الخصوصية الثقافية والحروب السيبرانية..

كيف نحافظ على الهوية الإسلامية في الفضاء العالمي؟

كيف نحافظ على الهوية الإسلامية في الفضاء العالمي؟

يُقصد بـ«الحروب السيبرانية» أفعال دولة أو منظمات دولية بمهاجمة ومحاولة إتلاف حواسيب أو شبكات معلومات دولة أخرى، من خلال فيروسات الكمبيوتر أو هجمات حجب الخدمة، وضمن هذه الحروب السيبرانية، يظهر الدور الخطير المتصاعد لـ«الذباب الإلكتروني»، الذي أصبحت تقوم به هيئات كبيرة وليس مجرد أشخاص، ويجري تنظيمه للسيطرة على «الترند»، ومحاولة الإقناع عبر بث معلومات مزورة أو مشوهة.

فقد يقوم هذا الذباب بحملات فتنة بين الشعوب العربية والإسلامية، وقد نجح في كثير من المرات، ربما بسبب خلافات سياسية بين النظم الحاكمة، في نثر بذور خلاف بين الشعوب، وقد يلعب على وتر تشويه القيم الإسلامية في المجتمع ومحاولة إحلالها بقيم غير إسلامية بحجة التقدم والتكنولوجيا وتحول العالم لقرية عالمية واحدة لا يجوز معها الاستمرار في التقيد بقيم أو عادات قديمة، في إشارة للقيم الإسلامية.

الخصوصية الثقافية هي السعي للحفاظ على الهوية الإسلامية وعدم السماح بالذوبان في الفضاء العالمي

لذا، يقصد أيضاً بـ«الحرب السيبرانية» على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، على المستوى الشخصي وثقافات الشعوب، حماية هوية البلدان المختلفة من الذوبان في هذا البركان الهائج من المعلومات، وخاصة المعلومات المضللة أو التي تستهدف تدمير الثقافة الذاتية، مثل الشخصية الإسلامية وقواعد الشريعة عبر وسائل مختلفة.

الخصوصية تعني الهوية

من هنا تأتي أهمية الخصوصية في المجال السيبراني، وهي الحق بالتحكم في كيفية عرض معلوماتك واستخدامها، وهي (الخصوصية) تختلف عن الأمان؛ الذي هو الحماية من التهديدات أو الأخطار.

فالخصوصية هي حقك في إدارة معلوماتك الشخصية، وحماية خصوصيتك الثقافية، والأمن هو حماية هذه المعلومات، في العالم الرقمي، وعدم السماح بالوصول غير المصرح به إلى البيانات، الذي غالباً ما يتضمن الحماية من المتسللين أو مجرمي الإنترنت.

لذا، تعتبر الخصوصية الثقافية في مجال الحروب السيبرانية هي السعي للحفاظ على الهوية الإسلامية وعدم السماح بالذوبان في الفضاء العالمي، بحجج أننا نعيش في قرية واحدة ولا يمكن أن ننعزل، ومن ثم نسمح بأن نذوب (مع هويتنا وثقافتنا الإسلامية) في طوفان العالم الملحد أو المعادي للإسلام!

ويجب أن ترتبط قضية الخصوصية الثقافية بالبحث عن طرق وسائل للحفاظ على الهوية الإسلامية في ظل تصاعد دور شبكات التكنولوجيا والاتصالات والإنترنت التي فتحت الطريق أمام العولمة وجعلت من الصعوبة مواجهتها، وأن يحدث العكس، وهو محاولة استغلال هذه العولمة والحركات المناهضة لها في التأكيد على الهوية الإسلامية ونشرها مستغلين هذه العولمة.

الأمن السيبراني له مكانة مهمة في الإسلام وأنه مـن مقاصـد الـشريعة المرتبطـة بالأمـة وبنـاء الأحكام الشرعية

وبدلاً من أن يسعى غيرنا لإفساد ومحو خصوصيتنا الثقافية لصهرنا ودمجنا في الثقافات الأقوى، يكون هناك تخطيط أكثر وعياً للاستفادة من هذه العولمة في نشر ثقافتنا الإسلامية والدعوة الإسلامية بصورة أكثر يسراً، أو على الأقل التأكيد على الفخر بالهوية الإسلامية ورفض الذوبان في الفضاء الإلكتروني.

وهناك دراسات حول «الأمن السيبراني في ضوء مقاصد الشريعة»، أشارت إلى أن الأمن السيبراني له مكانة مهمة في الإسلام ظهرت من خلال النصوص، وأنه مـن مقاصـد الـشريعة العامـة المرتبطـة بالأمـة وبنـاء الأحكام الشرعية، وأن الأمـن الـسيبراني يتصل بفقه السياسة الشرعية في الدولة الإسلامية، فالإسلام وضـع ضـوابط توجـه سياسة الدولة في مواجهـة التهديـدات الأمنية.

وضمن هذه الخصوصية الثقافية في الحروب السيبرانية في عصرنا الحالي، من المهم التغلب على محاولات دعاة التغريب الثقافي، الزعم أن التكنولوجيا تغلبت على الأيديولوجيا، وأن العالم قرية واحدة، ولا معنى للخصوصية الثقافية بالتالي للعالم الإسلامي؛ لأن جانباً من الحروب السيبرانية هو محاولة محو الخصوصية الثقافية الإسلامية وإحلالها بخصوصيات الغرب الصليبي أو الملحد؛ حيث تواجه الخصوصية الثقافية العربية تحديات نتيجة لاستفحال ظاهرة العولمة في بعديها الاقتصادي والثقافي، وما يترتب على ذلك من أخطار تهدد المقومات الأساسية للهوية العربية والإسلامية.

ويرى خبراء الإنترنت وعلوم الاجتماع أن من المهم الحرص على توضيح وبيان أن الهوية الإسلامية الحضارية يعود تاريخها لعدة قرون منذ ظهور الإسلام، وبالتالي فهي مكون رئيس في الحضارة الحالية، وعدم السماح بفقدان هذا الارتباط بالميراث الحضاري لصالح قوى وتيارات عالمية نشأت حديثاً (مثل أمريكا) وترغب في فرض ثقافتها وهويتها المادية الإلحادية على العالم.

الجمع بين الثابت والمتغير

ويصف د. بشير عبدالفتاح ذلك في كتاب له هذه الخصوصية الثقافية، بـ«الجاهزية للدفاع عن النفس»، وهو ما يتمثل في الضوابط والحدود التي تضعها الخصوصية الثقافية أثناء التفاعل والتواصل مع ثقافات العالم الخارجي، ويرى أنه يجب على عالمنا العربي والإسلامي ألا يرفض ذلك التفاعل تماماً ويتمركز حول ذاته؛ لأن ذلك من شأنه أن يجعله يتصف بالجمود والركود، لكنه في الوقت نفسه يجب ألا ننجرف في ذلك التفاعل دون أن ندافع عن أنفسنا وإلا سينتهي الأمر إلى هيمنة بعض الثقافات الأخرى علينا.

ما يميز الخصوصية الثقافية الإسلامية أنها ربانية المصدر فهي مستمدة إجمالاً من وحي السماء وهدي الأنبياء

ويطالب بالجمع بين الثابت والمتغير؛ أي الانفتاح على الثقافات الأخرى والتأثر بها، مثل تأثرنا بالعوامل التاريخية والسياسية وغيرها والتغير معها، ولكن دون أن يجعلنا ذلك نفقد خصوصيتنا تماماً، والمحافظة على السمات الأساسية الثابتة التي تميزنا عن غيرنا.

والأهم هو الاضطلاع بأدوار حضارية، مستفيدين من الخصوصية الثقافية الذاتية التي لها طابع خاص ومميز، يميز هويتنا عن غيرها بين الثقافات والحضارات الأخرى.

ويرى خبراء آخرون أن ما يميز الخصوصية الثقافية الإسلامية عن غيرها من الثقافات، في عصر العولمة الذي كادت تزول فيه الفواصل وتلغى المسافات بسبب التقنيات والاتصالات الفضائية الحديثة؛ هو أنها ثقافة ربانية المصدر، فهي مستمدة إجمالاً من وحي السماء وهدي الأنبياء، وشاملة لجميع المجالات، ما يميزها عن الثقافات الأخرى سواء الوضعية أو التي تدعي ارتباطها بأديان أخرى.

كما أن المجال السيبراني يوفر عناصر توصيل جديدة ومبتكرة، عبر وسائل التواصل والإنترنت والحملات الإلكترونية وغيرها، لهذه الدعوة الربانية، لم تكن متاحة خلال أوقات النبوة أو بعدها، وتتوافر حالياً ويجب استغلالها ليس فقط للحفاظ على الخصوصية الثقافية، بل والاستفادة من هذه الخصوصية في التعريف بها وريادة العالم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة