في الآيات (14 – 19)..

بلاغة التصوير القرآني لشخصية المنافق في مطلع سورة «البقرة»

محرر سحر البيان

20 نوفمبر 2025

337

حرص القرآن الكريم في الكثير من مواضعه على تنقية المجتمع المسلم من بعض الصفات الخبيثة التي تنخر كالسوس في أعمدته؛ فتهوي به إن لم يكن هناك سبيل لمواجهتها والقضاء عليها، ويأتي على رأس هذه الصفات صفات المنافقين التي ظهرت في المجتمع المسلم منذ بداية الدعوة.

وتبرز هذه المعالجة بوضوح في بدايات سورة «البقرة» في قول الله تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) (البقرة).

والذي يمعن النظر في هذه الآيات الكريمة يجد نموذجاً متفرداً في البيان القرآني؛ حيث تنتقل من رصد السلوك النفسي للمنافق إلى تجسيد مآله في أمثال حسيّة مذهلة.

وفي السطور التالية نسلط الضوء على آليات اللغة والبلاغة التي اعتمدها النص القرآني لتعرية هذه الشخصية المركبة وكشف خسرانها.

أولاً: بلاغة تصوير الازدواجية والمكر:

يفتتح النص القرآني بوصف سلوك المنافقين عبر بناء لغوي يقوم على التناقض الزماني والمكاني والقولي، فيرسم مشهداً دقيقاً لازدواجية الموقف التي هي جوهر النفاق، وذلك على النحو التالي:

أ- المقابلة في الرصد والتصوير:

في التركيب الدقيق في قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) تتجلّى أربع مقابلات متضادة:

1- المقابلة الحركية «لَقُوا» (الاجتماع الظاهر) يقابل «خَلَوْا» (الانفراد السري).

2- المقابلة المكانية «الَّذِينَ آمَنُوا» (البيئة الإيمانية) يقابل «شَيَاطِينِهِمْ» (البيئة الكفرية).

3- المقابلة في أدوات الصلة: استخدام «إلى» في (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)، يفيد معنى الانتهاء والالتجاء؛ أي أنهم يرجعون ويركنون إليهم، وليس مجرد الخلو معهم، وهو ما يزيد من دلالة الولاء العميق.

4- المقابلة في القول «آمَنَّا» (إظهار للإيمان المجرد) يقابل «إِنَّا مَعَكُمْ» (تأكيد للمعية والموافقة).

ب- القصر وتأكيد النية الخبيثة:

يأتي قولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بـأسلوب القصر (باستخدام إنَّما) الذي يفيد إثبات الاستهزاء لهم وحصره فيهم، ونفي أي نية أخرى حسنة. هذا القول هو بمثابة تأكيد سري لـخبث مقصودهم؛ حيث يرى المنافق فعله ذكاءً وكياسة، لكن النص القرآني يفضحه أمام الملأ.

ثانياً: بلاغة المجازاة والإمهال:

يُعتبر الرد الإلهي في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) من أرقى فنون البلاغة القرآنية من حيث:

أ- المشاكلة اللفظية لـ«الجزاء»:

فتفسير (يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ليس على ظاهره؛ إذ يستحيل على الله صفة الاستهزاء المذمومة، بل هو أسلوب المشاكلة اللفظية، كما أشار المفسرون.

يقول القرطبي: أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم، فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيراً في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا      فنجهل فوق جهل الجاهلينا

فسمى انتصاره جهلاً، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما، وكانت العرب إذا وضعوا لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفاً له في معناه. (الجامع لأحكام القرآن، 1/ 208).

ب- دلالة الفعل «يمدّهم»:

استخدم الفعل «يَمُدُّهُمْ» في صيغة المضارعة بمعنى الزيادة والإطالة، ليفيد تجدد المد واستمراره على سبيل الاستدراج والإمهال من الله، حيث يتركهم يتمادون ويزدادون في الطغيان (تجاوز الحد في الكفر والعصيان)، والنتيجة الحتمية هي «يَعْمَهُونَ»؛ أي يتخبطون ويتيهون في الضلال، وهم لا يعلمون إلى أين يسيرون.

ثالثاً: الاستعارة التمثيلية وصفقات الخسارة:

تنتقل الآية السادسة عشرة من السلوك النفسي إلى الميزان الاقتصادي عبر استعارة قوية لتصوير المآل (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)، ويتمثل جمالها البلاغي فيما يلي:

أ- دلالة الفعل «اشتروا»:

إن إسناد فعل «اشْتَرَوُا» إلى الضلالة خرج بالصورة البلاغية من كونها تشبيها، إلى كونها استعارة تصريحية تبعية تجعل الضلالة سلعة والهدى ثمناً؛ فهي تصوّر فعل المنافق كصفقة تجارية، فهو يترك الهدى مختاراً (الثمن الباهظ) ويأخذ الضلالة (السلعة الخسيسة)، وهو يعتقد أنه الرابح في هذه المقايضة، وهذا تأكيد أن النفاق كان اختياراً وليس جهلاً.

ب- التذييل القاطع بنفي الربح والاهتداء:

تختم الآية بتذييل شامل يحسم النتيجة (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)، هذا النفي المزدوج يؤكد الخسارة الشاملة:

  • (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ): خسارة دنيوية ومادية (بمعنى أن نفاقهم لم يجنِ لهم نفعاً حقيقياً).
  • (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ): خسارة أخروية وروحية (بمعنى أنهم لم يجنوا ثمرة الهدى مطلقاً).

رابعاً: تجسيد الخيبة عبر الصور الحسية:

يأتي ضرب الأمثال ليُخرج المعنى العقلي المجرد إلى صورة حسيّة ملموسة، وهو أسلوب يرسخ الفكرة ويشد الانتباه.

أ- مثل ذهاب النور (النار المطفأة):

المثل الأول يصور حال من عرف الهدى ثم فقده (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا).

  • الاستيقاد: هو إظهارهم للإسلام أو انتفاعهم بنوره الظاهر.
  • الإضاءة المؤقتة (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)؛ أي استفادوا من ضوء الإسلام ظاهرياً كالأمان والمعيشة.. إلخ.
  • عقوبة السلب (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) هناك فرق دقيق بين «أضاءت» و«بنورهم»، حيث أضاءت (الفعل) يفيد وقوع الضوء للحظة، بينما «النور» (الاسم) يفيد المادة المستمرة للضوء والهداية، فسلب الله عنهم أصل الهداية والمنفعة، وتركهم (فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).

ب- سلب النور وصفهم بالصم والبكم والعمي:

يأتي وصفهم بـ(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)؛ ليكون بمثابة بيان لنتيجة سلب النور، هذا تشبيه بليغ يفيد أنهم فقدوا أدوات تلقي المعرفة والاهتداء:

  • صُمٌّ: عن سماع الحق والقبول به.
  • بُكْمٌ: عن النطق به والشهادة عليه.
  • عُمْيٌ: عن رؤية آيات الله الدالة عليه.

وهذا يؤدي حتماً إلى الختام القاطع (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)؛ أي لا يجدون طريقاً للعودة بعد انسداد منافذ المعرفة عليهم.

والخلاصة أنه تتجلى في هذه الآيات عدة مشاهد مترابطة لا تترك جانباً من جوانب الشخصية المنافقة إلا وكشفته؛ فقد استخدم النص القرآني أدواته البلاغية (المقابلة، القصر، المشاكلة، الاستعارة التمثيلية، وتنوع الأمثال الحسية) لصياغة لغة كاشفة وفاضحة.

ولا ريب أن هذا العمق في التصوير يؤكد أن البيان القرآني ليس مجرد كلام؛ بل هو سحر مُبين يخرق حجب القلوب ويكشف سرائر النفوس.

 

 

اقرأ أيضاً:

مفارقة الصلاة والرياء.. تحليل بلاغي لصفات المكذب بالدين في سورة "الماعون"

قراءة نفسية وبلاغية في مشهد يونس وكعب والشاب الحالم

مراعاة اللفظ أو المعنى.. وأثره في توسيع الدلالة اللغوية

سؤال الإعجاز: أين يقف كلام الله بين فنون القول العربي؟

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة