على هامش فضيحة «وثائق إبستين»
على حافة الهاوية يقف العالم واجماً،
وإلى مهوى سحيق يتجه الكوكب الأرضي بسرعة جنونية، الخلق كلهم في ذهول عمّا يجري،
كأنّهم يستقلون قطاراً ملعوناً ينزلق بهم على القضبان صوب حتفهم، وهم في بطن طويل
كبطن الثعبان منشغلون بالتزاحم والتهارش، ما هذا العالم المنحدر؟! ما هذه الأكوام
النتنة من زبالات الناس؟!
ثلاثة ملايين وثيقة ومئات الآلاف من
الصور وعشرات الآلاف من الفيديوهات وآلاف من الكُنَى والأسماء لرجال ونساء! قامات
سياسية واقتصادية وإعلامية وأكاديمية منتكسة في حمأة الرذيلة! فتياتٌ في عمر
الزهور اليانعة يُختطفن أو يُشْتَرَيْنَ أو يُستأجَرن، ثمّ يمارسن البغاء طوعاً
وكرهاً مع أجدادهنّ من الزعماء والرؤساء والمشاهير!
أيّ عفن وأيّ نتن وأيّ مستنقع هذا الذي
هوت إليه البشرية؟! أهو إبليس حلّ ناراً ودخاناً في جسد اللعين إبستين؟! أم إنّ
شياطين الإنس والجنّ كانوا من قبل يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ثم اليوم
سبقت الإنسُ الجنَّ في الإغواء والإضلال؟!
ربما لم يمرّ بالإنسانية مذْ وطئتْ هذا
الكوكب فجيعة أخلاقية كهذه، وربما لم يقع في كون الله على اتساعه وتعدد مجرّاته
خرقٌ للنواميس كهذا، ولئنْ كان قوم لوط قد انغمسوا في الشذوذ بما استوجب ذلك
العقاب المركب المرعب؛ فما الذي ينتظر البشرية إذا لم ينته أولاد الحرام هؤلاء عن
شذوذهم الذي فاقوا به قوم لوط بأضعاف مضاعفة؟!
لا ريب أنّ الأمر مخيف، تكاد السماوات
يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً، لا يستهين بما جرى إلّا من استمرأ
الفواحش واستطاب الخبائث، فتبلّدت طبيعته وأوغلت في البلادة والبلاهة حتى كأنّها
صيغت من الطينة التي صنعوا منها بيوت الدعارة المظلمة تلك.
فلترحلي بلا وداع أيتها الشمطاء
ها هي الحضارة المعاصرة قد شقت جلبابها
من أعلى جيبه إلى أسفل ذيله، وأبدت بلا خجل سوأتها، كم هي قبيحة ووقحة! كم هي
شديدة الشبق للرذيلة حتى بعد أن صارت عجوزاً شمطاء! لَكَمْ حاربت الحقيقة
والفضيلة! ولَكَمْ بذلت في سبيل الصدّ عن الحقّ والخير والجمال! لطالما اجتهدت في
إقصاء الخلق عن الحقّ وفي إبعاد العباد عن ربّ العباد!
فَمِنَ الدعوة للإلحاد وإنكار المعاد،
إلى إشاعة الشذوذ والرذيلة، إلى امتصاص دماء الشعوب واستعبادهم، إلى القتل الذريع
والتدمير المريع والتعذيب الفظيع الشنيع!
فما الذي يجعل البُلَهاء من قومنا يعجبون
بها؟! لماذا نرى منظري مشاريع النهضة لا يفتؤون يمجّدون في النموذج الغربيّ،
ويجلدون تراثنا وتاريخنا؟! نحن لا ننكر أنّ تاريخنا فيه كوارث، لكنّها إذا قيست
بتاريخ الحضارة المعاصرة بدت كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود، والعجيب أنّ هؤلاء
السفهاء يمارسون التمجيد للحضارة المعاصرة في وقت تتهاوى فيه وتنزلق إلى النهاية
المحتومة، ويمارسون في المقابل الجلد لتاريخنا وتراثنا في وقت يتأهّل فيه الإسلام
من جديد لأن يكون هو البديل لهذه الحضارة العجوز المولّية.
إنّ هذه الحضارة إلى زوال، وإنّ زوالها
لقريب، ولكنّنا نستعجل التمكين ونرتجل الطريق إليه، وما ينبغي لنا ذلك، وإنّما
ينبغي لنا -بل يجب علينا- أن نمضي إلى التمكين بخطى ثابتة واثقة، على هدى من شرع
الله ودينه الحقّ، وأن تكون لنا رؤية منبثقة من فهمنا لكتاب الله وسُنة رسوله وعمل
الخلفاء الراشدين المهديين الأولين.
وكذلك مشروع قائم على هذه الرؤية
الواضحة، تبرز فيه جميع المعالم الرئيسة، من أهداف إستراتيجية وأخرى إجرائية
عملية، ومراحل متدرجة في صعودها كل مرحلة تسلم إلى التي تليها في سلاسة ومرونة،
وخطط عملية تبنى على تحليل الأهداف ووضع الوسائل المناسبة لكل هدف منها، ووعي كامل
بالمنطلقات التي يجب أن ننطلق منها ليستقيم المسار، وبالقيم العليا الحاكمة لنأمن
من العثار، وبالمفاهيم الرئيسة الكلية المحكمة لتكون دستوراً للعمل وبوصلة للطريق،
وإدراك عميق وواعٍ للفرص والروافع، وللعقبات والتحديات؛ حتى نتمكن من مواجهة كلّ
جديد بما يليق به من الحلول.
أخرِجوهم إنّهم أناس يتطهرون
يكاد الكوكب الأرضي ينقلب ماخوراً هائلاً
يعجّ بالرذيلة، ويوشك الجبابرة أصحاب النفوذ فوق ظهره أن يقولوا: أخرجوا أتباع
محمد من كوكبكم إنّهم أناس يطهرون، مثلما قال أشباههم من الأوائل: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل: 56)، وإذا كان
الله تعالى قد قضى بإنجاء لوط وأهله -عدا امرأته عجوز السوء- بأن أسراهم بليل خارج
القرية التي قضى عليها بالهلاك؛ فإنّ نجاة هذه الأمة -عدا عجائز السوء منها- لن
تكون بخروجها من الكوكب، وإنّما بتطهير الكوكب كلّه من الدنس.
وهذا لن يكون إلّا بمواجهة الفتن بالروح
التي واجه بها يوسف عليه السلام الفتن العارمة القاصمة التي اجتاحته في غربة
الإسلام، فإنّه لم يبلغ التمكين إلا باستعلائه على الفتنة بكافّة صنوفها وصروفها،
فهذا معلم من معالم الطريق، لذلك قال تعالى بعد تمام القصة في آخر سورة «يوسف»: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا
أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108).
فيا شباب ويا فتيات أمتنا، ويا أيها
المسلمون رجالاً ونساء وشباباً وشيبة: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ) الآية (التحريم: 6)، ولا تكونوا كهؤلاء الذين قال الله
فيهم: (قُلْ إِنَّ
الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر: 15).
واحرزوا أهليكم وذراريكم عن الرذيلة
واحجزوهم عن النار، واعلموا أنّ من أشدّ ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم
وخوَّف منه أمته أن تتبع اليهود والنصارى وتدخل وراءهم جحر الضب، فقال صلى الله
عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْراً بِشِبْرٍ
وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ
لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» (متفق عليه البخاري
(7320)، ومسلم (2669))، وهل لجحر الضب مثال -في ظلمته وضيقه والتواء مساره وانطماس
مخرجه وفي نتنه وسوء عطنه- أصرخ من جزيرة إبستين اللعين؟! فاللهم سلّم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً