الشيخ وأهله الذين أحبّوا الكويت فأحبّتهم!
ليس من اليسير
في هذا الزمن أن يلقى المرء رجلًا عاش على قصدٍ واضح، ومضى في الناس بسجيّةٍ
صادقة، جاعلاً العلم والدعوة والخدمة والوفاء خيوطًا متصلة في نسيج فكره وهمومه
وديدَنَ حياته.. ومن هذا الصنف كان الشيخ عبد القادر محمد المهدي أبو سنيج، رحمه
الله، رجلًا لم يُعرف بكثرة القول عن نفسه، بل بما تركه في الناس من أثر، وما بثّه
فيمن حوله من طمأنينةٍ إلى دينه، وثقةٍ في خلقه، واطمئنانٍ إلى معدنه الإنساني
والعلمي.
نشأةٌ أصيلة في صعيد مصر
وُلد الشيخ سنة
1977 في قرية المنصورية بحري التابعة لمركز «دراو» من أعمال محافظة أسوان، في جنوب
صعيد مصر. وقد نشأ الشيخ في بيئةٍ احتفظت بخصالٍ فطرية أصيلة تمتزج بالصدق
والبساطة وحرارة التدين وحسن المُخالقة.
ثم التحق
تلميذًا بمعاهد الأزهر الشريف، فحفظ القرآن في صباه، وبدأ الوعظ والخطابة وهو لا
يزال صغيرًا، فقد كان نقاء فطرته وطيبة قلبه قد أورثاه سعة في قلبه وانشراحًا في
صدره للدعوة والإصلاح الاجتماعي، وهي التي أسهمت في تكوينه ونموه فبدا بين الناس
كبيرًا في شأنه.
في رحاب الأزهر.. التكوين والتأثر بالكبار
ثم ما لبث أن
التحق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر بالقاهرة، وتخرج فيها سنة
2000، واتصل في مرحلته العلمية بعدد من علماء الأزهر، وكان من أبرز من تأثر بهم:
العالِمُ الأزهري الأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعني، رحمه الله، والشيخ الشهيد
عِماد عِفَّتْ، وغيرهما من رجالات العلم الذي تركوا لديه أثرًا بقي ظاهرًا في
محبته للعلم المؤصل، وفي غيرته على الدين، وفي ميله إلى الجمع بين المعرفة
والرسالة وحب الخير.
وبعد تخرجه، عمل
إمامًا وخطيبًا ومدرِّسًا بوزارة الأوقاف المصرية، واشتغل كذلك بعدد من الأعمال
البحثية الشرعية، وشارك في مشروعات علمية تتصل بالفتاوى والموسوعات والمواد
الشرعية.
ومن يقرأ هذه
المرحلة من حياة الشيخ؛ يدرك أنه لم يكن من أولئك الذين يكتفون بالأداء الوظيفي
المباشر، بل كان يميل بطبعه إلى الجمع والتحرير والترتيب، ويأنس بالأعمال التي
تحتاج إلى طول نفس وسعةِ اطِّلاعٍ ودَأبٍ ومثابرة. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تتجه
شخصيته العلمية لاحقًا إلى مشاريع واسعة تتجاوز حدود الدرس اليومي إلى بناءٍ أعمق
وأثَرٍ أبقى.
ولقد انتقل إلى
دولة الكويت، فكانت هذه النقلة نقطة تحول مهمة في حياته. وفي سياق ذلك لم تكن
الكويت في وجداه محطة عمل وظيفي، ولا بوصفها بلد إقامة مؤقتة، بل أحبها حبًا
صادقًا عميقًا؛ لأنها كانت له بلدًا كريمًا وملاذًا آمِنًا بالدفء والرعاية، بلدًا
احتضنه، وفتح له باب الرزق، ومنحه مع أسرته سكينةً وثقةً وشعورًا بالاستقرار.
وكان يرى أن
الوفاء للبلد الذي يُحْسِنُ إلى الإنسان ليس مجاملةً عابرة، بل سليقة من الوفاء
الفكري الذي عزَّزَه عطاه الكويت وإحسان أهله إلى العلم والعلماء بغير حساب!
ولذلك، أحب
الكويت محبة مَن يعرف فضلَها، ويشعر بجميلِها، ويغار عليها غيرة الصادق الوفي.
وكان يذكرها بمحبةٍ ظاهرة وشَغَفٍ لافِتٍ، ويحب أهلها، ويجد في الدفاع عنها وعن
استقرارها بعضَ ما يوجبه عليه شعوره الديني وضميره القومي، وفاؤه لما لقيه فيها من
احتضان وإكرام.
وفي الكويت
أيضًا، تعرّف إلى زوجته الفاضلة: نهال سمير محمد علي، رحمها الله! وقد كان الجامع
بينهما أعمق من مجرد توافق نفسي واجتماعي؛ بل جمع بينهما الدين، والصدق، والوضوح،
ومحبة الخير، وتقارب في التكوين العلمي والوجداني.
ثم امتد هذا
التعارف إلى زواج دام أكثر من سبعة عشر عامًا، كان زواجًا قائمًا على الصحبة
الحقيقية، وعلى المشاركة في الرسالة، لا على مجرد الاشتراك في أعباء الحياة.
وكانت زوجته،
رحمة الله عليها، شريكةً له في المعنى العميق لهذه الكلمة؛ فقد تخرجت في كلية
الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وهو تقدير
رفيع نادر، ثم حصلت على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية، وكانت في طريقها
إلى الدكتوراه، مع عناية واضحة بتحقيق التراث، ومهارة ظاهرة في قراءة المخطوطات،
ولا سيما المخطوط المغربي الذي يعسر على كثير من أهل الاختصاص.
ومن ثَمَّ، لم
يكن بيتهما بيت معيشةٍ فقط، بل بيت علمٍ ورسالة، كان بينهما تآزر وجداني، وتفاهم
فكري، وتعاون عملي، حتى غدا كل واحد منهما سندًا للآخر، لا في الشأن الخاص وحده،
بل في الهم العلمي والدعوي والخيري أيضًا. وهذه من أجمل صور الزوجية حين ترتفع عن
مجرد الصحبة اليومية إلى المشاركة في المقصد.
الموسوعة الوقفية الكبرى.. مشروعُ العمر
وكان باب الوقف
والأوقاف هو محور مشروع الشيخ عبد القادر العلمي. إذْ لم يكن ينظر إلى الوقف بوصفه
بابًا فقهيًا محدودًا، بل بوصفه أحَدِ المفاتيح المهمة لجهود استئناف الفعل
الحضاري الإسلامي، كما كان ركنًا لنهضة الأمة المسلمة في مختلف مجالات الحياة عبر
العصور.
ومن ثَمَّ، فقد
انصرفت هِمَّةُ الشيخ عبدالقادر إلى هذا الباب انصراف صاحب قضية، فاشتغل بفتاواه،
ومسائله، ونوازله، ونصوصه التراثية، وأراد أن يعيد لهذا الحقل شيئًا من حضوره
العلمي والعملي المنظم. وفي هذا السياق برز مشروعه الكبير: «الموسوعة الوقفية
الكبرى»، وهو مشروع علمي جامع لفتاوى الأوقاف ومسائلها ونوازلها عند مختلف المذاهب
الفقهية وعبر العصور الإسلامية، بما يتيح للباحثين رؤية هذا الحقل في امتداده
التاريخي والفقهي، لا في صوره المتفرقة المبعثرة.
ولم يكن هذا
مجرد تصور نظري؛ فقد أنجز أيضًا تحقيق مئة مخطوطة في الأوقاف لعلماء من عصور
مختلفة، وهو جهد كبير لا ينهض به إلا من جمع بين الصبر العلمي، والدقة، والدربة،
ومحبة هذا الباب محبة حقيقية.
كما امتدت جهوده
إلى أعمال أخرى في الوقف، منها: تحقيق كتاب «الوقف وآثاره في الإسلام» للطاهر بن
عاشور، وتأليف «محنة الأوقاف عبر التاريخ»، وبحوث أخرى ذات صلة بتاريخ الوقف
ومسائله. وكانت زوجته شريكته في هذا الجهد، بما تملكه من خبرة في قراءة المخطوطات
وتحقيقها، فكانا معًا مثالًا نادرًا لزوجين يصنعان من البيت فضاءً للعلم، ومن
التفاهم الروحي معينًا للعمل المعرفي الجاد.
ومع هذا
الاستغراق البحثي، لم ينفصل الشيخ عن العمل الدعوي المباشر. ظل جانب الوعظ
والإرشاد حيًا في شخصيته، واشتغل بتحقيق رسالة الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في
هذا الباب، ونُشرت له أعمال وبحوث وتحقيقات في عدد من الجهات العلمية والثقافية،
كما كتب في مجلات معروفة، وكان له حضور في الأنشطة الإعلامية الدعوية عبر الإذاعة
والتلفاز.
وكان حريصًاً
على أن تبقى الدعوة عنده مرتبطةً بوظيفتها الحقيقية: التذكير، والإصلاح، وإيقاظ
الضمير، لا مجرد تكرارٍ بارد للمعاني حتى تفقد أثرها في النفوس.
وكان شديد
المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قوي الغيرة على جناب الدين، لا تمرّ به
الإساءة إلى الله أو إلى رسوله مرورَ نوبةٍ من الهموم المرحليِّة التي لا تلبث أن
تزول، بل كان غضوبًا لله ورسوله غيورًا على قيم دينه ومبادئه غيرةً واعية... إذْ
إنه مع هذه الغيرة الصادقة؛ لم يكن رجل استقطابٍ وضجيج، بل حافظ على استقلاله،
وابتعد عن الاصطفافات الفكرية الضيقة. فبقي أقرب إلى صفاء العالم الذي يريد أن
يكون خالصًا للحق، لا أسيرًا للرايات، ولهذا حظي بتقدير في أوساط مختلفة؛ لأن
الناس كانت ترى فيه رجلًا يستمد مكانته من الصدق والعلم والخلق، لا من الحدة ولا
من صخب الخصومات.
في ميادين الإحسان وقضاء الحوائج
وفضلاً عَمّا
سبق، تعاون الشيخ وزوجته، رحمهما الله، على البر والإحسان، ليس على سبيل الظهور
الموسمي، بل على سبيل العادة الثابتة التي اندمجت في فهمه لرسالة العالم وخدمة
المجتمع. وقد تفانيا في تقديم العون لكل
محتاج، ولكل عابر سبيل، ولكل من ضاقت به السبل.
وكان الشيخ،
رحمه الله، يؤدي واجبه الديني والشعبي في مسجد يقع في مناطق بعيدة عن قلب العاصمة
الكويتية، فيمر في طريقه بالعمال والمزارعين، وببعض المناطق التي تقطنها عائلات
مهاجرة من بلدان شتى، وكانت أحوال كثير منهم الاجتماعية والمعيشية تستدعي المواساة
والرعاية والمساعدة. فكان الشيخ واسطة خيرٍ بينهم وبين وجوه الدعم، يسعى في قضاء
حوائجهم، ويخفف عنهم أعباءهم، ويقدم لهم الدعم النفسي، ويتابع شؤونهم، ويساعد في
إنهاء الأوراق الثبوتية المتعلقة بالإقامة ونحوها، فكأنه جعل من نفسه بابًا
للرحمة، وممرًا للخير، وملجأً لمن أثقلتهم الحاجة.
وكانت زوجته
الكريمة، رحمها الله، تقاسمه هذا الهم النبيل، وتشاركه هذا الطريق المبارك، مثلما
شاركته هموم العلم والدعوة والتحقيق، حتى ليخيَّل إلى من عرفهما أنهما وكأنَّما
روحًا واحدة انشطرت في جسدين، أو نواةً واحدة انقسمت نصفين! ثم مضيا في الحياة
متجاورين في أداء الرسالة، متساندين في الدعوة والعمل الخيري حتى كانت الخاتمة
المؤلمة ذات الدلالة العميقة: فقد توفيا معًا قبيل مغرب يوم 25 رمضان 1447هـ/ 14
مارس 2026م، في حادث أليم وقع أثناء قيامهما بتوزيع وجبات الإفطار على مستحقيها،
إذْ انقلبت بهم السيارة على طريق الجهراء- العبدي، بينما نجا من الحادث ولداه
إلياس ورفيدة، ولا يزالا يتلقيان الرعاية الصحية حتى كتابة هذه السطور.
وهكذا، قد شاء
الله تعالى أن يلتئم ذلك الشطران مرة أخرى عند عتبة الرحيل، فيوارى الثرى عليهما
في فسحة من قبرين متجاورين، ويناما إلى جوار بعضهما نومةً هنيئةً كما نحسب، والله
حسيبهما، في حفظ الله ورحمته وعفوه ورضوانه.
وقد تركت شخصية
الشيخ عبد القادر في نفسي أثرًا بالغًا، حتى إني أوصيت أبنائي في حياتي بلزوم
صحبتَه، وبحسن عشرته، والاستفادة بما آتاه الله من خُلُقٍ وعلمٍ ووفاء.. وأن يبقوا
على هذا العهد معه في حياتي وبعد مماتي. لكن سبحان من له البقاء وحده؛ فإذا بالرجل
الذي كنت أرجو أن يكون سندًا لهم من بعدي؛ يسبقني هو إلى الله.!! وهكذا يعلّمنا
الفقد من جديد أن الآجال لا تستأذن الأمنيات، وأنَّ لكل أجل كتابًا!
اقرأ أيضاً:
عبدالقادر المهدي.. حين يختم الله للعبد بأحب الأعمال إليه
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
محمود متولي ..أبو إبراهيم
منذ أسبوعينالله يرحم الشيخ عبد القادر وزوجه ووالله ما رأيت منهما الا كل خير ...فكانا ملكيين في صورة بشر ..فليس لهما بديلا في الخير ...فكانا جابرين للخواطر ساعيين في الخير في شتى جوانب الحياة ...كانا يكفي ابتسامتها وحبهما للخير ...هنيئا لكما الجنة والشهادة في سبيل الله كفاكما أنكما كنتما صائمين ملبين افطار الصائمين ..فلن ننساكما ولن ننسى أبواب الخير واجتهادكا لإسعادمن حوالكما فوالله لقد سئمت الحياة بعدكم أبا إلياس..أم إلياس