العناد الطبيعي عند الأبناء (5)

6 دوافع خفية وراء العناد وكيفية التعامل معها بذكاء

لا بد لكل مُرَبٍّ أن يعلم أن كل سلوك له دافع، وكل سلوك ناتج عن فكرة، وإن عناد الأبناء -في جوهره- ليس صخرة صمّاء، بل رسالة خفية تبحث عمن يفك رموزها وشفراتها، فخلف رفض الأبناء المفاجئ وإصرارهم غير المفهوم تختبئ إما حاجة نفسية لم تُشبع، أو رغبة في لفت النظر، أو تَوْقٌ لإثبات الذات، أو محاولة لانتزاع مساحة من الحرية وسط ضجيج التوجيهات الوالدية.

وحين نقرأ هذا العناد بوصفهِ نداء داخلياً لا مواجهة خارجية، سنتعامل معه حينها بحكمة وعقلانية، فالطفل لا يريد كسر النظام بقدر ما يريد أن يشعر بأنه مرئي، ومفهوم، ومحترم، وكلما أفسحنا لمشاعره مكاناً، ولرأيه وزناً، عاد ذلك الرفض إلى أصله الطبيعي والمتوقع؛ رغبة في النمو وليس رغبة في التحدي.

ولذلك، فإن فهم الدوافع يُبدد كثيراً من الصراع والصدام، ويحول العناد من معركة قوة، إلى جسر تواصل، وهنا بإذن الله سنتكلم عن بعض الدوافع للعناد، التي من المهم أن يلتفت لها الآباء والأمهات.

الدوافع الخفية للعناد الطبيعي

1- الحاجة إلى إثبات الذات:

العناد -في كثير من لحظاته- ليس رغبة في المخالفة، بل محاولة صادقة من الطفل لكي يقول لمن حوله: «أنا هنا.. ولي رأي..»، فالإصرار في حد ذاته ليس إصراراً لمجرد الإصرار، وإنما بحث عن هوية تتشكل، وذات تريد أن تُرى وتُحترم.

وحين يفهم المُربي ذلك بعقله الوقَّاد وأن وراء العناد بذرة قوة لا بذرة عصيان، يتغير تعامله تماماً مع الابن، فبدلاً من قمعه وإسكاته يبدأ في توجيه الطاقة التي تقف خلف العناد، يُشجع المبادرة، ويُمنح مساحة للاختيار، ويُستمع بوعي وقوة ملاحظة، وينتج عن ذلك أن العناد يتحول من خصومة وصدام إلى خطوات أولى في بناء شخصية سوية.

2- الحاجة إلى الخصوصية والانغلاق اللحظي:

أحياناً ينغلق الطفل أو الشاب على نفسه، لا لشيء سوى أنه يريد ذلك، ويزداد هذا الانغلاق والانسحاب لدى الطفل إذا كانت الأسرة قاسية وجافة وتُكثر من اللوم والنقد والتوبيخ والعقاب، فأحياناً ينسحب إلى غرفته ويمكث فيها بمفرده، وأحياناً يطلب من والديه أن يُترك وحده قليلاً بدون أسئلة أو نقاش، وهذا الانغلاق اللحظي ليس جفاء ولا بُغضاً لوالديه ولا عقوقاً، بل هو حاجة فطرية داخلية لنمو الخصوصية، ومساحة يلتقط فيها أنفاسه ويُعيد فيها ترتيب مشاعره، ويفصل بين ما يشعر به وما يريد أن يقوله.

ولا بد من احترام هذه اللحظات، وعدم توبيخه عليها، وعدم السخرية منه ولو حتى بالمزاح الساخر، فإن احترام هذه اللحظات يمنح الطفل رسالة عميقة مفادها «مشاعرك مُرحب بها، وإيقاعك الداخلي محترم لدينا، ونحن نحبك على كل حال»، وكلما شعر بأن خصوصيته مُصانة؛ عاد الطفل من عزلته القصيرة أكثر هدوءاً، وأوضح تعبيراً، وأقرب إلى أهله.

3- توجيه رسالة للآباء والأمهات:

للأسف، هناك آباء وأمهات لا يسمعون أبناءهم، ولا يتحاورون معهم، وإنما لا يعلمون عن التربية إلا الصراخ والنقد واللوم والتوبيخ والعقاب، لا يشعرون بالأبناء، ولا بما يمرون به عبر مراحل النمو، وهنا يظهر العناد من الأبناء بشكل شديد، ويكون العناد هنا كرَدّ فعل لما يُلاقيه الأبناء من قسوة وشدة وغلظة وعدم الشعور بالأمان، فكأنه يقول لوالديه: «أنا متعب، أنا مضغوط، كفاكم قسوة وشدة في التعامل معنا».

ولذلك، فإن التعامل مع الأبناء بحكمة وحب ولين، وقيام علاقة قوية مع الأبناء تقوم على الاحترام والتقدير يُخفف كثيراً من درجات العناد وأحياناً يطفئ لهبها.

4- الحاجة إلى إشباع الحاجيات النفسية لديه:

كثير من الأبناء يفتقد لإشباع الحاجات النفسية، فالآباء مشغولون بالعمل خارج البيت، وكثير من الأمهات منهمكات في الأعمال المنزلية، ونسوا أو تناسوا أن الأبناء -خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة- يحتاجون لإشباع الحاجات النفسية لديهم، فينشأ الأبناء وهم فارغون من الداخل، ولديهم خواء داخلي لفقدانهم مشاعر الحب والأمان والطمأنينة والقبول!

وإن النظرة الإسلامية لعدم إشباع الآباء والأمهات لأبنائهم بحاجاتهم النفسية لهي نظرة زجر شديدة وقوية، وتوبخ صاحبها وتزجره، وتنهاه عن تقصيره في دوره المنوط به، فقد جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال له لما رآه يُقبّل الحسن: أتُقبِّلونَ الصِّبيانَ؟ فما نُقبِّلُهم، فقال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وما أملِكُ لك أنْ نزَع اللهُ الرَّحمةَ مِن قلبِك»(1)، زجره النبي صلى الله عليه وسلم زجراً شديداً لجفائه وغِلظته، وعدم إعطاء الأبناء حقهم من الحب والتلامس والشعور بالأمان، فوصفه بأن الرحمة قد نُزعت من قلبه.

5- الحاجة إلى نيل الاحترام:

الإنسان في الإسلام -صغيراً كان أو كبيراً- مُكرّم ومُصان، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم) (الإسراء: 70)، فالطفل -مهما بدا صغيراً- يحمل داخله حسّاً مُرهفاً بكرامته، فحين يُهان أو يُسفه رأيه، أو يُعامل باستخفاف، تنغلق نفسه وتشتعل نار المقاومة والعناد لديه، لا عناداً من أجل العناد، وإنما دفاع عن قيمة يريد أن يشعر أنها مصونة، ومعاملته كإنسان كامل الحقوق في المشاعر والتعبير، وحين يشعر الطفل أنه محترم ومُصان يلين طبعه، ويهدأ رفضه، ويصبح أكثر استعداداً للتعاون، ولذلك نقرر أن الاحترام ليس ترفاً تربوياً، وإنما مفتاح يفتح أبواب القلوب قبل السلوك.

6- تقليد الكبار:

من المقرر لدى العقلاء أن الإنسان ابن بيئته، ويتأثر بمن حوله، والطفل مرآة حية لما يراه، فإذا شاهد أسلوباً يقوم على الرفض الحاد، أو النقاش المتوتر، أو الإصرار بلا مرونة، فإنه يتعلم أن هذا هو الطريق لإثبات الرأي، وتحقيق ما يريد، فعناد الطفل ليس عداء، وإنما محاكاة للسلوك الأقرب إليه، وكلما رأى الكبار يقُومون بحَلّ خلافاتهم بهدوء، ويمارسون المرونة دون إساءة، ويتراجعون بإرادة وقناعة لا بخوف؛ تشكلت لديه لغة تعاون تشبههم.

فالعناد الذي يأتي بالتقليد لا يُعالج بالصراخ، بل بنموذج جديد يراه الطفل ويحتذى به ويسير على دربه، وصدق من قال:

ﻣﺸﻰ ﺍﻟﻄﺎﻭﻭﺱ ﻳﻮﻣﺎً ﺑﺎﻋﻮﺟﺎﺝٍ     ﻓﻘﻠﺪ ﺷﻜﻞَ ﻣِِﺸﻴﺘﻪِ ﺑﻨﻮﻩُ

ﻓﻘﺎﻝ: ﻋﻼ‌ﻡ ﺗﺨﺘﺎﻟﻮﻥ؟ ﻗﺎﻟﻮﺍ         ﺑﺪﺃﺕَ ﺑﻪ، ﻭﻧﺤﻦُ ﻣُﻘﻠِّﺪﻭﻩُ

ﻓﺨﺎﻟﻒْ ﺳﻴﺮﻙَ ﺍﻟﻤﻌﻮﺝَّ ﻭﺍﻋﺪﻝْ     ﻓﺈﻧﺎ، ﺇﻥ ﻋﺪﻟﺖ، ﻣُﻌَﺪﻟﻮﻩُ

ﺃﻣﺎ ﺗﺪﺭﻱ ﺃﺑﺎﻧﺎ: ﻛﻞُّ ﻓﺮﻉ          ﻳُﺠﺎﺭﻱ ﺑﺎﻟﺨﻄﻰ ﻣﻦ ﺃﺩَّﺑﻮﻩ؟

وﻳﻨﺸﺄ ﻧﺎﺷﺊُ ﺍﻟﻔﺘﻴﺎﻥ ﻣِﻨﺎ          ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻋَّﻮﺩﻩُ ﺃﺑﻮﻩُ(2)

فهذه بعض الإشارات السريعة والمُوجزة لبعض الدوافع للعناد الطبيعي عند الأبناء، فعلى الآباء والأمهات أن ينظروا لهذه الدوافع ولمثيلاتها من الدوافع نظرة اهتمام وتدقيق وتحقيق، حتى يُساعدوا أنفسهم في إنشاء أبناء أسوياء، وحتى لا يُفسدوا أبناءهم من حيث يريدون الإصلاح.

اقرأ أيضاً:

عندما يقول طفلك: «لا».. بداية بناء الشخصية

5 استراتيجيات للتعامل مع العناد الطبيعي للأبناء

طفلي عنيد! اكتشف لماذا العناد علامة صحة


________________

(1) أخرجه البخاري، ومسلم.

(2) أبو العلاء المعري.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة