إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (35)
تقدير العلم والارتحال لطلبه
مظاهر حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على تقدير العلم والارتحال لطلبه
1- تقدير العلم ورفع شأن أهله: أسس القرآن الكريم لهذا
البناء الحضاري القائم على العلم بالتأكيد على تقدير العلم ورفع شأنه، فجعل بداية
الحياة على الأرض قائمة على العلم، حيث قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ
الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31)، كما حث سبحانه المسلم على أن يطلب زيادة
العلم، فقال: (وَقُل
رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طه: 114)، وقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)
(المجادلة: 11).
وعن رجاء بن حيوة، عن معاذ بن جبل قال: تعلموا العلم فإن
تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا
يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة،
والأنيس في الوحشة، والصاحب في الوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء
والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله
به أقواماً، فيجعلهم في الجنة بإذنه(1)، وعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا
الدَّرْدَاءِ قَالَ: مَثَلُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّاسِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي
السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا(2).
2- النّاس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطّعام والشّراب:
قال الإمام أحمد: النّاس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطّعام والشّراب؛ لأنّ
الرّجل يحتاج إلى الطّعام والشّراب في اليوم مرّة أو مرّتين، وحاجته إلى العلم
بعددِ أنفاسه(3).
3- التخلي عن موانع التعلم: روى البخاري في صحيحه عن
مُجَاهِد قَالَ: لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ، وَقَالَتْ
عَائِشَةُ: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ
فِي الدِّينِ.
4- الحرص على التعلم في الصغر: قَالَ عَبْدالرَّحْمَن
بْن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كتبتُ الحديث سنة تسعٍ وثمانين وأنا ابنُ عشر سنوات(4)،
وعَنْ مَعْمَر بن راشد، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ قَتَادَةَ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ
عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا شَيْءٌ سَمِعْتُ فِي تِلْكَ السِّنِيْنَ إِلَاّ
وَكَأَنَّهُ مَكْتُوْبٌ فِي صَدْرِي(5).
5- الحث على الارتحال لطلب العلم والصبر عليه: حرص النبي
صلى الله عليه وسلم على تربية أمته على الخروج لطلب العلم والسعي إليه، ففي سنن
الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
خَرَجَ فِي طَلَبِ العِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ»، وعَنْ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: نُبِّئْت أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ
أَحَداً تَبْلُغْنِيهِ الْإِبِلُ أَحْدَث عَهْداً بالعَرْضة الْآخِرَةِ مِنِّي
لَأَتَيْتُهُ أَوْ لتكلّفت أن آتيه(6)، وقال يحيى بن أبي كثير: لا يأتي
العلم براحة الجسد(7)، وقال ابن الجوزي: ما يتناهى في طلب العلم إلا
عاشق العلم، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره(8).
6- ملازمة العلماء: قال ابن شهاب الزهري: جلست إلى ثعلبة
بن أبي صغير فقال: أراك تحب العلم، فقلت: نعم؟ قال: عليك بذلك الشيخ -يعني سعيداً
بن المسيب- قال: فلزمته سبع سنين(9)، وقال أَبُو حنيفة: قدمت البصرة
فظننت أني لا أسأل عن شيء إلا أجبت فِيهِ، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها
جواب، فجعلت عَلَى نفسي ألا أفارق حماداً حَتَّى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة(10)،
وقال أبو الوليد الطيالسي: قلت ليحيى بن سعيد: رأيت أحداً أحسن حديثاً من شعبة؟
قال: لا، قلت فكم صحبته؟ قال: عشرين سنة(11).
7- الأنس بالتعلم: روى البيهقي عن نعيم بن حماد قال: كان
ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فيقال له: تكثر الجلوس في بيتك، ألا تستوحش؟
فيقول: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم
بإحسان.
8- الإرشاد إلى العمل بالعلم والتخلق بأخلاقه: روى
الطبراني عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بن مسعود، قَالَ: «يَا أَيُّهَا
النَّاسُ، تَعَلَّمُوا فَمَنْ عَلِمَ فَلْيَعْمَلْ»، وروى البيهقي في «شعب
الإيمان» عن أبي الدرداء قال: لا أخشى أن يقال لي يوم القيامة: ماذا عملت فيما
جهلت، ولكن أخاف أن يقال لي: ماذا عملت فيما علمت.
وعن إبراهيم بن إسماعيل بن حارثة يقول: كنا نستعين على
حفظ الحديث بالعمل به، وأورد الخطيب البغدادي عَنْ مَطَرٍ، قَالَ: خَيْرُ الْعِلْمِ
مَا نَفَعَ وَإِنَّمَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ عَمِلَ
بِهِ، وَلَا يَنْفَعُ بِهِ مَنْ عَلِمَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ(12).
وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا العلم،
وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن يعلمكم عند العلم، وتواضعوا لمن تعلموه
العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وعَنْ عَمْرِو بْنِ
الْحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ: إِنَّ الْحِلْمَ لِبَاسُ الْعِلْمِ
فَلَا تَعْرَيَنَّ مِنْهُ(13).
9- التمسك بالتعلم حتى الممات: قال صالح بن أحمد بن
حنبل: رأى رجل مع أَبي مِحْبَرَة، فقال له: يا أَبا عبدالله، إلى متى، وأَنت قد
بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمامُ المسلمين؟ فقال: مع المِحبرة إلى المَقْبرة(14)،
وقال أبو بكر البصري دخلت على سهل بن عبدالله ومعي المحبرة فقال لي: تكتب؟ قلت:
نعم، قال: اكتب فإن استطعت أن تلقى الله عز وجلّ ومعك المحبرة فافعل(15)،
وسُئل عبدالله بن المبارك: إلى متى تكتب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم
أكتبها بعد(16).
دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على تقدير العلم والارتحال لطلبه
1- العلم سبيل إلى الصلاح: روى البيهقي عن الحسن قال: قد
كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره وبره، وفيه
أيضاً عن معمر قال: ما في الأرض بضاعة ينور على صاحبها أشد من العلم.
2- تحصيل الأجر والثواب: أوضح النبي صلى الله عليه وسلم
أن الجنة نهاية طريق طالب العلم الذي يبتغي به وجه الله، ففي مسند أحمد عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً
يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»، وعن
قتادة قال: إن في الحكمة مكتوباً طوبى لعالم ناطق وطوبى لمستمع واع، هَذَا عَلِمَ
عِلْمًا فَبَذَلَهُ، وَهَذَا سمع خيراً فوعاه(17).
3- حفظ القيادة والسيادة: عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ،
قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا،
يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَجْلِسُوا لِلنَّاسِ، فَتُسْأَلُوا(18)، وعن
سفيان الثوري قال: من أسرع الرئاسة أضرّ بكثير من العلم ومن لم يسرع الرئاسة كتب
ثم كتب ثم كتب(19).
4- فضل العلم خير من فضل العبادة: قال ابن وهبٍ: كنت بين
يدي مالكٍ، فوضعتُ ألواحي وقمتُ أصلِّي، فقال: ما الذي قمتَ إليه بأفضلَ ممّا قمتَ
عنه(20)، وفي «شعب الإيمان» عن مطرف قال: فضل العلم أفضل من فضل
العبادة.
5- العلم خير من المال: قال عليّ بن أبي طالب: العلم خير
من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال تنقصه
النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، وصنيعة المال تزول بزواله ومحبة العالم دين
يدان بها، العلم يكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد مماته، مات خزان المال
وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب
موجودة(21)، وروى البيهقي عن المعتمر بن سليمان يقول: كتب إليَّ أبي
وأنا بالكوفة: يا بني، انظر في الصحف واكتب العلم، فإن المال يفنى والعلم يبقى.
6- الحماية من الضلال والهلاك: روى البخاري، ومسلم، عَنْ
عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النبي صلى الله عليه
وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ
مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى
إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا
فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن
هِلَال بْن خَبَّاب قال: قُلْتُ لسَعِيد بْن جُبَيْرٍ، يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا
عَلَامَةُ هَلَاكِ النَّاسِ؟ قَالَ: إِذَا هَلَكَ عُلَمَاؤُهُمْ.
اقرأ أيضاً:
إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية
__________________
(1) زهر الفردوس: ابن حجر العسقلاني (3/ 476).
(2) أخلاق العلماء: الآجري، ص 29.
(3) طبقات الحنابلة (1/ 390).
(4) تاريخ الإسلام (20/ 304).
(5) سير أعلام النبلاء (7/ 6).
(6) سنن سعيد بن منصور (1/ 246).
(7) صفة الصفوة (2/ 281).
(8) صيد الخاطر، ص 456.
(9) حلية الأولياء (3/ 366).
(10) تهذيب الكمال (29/ 427).
(11) تذكرة الحفاظ: الذهبي (1/ 145).
(12) اقتضاء العلم العمل، ص 33.
(13) الحلم: ابن أبي الدنيا، ص 57.
(14) مناقب الإمام أحمد، ص 37.
(15) شعب الإيمان (3/ 307).
(16) الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم (1/ 280).
(17) جامع بيان العلم وفضله (1/ 552).
(18) الزهد: وكيع، ص 327.
(19) المقاصد الحسنة: السخاوي، ص 260.
(20) جامع بيان العلم: ابن عبد البر (1/ 122).
(21) صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 123).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً