منزلة العلم والعلماء.. في حضرة المأمون

منزلة العلم والعلماء.. في حضرة المأمون

«فيه بعض مجون، وشرب نبيذ الكوفة ولم يشرب الخمر».. هكذا قال صاحب «سير أعلام النبلاء» في المأمون، وعن المأمون تواتر اعتقاده لبعض ضلال المعتزلة، ولأجل هذا أنزل النكال بأحمد بن حنبل، وهذا بعض ما قبح من سيرته.

أما ما حسن منها فشغفه بالعلم والآداب، وحبه لأرباب المعارف والحكماء، ومن حبه أدناهم وقربهم، وأسخى لهم في العطايا وأجزل الهدايا، وما كان ينعقد له مجلس سمر إلا وتصدره سدنة العلوم والحكماء.

وعلى واحد من تلك المجالس قدم النضر بن شميل المازني وعليه إزار مرقوع، أبصره المأمون فبادره السؤال عما به: يا نضر، ما هذا التقشف؟ أجابه: يا أمير المؤمنين، إنه حر مرو كما علمت، وأنا شيخ وأحب الطروح بهذه الخلقان.

ثم جلس لتدور رحى الحديث تطوف بهم في كل واد، وحطت بهم بعد تطوافها عند النساء، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل تزوج امرأة لدينها كان فيها سَداد -بفتح السين- من عوز».

قال النضر: يا أمير المؤمنين، صدق هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة قال، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد -بكسر السين- من عوز».

سمع المأمون ما قاله النضر، فبهت في عجب واعتدل جالساً وكان متكئاً، وببعض غضب قال: أتلحنني يا نضر؟ قال: بل لحن هشيم -وكان لحانة- وتبعه أمير المؤمنين، فهدأ بعض روعه وعاد في جلسته كما كان وسأل: وما الفرق بينهما؟ قال: السَّداد -بفتح السين- القصد في الدين والسبيل، والسِّداد -بكسر السين- تكون للثلمة.

أردف بسؤال ثان: أتعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، يقول العرجي:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا      ليوم كريهة وسداد ثغر

قال: قبح الله من لا أدب له، وراح يستنشد النضر أبياتاً مما قرضته العرب، والنضر يجود بالجواب على كل ما سأل، هنالك أمر المأمون غلامه أن يأتيه بقرطاس ليكتب فيه، وكتب في القرطاس ما جهله النضر، وأمر الغلام أن يصطحبه لوزيره الفضل بن سهل، ولما بلغا الوزير فتح الكتاب فوجد فيه أمراً بخمسين ألف درهم، فأصابه العجب! فسأل النضر عما وراء الخبر فأعاده عليه، فقال ببعض استنكار وغضب: أتلحن أمير المؤمنين؟! قال: بل لحن هشيم وأمير المؤمنين تبعه، صمت الوزير قليلاً ثم قال: وسأعطيك أنا ثلاثين ألفاً، قبضها جميعاً النضر وانصرف ليقول: إني اكتسبت ثمانين ألف درهم في حرف.

ليس يزري ضعف الحديث الوارد في المحاورة بها، ولن يحول ضعفه بيننا وبين أن نفيد منها، وفيها ما يفيد كل ذي نظر.

اعتب عليه كما ترجو من العتب      لكنه مأمون العلم والأدب

سجية العقلاء

(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)؛ هكذا أمر ربنا لنا، وليس يسع من يتقي ربه إلا الانصياع لما أمر، وعلى المأمون ما عليه من مثالب سافرات، وله ما له من محاسن بينات، ولا يجرمننا ما علمنا عليه من سوء على ألا نأتي على ذكر محاسنه وفي القلب منها رعايته للعلم والاحتفاء بالعلماء، هكذا تقتضي منا العدالة، وهكذا ينبغي أن يكون كل مؤمن، فالمؤمن على قول الحسن رحمه الله لا يحابي من يحب ولا يحيف على من يبغض، وتلك سجية كل عاقل منصف، كما هي سمة كل مؤمن.

أوتاد الممالك

شاع بين الناس بيت منظوم بحكمة قاله أمير الشعراء شوقي:

بالمال والعلم يبني الناس ملكهم     لم يبن ملك على جهل وإقلال

وتلك حقيقة يبصم على صدقها واقع الناس، فما من أمة نهضت على غير العلم، ولا تقدمت إلا به، ومن أيقن بتلك الحقيقة من مالكي أزمّة البلاد حتماً سيستفرغ الوسع في حض رعاياه على سلوك دروب العلم، وتجشم الصعاب في سبيله، يحثهم برعايته، ويحرضهم بعطاياه، ويعينهم على الصبر في طلبه برفع مكانتهم، وتقديمهم على من سواهم، وكل ذلك فعله المأمون وبزّ فيه السالفون من خلفاء بني العباس، فيا ليت شعري هل يحذو حذوه من اعتلى عرشاً في كل بلاد المسلمين؟ فمن فعل كان باغياً لبلاده الخير ولها مخلصاً، ومن أحجم عز أن يوصف بولاء أو بإخلاص.

الظل الزائل

قد يكثر المال ويفيض عند أحد الناس فتعلو مكانته بينهم بما ملك، لكن تلك مكانة لا ضامن لها، هي مرهونة ببقاء ذلك المال، فإن زال زالت، وانفض عنه المتزلفون، وقلاه المقربون.

ويل له ويل إذا عثرت به قدم الجدود * قد صار كالقبر الكئيب وكان كالقصر المشيد

                           قد عافه الخل الودود كأنه نتن ودود

فأين ذلك ممن رفعه علمه وجعله على الهامات مقدراً، وفي القلوب محبباً، فهو مبجل لذاته، مرغوب لشخصه، قدره لا يضمحل ومكانته لا تتضعضع، فالضامن هو العلم، والعلم في الصدور لا يزول، وكل ذلك تجلى في حكاية النضر مع الخليفة المأمون، فالرجل ما حاز المكانة لدى حاكم الدنيا إلا بعلمه، فما كان من ذوي الثراء ولا من أرباب الجاه.

رحم الله زمان عزة أمتنا، يوم أن كانت مهاد النور، مهاد الهدى، وذات السطوة العادلة، سطوة الحق والنور والعلم والعدل العميم.

اقرأ أيضًا

قصة اليهودي مع عبد الملك بن مروان ... العدل قيمة إنسانية

قصة عبد الملك بن مروان مع الأصدقاء

قصة المأمون والخادم .. حسن الأخلاق من خير الأرزاق

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة