استيطان يتمدد ومقاومة تتجذر (2)
المقاومة في الضفة.. تراجع تكتيكي أم إعادة تموضع؟
تشهد الضفة الغربية في السنوات الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق من قبل الاحتلال «الإسرائيلي»،
يتجلى في حملات الاعتقال الواسعة، وهدم المنازل، وتوسيع الاستيطان، وفرض المزيد من
الإجراءات القمعية.
وعلى الرغم من هذا الضغط المتزايد، فإن المقاومة الفلسطينية في الضفة لا
تزال فاعلة، وإن كانت تمرّ بتحولات تكتيكية تتناسب مع طبيعة التحديات المفروضة
عليها، فالسؤال المركزي سيكون حول ديناميات المقاومة في الضفة الغربية، وآليات
تجددها رغم محاولات الاحتلال إخمادها.
ويمكن تحليل التصعيد «الإسرائيلي» من خلال عدة عوامل، لعلّ أبرزها الإستراتيجية
الأمنية «الإسرائيلية» التي تعتمد على سياسة «الجز العشبي» التي تهدف إلى إضعاف
البنية التحتية للمقاومة، كما إضعاف البؤر النضالية عبر الضربات الأمنية المستمرة؛
ما يمنع تشكّل حركات مقاومة قوية ومنظمة، كما أن التنسيق الأمني يؤدي دورًا في
ملاحقة بعض أشكال المقاومة؛ ما يضعف قدرتها على العمل العلني، ويدفعها نحو العمل
السري أو الفردي.
كما أن الاستيطان والتوسع الجغرافي تشكّل في زيادة المستوطنات «الإسرائيلية»
التي تعتبر بؤرًا أمنية تفرض واقعًا جغرافيًا وعسكريًا معقدًا؛ ما يقلل من قدرة
المقاومة على التحرك بحرية، الذي أدى بدوره إلى تجزئة المناطق الفلسطينية، عدا عن
فرض عقوبات جماعية تشمل هذه العقوبات حصار المدن، وهدم منازل المقاومين، وفرض قيود
اقتصادية واجتماعية تهدف إلى خلق حالة من الردع الجماعي ضد العمل المقاوم.
المقاومة الفلسطينية.. بين التحديات وإعادة التموضع
على الرغم من هذا الضغط المكثف، فإن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية
لم تنتهِ، بل شهدت تحولات إستراتيجية يمكن تحليلها وفق عمل اللامركزية في المقاومة
بدلًا من الاعتماد على البنى التنظيمية التقليدية، فقد ظهرت مجموعات مقاومة محلية
تعمل بصورة مستقلة، مثل كتيبة جنين وطولكرم وطوباس وبلاطة وعرين الأسود في نابلس
من قبلها، هذه المجموعات تعتمد على العمل غير المنظم الذي يصعّب على الاحتلال
استهدافها بشكل مباشر؛ لأن عملها يعتمد على التكتيك الفردي والمقاومة الذئبية؛ لذا
ازدادت العمليات الفردية التي ينفذها فلسطينيون غير مرتبطين بتنظيمات؛ ما يجعل من
الصعب توقعها أو إحباطها مسبقًا.
عدا عن ذلك، فإن التكامل بين المقاومة الشعبية والمسلحة شهدت واقعاً ميدانياً
في الضفة مثل نوعًا من التكامل بين المقاومة الشعبية (التظاهرات، المواجهات،
وحركات المقاطعة) والمقاومة المسلحة؛ ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني للاحتلال،
هذا بدوره عمل على إعادة إنتاج الخطاب المقاوم، فمع تصاعد القمع «الإسرائيلي»،
تزايدت التعبئة الجماهيرية حول خيار المقاومة؛ ما عزز من حضورها في الثقافة
السياسية الفلسطينية، لا سيما بين فئة الشباب.
البعد الإستراتيجي لمستقبل المقاومة في الضفة
رغم المحاولات «الإسرائيلية» للقضاء على المقاومة، فإن هناك عوامل تشير إلى
استمرارها وتجددها، لعلّ أبرزها تحولات الرأي العام الفلسطيني؛ حيثُ أظهرت
الدراسات أن هناك ميلًا متزايدًا لدى الشارع الفلسطيني نحو تأييد المقاومة
المسلحة، خصوصًا في ظل فشل المسار التفاوضي وانسداد الأفق السياسي، ومن جانب آخر،
فإن عامل التأثير الإقليمي والدولي انعكس على المقاومة الفلسطينية بمحيطها
الإقليمي، حيث أدت المتغيرات السياسية في المنطقة إلى تعزيز حضورها على الساحة
الدولية، سواء من خلال دعم حلفاء أو تصاعد حملات المقاطعة ضد الاحتلال، هذا الواقع
خلق جيلاً جديداً من المقاومين، فقد تشكلت فئات شابة في الضفة الغربية التي أصبحت
العمود الفقري للموجة الجديدة من المقاومة، حيث تتحرك هذه الفئة بروح غير تقليدية
وبعيدة عن الأطر التنظيمية الكلاسيكية؛ ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الضغوط
الأمنية.
إضافة لذلك، فإن عامل الهشاشة الداخلية «الإسرائيلية» تصاعد بشكل غير مسبوق،
حيثُ تعاني «إسرائيل» اليوم من أزمات سياسية داخلية وانقسامات حادة؛ ما أضعف من
قدرتها على تبني إستراتيجية حاسمة لإنهاء المقاومة في الضفة.
بين الديناميكيات المحلية والتأثيرات الجيوسياسية
لا يمكن فهم تجدد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية بمعزل عن السياقات
المحلية والإقليمية والدولية التي تؤثر في مسارها، فالمقاومة ليست مجرد فعل داخلي
معزول، بل هي جزء من شبكة أوسع من التفاعلات السياسية، والأمنية، والاقتصادية التي
تؤثر على طبيعتها واستمراريتها، فالديناميكيات المحلية والواقع السياسي والاجتماعي
داخل الضفة الغربية ما زال يواجه العديد من التحديات التي تؤدي دورًا في تشكيل
مستقبل المقاومة، لعلّ أبرزها الانقسام السياسي الفلسطيني الذي أدى إلى خلق حالة
من الاستقطاب السياسي أثرت على مسار المقاومة في الضفة، بينما تسيطر السلطة
الفلسطينية على الأوضاع الأمنية، إلا أن الفصائل الأخرى نجحت في الحفاظ على وجودها
المقاوم؛ ما أدى إلى صراع بين نهجين؛ نهج المفاوضات ونهج المقاومة المسلحة.
مضافاً لذلك، فإن الفلسطينيين في الضفة الغربية يعانون من الأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية الصعبة نتيجة للحصار «الإسرائيلي»، والقيود المفروضة على
حركة الأفراد والبضائع؛ ما زاد من حالة الاحتقان والغضب الشعبي ودفع باتجاه تبني
نهج المقاومة كوسيلة للاحتجاج السياسي والاجتماعي.
تحولات في الخطاب السياسي الفلسطيني
مع تراجع الآمال بحل سياسي عادل، بدأت المقاومة تأخذ طابعًا جديدًا، حيث
أصبحت الفصائل تستثمر في تعزيز الهوية الوطنية والثقافة السياسية الداعمة للمقاومة؛
ما خلق بيئة تُفرز جيلًا أكثر تمسكًا بالمقاومة المسلحة، وقد تزامن ذلك مع تصاعد
محور المقاومة في المنطقة، وما زال يشهد الشرق الأوسط تحولات مهمة في توازنات
القوى، حيث تصاعدت قوى محور المقاومة (إيران، «حزب الله»، «الحوثي» في اليمن،
والمقاومة العراقية، وبعض الفصائل الفلسطينية في سورية)، فأصبحت أكثر قدرة على
التأثير في المشهد الفلسطيني، سواء من خلال الدعم العسكري والمالي أو من خلال
التأثير السياسي.
إلا أن هنالك عومل موضوعية أثرت على الوضع الفلسطيني الداخلي، أبرزها
اتفاقيات التطبيع بين بعض الدول العربية و«إسرائيل»، التي أدت إلى خلق تحديات
جديدة للمقاومة، حيث حاولت «إسرائيل» استثمار هذه العلاقات في زيادة الضغط على
الفصائل المسلحة، وفرض عزلة سياسية عليها في المحافل الدولية، ومع ذلك لم ينجح
التطبيع في إخماد جذوة المقاومة، بل أدى إلى تعزيز حالة الغضب الشعبي الفلسطيني
وزيادة الشعور بالعزلة؛ ما دفع الشباب نحو العمل المقاوم.
الدور الدولي
السياسات الأمريكية والأوروبية رغم استمرار الدعم الأمريكي المطلق لـ«إسرائيل»،
فإن هناك تغيرات طفيفة في الخطاب الدولي، حيث بدأت بعض القوى الغربية تعترف
بتجاوزات الاحتلال «الإسرائيلي»، خاصة في ظل الجرائم المتزايدة بحق المدنيين
الفلسطينيين، الذي أدى بدوره إلى تصاعد وازدياد الحركات الشعبية الداعمة لفلسطين
لتثبيت السردية الفلسطينية لمواجهة السردية «الإسرائيلية» في مقابل تراجع الدعم
الرسمي، وقد شهدت السنوات الأخيرة صعودًا لحركات المقاطعة (BDS) وحملات التضامن مع
الفلسطينيين؛ ما خلق ضغطًا على «إسرائيل»، وعزز شرعية المقاومة في المحافل
الدولية.
إن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية لا تتحرك في فراغ، بل تتأثر
بمجموعة من العوامل المحلية والإقليمية، والدولية، وبالرغم من أن الاحتلال «الإسرائيلي»
يسعى لتوظيف هذه الديناميكيات لصالحه، فإن المقاومة تثبت قدرتها على إعادة التكيف
مع الظروف، واستثمار التحولات السياسية لصالحها؛ ما يجعلها عنصرًا فاعلًا في
مستقبل الصراع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً