ملفات إبستين الساختة
«تسريبات إبستين».. وانهيار معيار التراضي في الفلسفة الغربية
بالأمس القريب، استيقظ العالم كله على هزة أخلاقية مدوية أتت بنيان الحضارة الغربية الزائفة من قواعدها، حيث كشفت «تسريبات إبستين» عن فضائح النخب الغربية التي تلبس ثوب التحضر، وتدعو إلى حفظ حقوق الحيوان قبل الإنسان زوراً وبهتاناً.
و«تسريبات إبستين» عبارة عن وثائق قضائية، وشهادات لضحايا تتهم الملياردير الأمريكي جيفري إبستين وعدداً كبيراً من النخب الشهيرة عالمياً بإدارة شبكات عالمية لاستغلال القاصرات في القيام بأعمال منافية للأخلاق والآداب.
وإن أخطر ما كشفت عنه هذه القضية الخلل العميق المتجذر في قلب المنظومة الأخلاقية والقيمية لدى الحضارة الغربية، خلل لا يمكن تفسيره بضعف رقابة عامة، أو انحراف عرضي لبعض الأفراد، وإنما ينم عن فساد في المعيار الأخلاقي، وانقلاب في ميزانه، الذي جعل الوقوع في الرذيلة، ونشر الفاحشة، وشيوع اللقطاء واستغلال حاجة القصّر والضعفاء في المجتمع متوقفاً على مبدأ «التراضي» بين الزاني والزانية.
بطلان معيار «التراضي» عقلاً وشرعاً
ينظر القانون الغربي إلى الجسد البشري على أنه ملكية شخصية، يحق لصاحبه أن يتصرف فيه كيفما شاء، وذلك بشرطين؛ الرضا والسنّ القانونية.
ولما كانت السن يسهل تزويرها والتلاعب في بياناتها، والرضا يمكن شراؤه بالمال، أو انتزاعه بالنفوذ والابتزاز، أو التحايل عليه في المناطق الرمادية من العمر والوعي، كان هذا المعيار زائفاً باطلاً، وكل ما بني عليه أيضاً فهو باطل.
ولقد أدرك الإسلام منذ البداية ما لم تدركه الفلسفة المادية من أن رضا الناس عن أمر ما لا يصلح أن يكون معياراً معتمداً لثبوت الحق، إلا أن يكون مدعوماً بنصوص الوحي، فقال الله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام: 116).
وهذه حقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، فقد يرضى الإنسان بما يهلكه، وقد يختار ما يذله، ويقبل ما ينتهك فطرته، وإن الواقع ليشهد بأن أكثر الناس يحبون الباطل ويرضون الكفر والشرك والإلحاد؛ (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف: 103)، فالرضا ليس دوماً دليلاً على الصواب، وإلا لكان الانتحار، وتعاطي المخدرات، وبيع الأعضاء أفعالاً مشروعة إذا رضي بها صاحبها.
ولهذا، لم يجعل الإسلام الرضا ميزانًا مطلقًا، بل قيّده بالحلال والحرام، وربطه بالمصلحة الحقيقية للإنسان لا بشهوته العارضة، وإن إعلان القبول، والتصريح بالرضا، لا يعني سلامة الفعل ولا صلاحيته، حتى وإن كثر المعلنون وغلب المصرحون.
خطر «التراضي» على الفرد والمجتمع
لقد كشفت «تسريبات إبستين» أن النظام الذي يجعل رضا الإنسان-ذي العقل القاصر، والنفس الضعيفة- معيارا فاصلاً بين الممنوع والمشروع، وبين الجريمة والمباح، نظام متهاوٍ، يفتح بابًا واسعًا لاستغلال الضعفاء، والتلاعب بالقاصرات، وتحويل الكرامة الإنسانية إلى بندٍ في عقد مدني، حيث يُفصل الجسد عن القيم، ويصبح سلعة تباع وتشترى، وتوهب وتكترى.
فالنفس التي يحكمها الهوى وحده، بلا ضابط أعلى، تفقد معناها وقيمتها، وتنحط إلى مهاوي الحيوانية لا محالة، وهذا هو الواقع المرير الذي تعاني منه المجتمعات الغربية المعاصرة، ولذا لم تكن أنشطة شبكات إبستين خروجًا عن المألوف، ولا خرقاً للنظام والقانون المعروف، بل كانت تطبيقًا حرفياً لمنطقه ومدلوله.
موقف الشريعة الإسلامية من «التراضي»
وفي المقابل، تقوم الشريعة الإسلامية على أساس مختلف جذريًا عن الفلسفة المادية الغربية، فالمرجعية القانونية المعتمدة فيها هي نصوص الوحيين، لا الهوى، وضابطها الحل والحُرمة لا الرضا، والمقصد منها تنظيم الحياة وحفظ الكرامة الإنسانية، لا إشباع الغريزة الجنسية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها» (منهاج السنة، 1/ 147).
وقال ابن القيم: «الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحِكَم كلها» (إعلام الموقعين، 3/ 1).
هذه هي الشريعة الربانية التي تناسب فطرة الإنسان، وتحفظ له عقله وجسده ومصالحه، وتسد الذرائع المفضية إلى ما يفسد ذلك عليه.
«تسريبات إبستين» في ضوء قاعدة لا ضرر ولا ضرار
ومن الأمور الخطيرة التي كشفتها «تسريبات إبستين» أن «الرضا» يُستخدم كغطاء لضررٍ محقق ومفسدة راجحة تضر العامة، وهذا ما جعل المجتمعات الغربية تعج بمستشفيات الولادة داخل أسوار المدارس والجامعات.
فبسم الرضا تكشف العورات، وتنتهك الحرمات، وتختلط الأنساب، وتباع الأجساد، ويقع الخنا والفساد، ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية بقاعدة كلية تسد بها هذا الباب فقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)؛ أي أن كل ما يفضي إلى مفسدة راجحة، أو ضرر مؤكد؛ فهو ممنوع شرعًا، وإن تذرع أصحابه بالرضا به، وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام.
ومن هذا المنطلق، تكون الشريعة الإسلامية أقدر على حماية القصَّر والضعفاء من أي نظام يقوم على العقود المادية المجردة، والمبادئ الفضفاضة.
موقف الإسلام من تعاطي الفاحشة
وقد وضع الإسلام سياجاً منيعاً بين المجتمع المسلم، وكل ما من شأنه إشاعة الفواحش، وقطع كل الطرق الموصلة إليه، لتظل الفطر نقية، والمجتمع طاهراً سليماً.
1- فحرم الخلوة والاختلاط بالأجنبيات، فقال صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ!»، فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ، أفرأيتَ الحموَ؟ قالَ: «الحموُ الموتُ» (متفق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» (متفق عليه).
2- وحذر من مصافحتهن فقال: «لَأنْ يُطعَنَ في رأسِ رجلٍ بِمِخْيَطٍ من حديدٍ خيرٌ من أن يمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له» (صحيح الترغيب والترهيب).
3- وفرض على المرأة الحجاب كعامل وقائي للمجتمع من الفتنة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب: 59).
4- وحرم نشر الفاحشة والتطبيع معها، وتوعد من يقوم بإشاعتها فقال تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور: 19).
5- وحرّم الإسلام الزنى ومقدماته تحريمًا قاطعًا، وسدّ الذرائع المؤدية إليه، لا تضييقًا على الحرية، بل حماية للإنسان من التحول إلى سلعة مادية.
6- فأمر الرجال والنساء بغض البصر قطعاً للطرق الموصلة إلى الرذيلة، فقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور).
7- ثم جعل الزنى جريمة بشعة -وإن وقعت بالتراضي بين الطرفين-؛ لأنه انتهاك لحرمة الإنسان واعتداء على الفطرة وهدم لقيم المجتمع، فقال الله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الإسراء: 32).
8- وجعل للزناة عقاباً رادعاً، يدور حول الرجم للمحصن والجلد لغيره، فقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (النور: 2).
9- كما شجع على الزواج وأمر بتيسيره وأباح التعدد كبديل فطري لتصريف الشهوة في الحلال بدلاً من كبتها وقمعها، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج..» (متفق عليه). إلى غير ذلك من الحواجز والسبل التي تحول بين المجتمع والوقوع في الفاحشة
وهنا لا بد من سؤال مهم: تُرى أي المعيارين أنسب عقلاً وفطرة وأكثر حماية للقصر والضعفاء والمجتمع بأسره؟ هل المعيار الغربي الذي يبيح الفاحشة لمجرد التراضي، أم معيار الإسلام الذي ضبط المسألة بوضعها في نطاق الحِلّ والحرمة بعدما سن لها طريقاً مباحاً طاهراً؟
لقد أثبتت «تسريبات إبستين» أن معيار «التراضي» هشّ، قابل للبيع والابتزاز، وأنه يعجز عن حماية الإنسان حين تختل موازين القوة، بينما يظل مبدأ «الحِلّ والحُرمة» في الشريعة الإسلامية سدًّا منيعًا أمام هذا الانحدار، فليست المشكلة في قلة المبادئ والقوانين، بل في غياب المرجعية الأخلاقية العليا لها.
ولذا، سيظل الإسلام، رغم الهجوم الهمجي عليه، يقدّم للبشرية حقيقة ثابتة؛ أن كرامة الإنسان لا تُحمى بالعقود المادية ولا تُصان بالرضا والأهواء النفسية، بل تُحفظ بشريعة الله المُصلحة لكل زمان ومكان.
اقرأ أيضاً: