدأ؛ لأنه لا يستطيع أن
يُعيد تشكيل مبادئه كلَّ صباح وفق اتجاه الريح، وربما لم يطلب منه المحيطون به أن
يترك الحق صراحة، وإنما طلبوا منه شيئًا يبدو أصغر: أن يكون أقل صدقًا، وأقل
وضوحًا، وأقل حساسية تجاه الظلم، وأن يتعلم كيف يرى ويسكت، ويعرف ويتجاهل، وما أشد
غربة الإنسان حين لا يطالبه الناس بأن يكون فاسدًا، وإنما يطالبونه فقط ألا يكون
مستقيمًا إلى هذا الحد.
من مقاصد الثبات على المبدأ
وليس الثبات على
المبدأ تشبثًا أجوف بالمواقف، ولا بطولة نفسية يقصد بها الإنسان أن يثبت لنفسه
وللناس أنه لا يتراجع؛ وإنما وراءه مقاصدُ كبرى تُفسر: لماذا يتحمل المؤمن كُلفة
الغربة وضريبة الضمير.
فأول مقاصده حفظ
الدين والضمير من التآكل التدريجي؛ لأن التنازل الكبير لا يبدأ غالبًا كبيرًا،
وإنما يبدأ بخطوة صغيرة يهونها الإنسان على نفسه، ثم بأخرى، حتى يألف القلب ما كان
ينكره، ويسكت عما كان يغضب له، وربما انتهى به الأمر إلى الدفاع عما كان يرفضه؛
ولهذا جاء الأمر القرآني جامعًا حاسمًا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]،
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]. فالثبات يحفظ للإنسان
وحدةَ شخصيتِه وسلامةَ نفسيتِه؛ فلا يعيش بوجه يؤمن به في داخله ووجه آخر يقدمه
للناس طلبًا للسلامة أو المنفعة.
ومن مقاصده كذلك
حراسة ميزان الحق في المجتمع؛ فالمجتمعات لا يفسدها وجود الباطل وحده، وإنما يشتد
فسادُها حين يفقد الحقُّ مَن يشهدُ له، ويصبح المنكر مألوفًا لأن الذين يعرفون
إنكاره آثروا الصمت، ومن هنا كانت شهادةُ الحق وظيفةً أخلاقية تتجاوز صاحبَها إلى
المجتمع كله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. فالثابت على المبدأ لا يحفظ نفسَه فحسب، بل يحفظ
في الوعي العام إمكان الاعتراض على الباطل؛ ويمنع الإجماعَ الزائف الذي يصنعه
الخوف أو المصلحة من أن يبدو كأنه إجماع أخلاقي حقيقي.
وللثبات مقصد
آخر لا يقل خطرًا: حفظ الأمل وإبقاء القدوة للأجيال، فقد يعجز صاحب المبدأ عن
تغيير الواقع في لحظته، لكنه يثبت أن الانحناء لم يكن قدرًا، وأن الصمت لم يكن
الخيار الوحيد، وأن الإنسان كان يستطيع أن يخسر شيئًا من مصالحه ليحفظ شيئًا أعظم
من نفسه؛ ولهذا أثنى القرآن على الذين ثبتوا ولم تبدلهم الشدائد فقال: ﴿مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ
قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:
23]. ورب موقف لم يغير عصره، لكنه غيّر أجيالًا جاءت بعده؛ لأن صاحبه أبقى شاهدًا
في التاريخ على أن للحق رجالًا لا تحدد قيمتهم بما ربحوه منه، وإنما بما حفظوه له.
وهكذا لا تكون
«ضريبة الضمير» خسارة خالصة كما تبدو في ظاهرها؛ فقد يخسر الإنسان بها منصبًا أو
مالًا أو قبولًا أو راحة، لكنه يحفظ أشياء لا تعوضها المناصب والأموال: يحفظ دينه،
ويحفظ احترامه لنفسه، ويحفظ للحق شاهدًا في مجتمعه، ويحفظ لمن يأتي بعده دليلًا
على أن الثبات كان ممكنًا، وربما كانت بعض الخسائر في ميزان المصالح أرباحًا عظيمة
في ميزان المبادئ.
أقسى الغربات ما كان بين الأقربين
ومع ذلك قد
يحتمل الإنسان غربةَ الموقف أمام المجتمع، ثم ينكسر شيءٌ في داخله حين تصل
الغربة إلى دائرته الصغيرة؛ إلى زملائه وجيرانه وأصدقائه وأرحامه؛ ففي مكان العمل
قد يشعر أنه مطالب كل يوم بتفسير نفسه: لماذا لا يفعل ما يفعل الآخرون؟ ولماذا
يتوقف عند أمور يمرون بها عابرين؟ ولماذا يحمل للدين والمبدأ هذا الحضور في
اختياراته؟ وفي المجالس قد يجد نفسه بين صمت يؤلمه أو كلام يُكلفه؛ إن سكت شعر أنه
يخذل ما يؤمن به، وإن تكلم بدا لبعض من حوله ثقيلًا يُفسد عليهم انسجامَ المجلس،
ومع الأيام يتسرب إلى النفس شعورٌ مُرهِق بأنها مُطالبةٌ دائمًا بأن تدافع عن
بدهياتها، وأن تشرح للناس لماذا تريد فقط أن تعيش وفق ما تؤمن به.
لكنَّ الجُرحَ
يصبحُ أعمق حين تأتي الوحشةُ من الأقربين؛ فالإنسان لا ينتظر من البعيد كثيرًا،
لكنه يعود إلى أهله وأرحامه وأصدقائه يلتمس عندهم شيئًا من السكينة؛ فإذا وجد منهم
استنكارًا لما يؤمن به، أو سخرية من ورعه، أو ضيقًا بمواقفه، أو نصائح متكررة بأن
«يُريح نفسه» ويتنازل قليلًا، فلن يُغير الكون، ولن تنصلح الأمور على يديه أو
بمواقفه، شعر بغربة مضاعفة؛ ليس لأنهم خالفوه، فالاختلاف سنة الحياة، ولكن لأن
اليد التي كان يرجو أن تربت على كتفه أصبحت هي التي تزيد حِملَه ثقلًا، وللغربة
بين الأقربين مرارةٌ خاصة؛ لأنها لا تحرم الإنسان من الاتفاق فحسب، وإنما تحرمه
أحيانًا من المكان الذي كان يرجو أن يعود إليه بعد تعب الطريق ليستريح.
وقد قص القرآن
علينا قصة فتية عاشوا شيئًا من هذه الغربة حين أصبح إيمانُهم غريبًا في مجتمعهم:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:
13-14]، ويلفت النظر قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ فكأن مواجهة
الغربة قبل أن تحتاج إلى قوة الجسد تحتاج إلى قلب مربوط بالله؛ لأن أشد ما يهدد
الغريب ليس أن يخالفه الناسُ، وإنما أن يتسرب اضطرابُهم إلى داخله فيبدأ يشكُّ في
الحق لمجرد أنه بقي وحيدًا عليه.
حين تُصبحُ غربةُ الخارج أهون
ومع تراكم هذه
الغربات قد يقع في النفس تحولٌ بالغ الدلالة: يبدأ الإنسان الذي لم يغادر وطنه
يتمنى الرحيلَ عنه؛ لا لأنه كره ترابَه، ولا لأنه محا ذكرياتِ طفولته، ولا لأن
أرضًا أخرى ستصبح فجأةً وطنَه الأول، وإنما لأنه أُنهك من غربة لا يستطيع تفسيرها،
وربما قال في سره: إن غربة الخارج أهون؛ فهناك سأكون غريبًا لأنني مُهاجر، وذلك
مفهوم، أما هنا فأنا غريب بين أهلي، هناك سأحن إلى شوارع بلدي لأن بيني وبينها
آلاف الأميال، أما هنا فأمشي في الشارع نفسه ولا أشعر أنه يتسع لروحي، هناك سأدفع
ضريبة أنني أجنبي، أما هنا فأدفع ثمن الغربة وأنا ابن الأرض.
ومن هنا يمكن أن
نفهم -لا أن نُسوّغ كل نتائجه- كيف يَضْعفُ عند بعض المظلومين شعورُ الانتماء إلى
الوطن؛ فالانتماء ليس نشيدًا يردَّد، ولا شعارًا يُعلق على الجدران؛ إنه علاقة
وجدانية وأخلاقية تغذيها الكرامة والعدل والأمان والشعور بأن للإنسان مكانًا
مصونًا في بلده، فإذا ظل المواطن أعوامًا يتلقى الخوف بدل الأمان، والإقصاء بدل
المشاركة، والإهانة بدل الكرامة، فإن هذه العلاقة تُصاب بالجراح، ومع ذلك يبقى من
الضروري ألا يمنح الإنسان ظالمه انتصارًا أخيرًا بأن يترك له الوطن نفسَه إلا إذا
كان هناك تهديدٌ على نفسِه؛ فالسلطات تتغير، والأزمنة تتداول، أما الوطنُ فهو
الأهل واللغة والتاريخ والذاكرة والأجيال الآتية، وهو أوسع بكثير ممّن ضيّقوه على
أبنائه في مرحلة من مراحله.
أخطر الغربة ما دخل القلب
على أن أخطر ما
في الغربة داخل الوطن ليس ما تفعله السلطة أو البيئة أو المجتمع بالإنسان، وإنما
ما يمكن أن تفعله سنواتُ الغربة بقلبه هو؛ فطول الظلم قد يُولّد المرارة، وطولُ
سوء الفهم قد يصنع الانغلاق، وطولُ مقاومة التيار قد يستنزف الرحمة، حتى يُصبح
الإنسانُ ساخطًا على كل شيء، شاكًّا في كل أحد، سريعَ الخصومة، قليلَ الرجاء، يرى
المجتمعَ كتلةً واحدة من الفساد، وينظر إلى نفسه ومن يُشبهه كأنهم وحدهم أصحاب
الطُّهر والنجاة، وعندئذ تكون الغربةُ قد حققتْ أخطرَ انتصاراتها: لم تعد ظرفًا
مؤلمًا يحيط بالإنسان، وإنما أصبحت سجنًا بناه داخل قلبه وحمل جدرانه معه أينما
ذهب.
وليس هذا هو
المراد من غربة المؤمن؛ فليس المطلوب منه أن يذوب في الباطل حتى يأنس بالناس، كما
أنه ليس مطلوبًا منه أن يكره الناس حتى يحافظ على الحق، وليس عليه أن يبيع دينه
ليشتري القبول، ولا أن يفقد رحمته بالخلق ليحفظ استقامته، إنما الامتحان الحقيقي
أشق وأجمل: أن يبقى ثابتًا دون أن يقسو، قويًّا دون أن يكره، مختلفًا دون أن
يتكبر، مقاومًا للباطل دون أن يتحول إلى عدو للحياة، وأن يحتفظ بقلبٍ يرجو للناس
الهدايةَ والإصلاحَ وهو يتألم مما يصدرُ عنهم.
فالغريب المؤمن
ليس مشروعَ عزلة عن المجتمع، ولا شاهدًا متشفيًا في سقوط الناس؛ وإنما إنسانٌ
يحاول أن يحفظ نفسه من الفساد من غير أن يفقد رحمتَه بمن حوله، وأن يتمسّك بالحق
من غير أن يتحول الحقُّ في يده إلى أداة استعلاء على الخلق.
الغربة التي تحتاج إلى فقه
وهنا يبلغ
السؤال منتهاه: كيف يستطيع من ضاقت به أرضه وهو فيها أن يجد في قلبه سعةً لا يملك
مستبدٌّ أن يصادرَها؟ وكيف يحافظ على دينه حين يشعر أنه يَقبض على الجمر، دون أن
تحرق الجمرةُ قلبَه بالمرارة؟ وكيف يصبر على غربة الطريق دون أن يتحول صبرُه إلى
سلبية، أو غربتُه إلى اعتزال، أو ثباتُه إلى جمود؟ وكيف يصنع من هذه الوحشة معنًى
إيمانيًّا يمده بالقوة بدل أن يستنزفه، ويزيدُه تعلقًا بالله بدل أن يملأه غضبًا
على خلق الله؟
إن هذه الغربة
ليست قضية سياسية وحدها، ولا اجتماعية وحدها، ولا نفسية وحدها؛ إنها في النهاية
قضية إيمانية وأخلاقية تتصل بمعنى الثبات، والصبر، والكرامة، والانتماء، والرحمة،
والقدرة على أن يعيش الإنسانُ في واقع لا يُشبهُه دون أن يفقدَ نفسَه.
ولعل من هنا
نفهم لماذا لم تكن خاتمة الحديث النبوي عن الغربة نواحًا على الغرباء، ولا رثاءً
لحالهم، وإنما جاءت كلمة قصيرة مدهشة، تحمل في طياتها التعزية والتكريم والبشارة:
"فطوبى للغرباء".
فالغربة التي
وصفنا وجعها ليست نهاية الطريق، وإنما بدايتُه، وبعد تشخيص الألم يبقى السؤالُ
الأهم: كيف يتحولُ هذا الألمُ إلى معنى، وهذه الوحشةُ إلى معية، وهذا الثباتُ
المكلِّف إلى رباط، وهذا القلبُ المجروح إلى قلب لا يزال قادرًا على الإيمان
والإصلاح والأمل؟
ذلك هو فقه الغربة الذي يحتاجه مَن بقي في وطنه ثم وجد نفسه غريبًا فيه؛ وهو ما نتناوله في مقال تالٍ بعنوان: "فطوبى للغرباء.. كيف تتحول الغربة إلى رباط؟"، نبحث فيه عن زاد الغريب في طريقه، وعن المعية والصبر والصحبة والمرابطة والأمل، وكيف يحفظ المؤمنُ قلبه من أن تهزمَه الغربةُ أو تُفسدَه مرارتُها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً