الوسطية والاعتدال في زمن الصراعات الداخلية..

طريق الأمة إلى وأد الفتنة وبناء التفاهم

فرج كُندي

16 سبتمبر 2026

12

جمع_من_الناس_يعبرون_جسراً

لا تكاد أمة من الأمم تسقط بسبب عدوها الخارجي وحده، وإنما يبدأ السقوط الحقيقي عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى صراعات تستنزف الطاقات، وتمزق النسيج الاجتماعي، وتفتح الأبواب للتدخلات الخارجية، والتاريخ الإسلامي، كما الواقع المعاصر، يؤكدان أن الفتن الداخلية كانت دائمًا أخطر على الأمة من كثير من الحروب الخارجية؛ لأنها تضرب وحدة الصف، وتضعف الثقة، وتستهلك الموارد، وتبدد الأولويات.

وفي مثل هذه الظروف، تبرز قيمة الوسطية والاعتدال بوصفهما منهجًا شرعيًا وحضاريًا لإدارة الخلاف، لا لإلغائه، ولتحويل التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى سبب للفرقة والانقسام، فالوسطية ليست حيادًا أمام الحق، وليست تنازلًا عن المبادئ، وإنما هي التزام بالعدل، وإنصاف للخصوم، وضبط للعواطف، وتقديم للمصلحة العامة، والاحتكام إلى الشرع والعقل والحكمة قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، فالوسطية ليست وصفًا أخلاقيًا فحسب، بل هي هوية حضارية ورسالة إنسانية.

الوسطية منهج قرآني في إدارة الاختلاف

لم ينكر القرآن الكريم وجود الاختلاف بين البشر، بل قرره باعتباره سنة من سنن الله في الكون، فقال سبحانه (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118)، غير أن الإسلام لم يترك هذا الاختلاف بلا ضوابط، وإنما رسم له منهجًا يحول دون تحوله إلى صراع مدمر.

فالاختلاف المشروع يكون في دائرة الاجتهاد، ويُدار بالحوار والبرهان، أما إذا تحول إلى تعصب، أو تخوين، أو تكفير، أو استباحة للحقوق، فإنه يتحول إلى فتنة تهدد الدين والوطن معًا

ومن هنا أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين عند وقوع النزاع، فقال (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: 9)، فبدأ بالإصلاح قبل أي إجراء آخر، لأن المحافظة على وحدة الأمة مقصد شرعي عظيم

الاعتدال أساس وأد الفتنة

الفتنة لا تنشأ فجأة، وإنما تبدأ بكلمة متشنجة، أو شائعة مغرضة، أو خطاب متعصب، ثم تتسع دائرتها حتى تصبح أزمة وطنية أو دينية، ولهذا كان الاعتدال أحد أهم وسائل الوقاية منها.

إن الإنسان المعتدل لا يندفع وراء الشائعات، ولا يحكم على الآخرين بالنيات، ولا يجعل الخلاف سببًا للعداء الدائم، بل يلتزم قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6).

كما أن الاعتدال يمنع تضخم الخلافات، لأن صاحبه يبحث عن المشتركات قبل نقاط النزاع، وعن الحلول قبل الاتهامات، وعن الإصلاح قبل الانتصار للنفس

الحوار سبيل التفاهم لا ساحة للغلبة

من أخطر ما تعانيه المجتمعات في أوقات الأزمات أن يتحول الحوار إلى معركة لإثبات التفوق وإسقاط الخصوم، بينما جعل الإسلام الحوار وسيلة للوصول إلى الحق وتحقيق المصلحة.

قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، فالجدال بالتي هي أحسن لا يعني ضعف الحجة، وإنما يعكس قوة الأخلاق وثقة صاحب الحق بنفسه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاور المخالفين، ويستمع إليهم، ويعالج الخلاف بالحكمة والصبر، حتى مع من اشتد أذاهم

إن المجتمعات المنقسمة لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى رجال حكماء يجيدون الإصغاء قبل الحديث، ويقدمون لغة العقل على لغة الانفعال.

الوسطية تبني جسور الثقة

الثقة هي رأس مال المجتمعات، فإذا انهارت أصبحت كل مبادرة للإصلاح موضع شك، وكل دعوة للحوار محل اتهام، ومن هنا فإن الوسطية تسهم في إعادة بناء الثقة من خلال احترام كرامة الإنسان مهما كان انتماؤه، والاعتراف بحق الآخرين في الاجتهاد المشروع مع التفريق بين الخطأ وصاحبه، وتغليب حسن الظن حتى يقوم الدليل على خلافه، و الالتزام بالعدل حتى مع المخالفين وقد قرر القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فالعدل مع الخصوم ليس خيارًا سياسيًا، بل عبادة يتقرب بها المؤمن إلى الله.

الوسطية مدخل لحلحلة الأزمات

كل أزمة، مهما بلغت تعقيداتها، تحمل في داخلها فرصة للحل إذا توافرت الإرادة الصادقة والمنهج الصحيح، والوسطية توفر البيئة المناسبة لذلك؛ لأنها تدفع جميع الأطراف إلى البحث عن المصالح المشتركة بدل التمترس خلف المواقف الجامدة.

فالأزمات لا تُحل بالغلبة وحدها، وإنما تُحل بالحكمة، وبناء الثقة، وتقديم التنازلات المشروعة، والرجوع إلى المؤسسات، واحترام القانون، وتغليب المصلحة العامة على المكاسب الآنية، ومن هنا كانت الشريعة الإسلامية حريصة على الصلح، حتى جعلته من أفضل الأعمال، قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: 128).

الوسطية ليست تمييعًا للمواقف

يخلط بعض الناس بين الوسطية والتنازل عن المبادئ، وهذا فهم بعيد عن حقيقة المفهوم الإسلامي، فالوسطية لا تعني التسوية بين الحق والباطل، ولا تعني السكوت عن الظلم، وإنما تعني مقاومة الظلم بالعدل، والإصلاح بالحكمة، والثبات على المبادئ دون غلو أو تهور.

فالاعتدال لا يلغي الحزم، كما أن الرحمة لا تناقض القوة، بل إن القوة الحقيقية هي التي تضبطها القيم، وتحكمها الأخلاق.

مسؤولية العلماء والمثقفين

في أزمنة الفتن تتضاعف مسؤولية العلماء والدعاة والمثقفين والإعلاميين؛ لأن الكلمة قد تكون سببًا في إشعال الفتنة، وقد تكون سببًا في إطفائها، ومن واجب النخب الفكرية أن تنشر ثقافة الحوار، وتواجه خطاب الكراهية، وتبين مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وأن تربي الناس على فقه الاختلاف، لا على ثقافة الإقصاء؛ كما ينبغي للمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية أن تجعل الوسطية مشروعًا تربويًا دائمًا، لا مجرد شعار يرفع عند وقوع الأزمات، كما ينبغي للمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية أن تجعل الوسطية مشروعًا تربويًا دائمًا، لا مجرد شعار يرفع عند وقوع الأزمات.

إن الأمة التي تريد أن تستعيد قوتها لا بد أن تدرك أن أخطر معاركها ليست مع الخارج، وإنما مع أسباب الفرقة في الداخل، فالوسطية والاعتدال ليسا ترفًا فكريًا، بل ضرورة شرعية وحضارية لحماية المجتمعات من الانقسام، وصيانة الأوطان من التفكك، وإحياء روح الأخوة بين أبنائها.

وعندما تسود ثقافة الإنصاف، ويتقدم الحوار على الخصومة، والعدل على الهوى، والمصلحة العامة على المصالح الضيقة، تتحول الأزمات إلى فرص للمراجعة والإصلاح، وتصبح الفتن بداية لنهضة جديدة بدل أن تكون طريقًا إلى الانهيار، ومن هنا فإن مشروع الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإزالة آثار الفتنة فحسب، وإنما يبدأ ببناء الإنسان الوسطي، الذي يحمل قلبًا رحيمًا، وعقلًا راجحًا، ولسانًا صادقًا، وإرادة صلبة في جمع الكلمة، وإطفاء نار الفرقة، وتحقيق قول الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)؛ فهذه الآية ليست مجرد توجيه أخلاقي، وإنما هي قاعدة لبناء المجتمع، وحفظ الدولة، وصناعة المستقبل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة