وجعل بينكم مودة ورحمة
15 سُنة وأدباً في ليلة الزفاف
ليلةُ الدخول
والبناء بالزوجة ليلةٌ تفيضُ بالمودّة، وتُزهرُ فيها معاني اللطف والأنس والسكينة؛
يمدّ فيها الزوج خيوط المحبة إلى قلب زوجته، فيبدّد عنها رهبة البدايات، ويُبدلها
طمأنينةً وسكونًا، فتألف روحه روحها، ويأوي قلبها إليه في أمانٍ ووئام.
وهذه جملةٌ من
السنن النبوية والآداب الزكية، يجدر بكلّ مقبلٍ على هذه الحياة المباركة أن
يستحضرها، لتكون بدايته عامرةً بالخير، موصولةً بالبركة:
1- أن ينوي الزوج والزوجة نوايا حسن في زواجهما:
فيستحضر كلٌّ
منهما في قلبه قصدًا كريمًا، من عفافٍ وصيانةٍ للنفس، وإعانةٍ على الطاعة، وبُعدٍ
عن الحرام، ورجاء ذريةٍ صالحةٍ تنصر الدين وتُحيي القيم، فبالنيات تُبارك الأعمال،
وبصلاح المقاصد تُفتح أبواب التوفيق قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ حقٌّ على
اللَّهِ عونُهُم: المُجاهدُ في سبيلِ اللَّهِ، والمُكاتِبُ الَّذي يريدُ الأداءَ،
والنَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ» (رواه الترمذي من حديث أبي هريرة).
2- فإذا دخلا البيت وصارا في مكانهما:
استحب له أن يضع
يده على مقدمة رأسها، ويقول: «بسم الله اللهم بارك، اللهم إني أسألك من خيرها وخير
ما جبلتها عليه، أعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيراً فليأخذ
بذروة سنامه وليقل مثل ذلك» (رواه أبو داود، وابن ماجه)؛ والناصية: منبت الشعر في
مقدم الرأس، وقوله: «جبلتها عليه»؛ خلقتها وطبعتها عليه.
3- ملاطفة الزوجة عند الدخول بها:
فليكن اللقاء
الأول مغمورًا بالرقة والتودّد، كأن يشتركا في شربٍ أو حديثٍ لطيف، يقرّب القلوب،
ويزيل الوحشة، ويُمهّد لنشوء الألفة؛ فالكلمة الحانية والموقف اللطيف مفتاح القلوب،
فلقد أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن فشرب ثم ناولها السيدة عائشة رضي
الله عنها.
4- صلاة ركعتين بزوجته إن تيسر له:
ومن جميل ما
يُستفتح به هذا العهد أن يقف الزوجان بين يدي الله ليصليا ركعتين، يسألانه البركة
في حياتهما، ويضرعان إليه أن يجمع بينهما على خير، وأن يجعل مودّتهما قائمةً على
طاعته ورضاه، وهذا وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه منقول عن بعض
الصحابة كابن مسعود، وحذيفة، وغيرهماً.
فعن ابن مسعود
أنه قال لأبي حريز: مرها أن تصلي وراءك ركعتين، وقل: اللهم بارك لي في أهلي وبارك
لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير، وفرق بيننا إذا فرقت بخير. (رواه ابن
أبي الدنيا).
5- التجمل وأخذ الزينة من الزوجة والزوج:
فينبغي لكلٍّ من
الزوجين أن يتجمّل للآخر، ظاهرًا وباطنًا، في حدود ما أباح الله، فإن حسن الهيئة
عنوان حسن العشرة، ومظهر من مظاهر المودّة المتبادلة؛ فكما تُحبّ المرأة أن تُرضي
زوجها، كذلك يُطلب من الزوج أن يُحسن التهيؤ لزوجته لقوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ
بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228)، ولكن هذا التجمل يكون في حدود المباح، فلا يجوز له أن
يحلق لحيته، أو ينمص حواجبه، أو يلبس الحرير، وكذلك الزوجة لا تتجمل له بحرام كالنمص،
ووصل الشعر بشعر، والوشم.. إلى غير ذلك من الأمور المحظورة شرعاً.
6- تطيب الزوجين قبل الجماع:
والطيب زينة
الأجساد ومنعش الأرواح، وهو مما يزيد الألفة ويبعث على الانشراح؛ إذ تتلاقى النفوس
على روائح الطيب كما تتلاقى على حسن المعاملة.
ففي الصحيحين من
حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيطوف على
نسائه، ثم يصبح محرماً ينضح طيباً"، والطيب من أجمل الزينة للرجل والمرأة.
7- ملاطفة الزوجة قبل الجماع:
فينبغي أن
يُقدّم لذلك بالملاطفة والملاعبة، حتى تتهيأ النفس، وتُستحضر المودّة، فيكون
اللقاء قائمًا على التوافق لا التعجل، وعلى الإحسان لا الإيذاء، فتنال من اللذة
مثل ما ينال.
8- الدعاء عند الجماع:
ومن تمام
العبودية أن يُستفتح هذا الموطن بذكر الله، والدعاء، بأن يقول قبل الجماع: «بسم
الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.. فإنه إن يقدر بينهما ولد لم
يضره الشيطان أبداً» (رواه البخاري من حديث ابن عباس).
9- موضع الجماع وكيفيته المشروعة:
الأصل في
العلاقة الزوجية الإباحة في موضعها المشروع، مع مراعاة ما أذن الله به، وترك ما
نهى عنه؛ التزامًا بحدود الشرع، وصيانةً للفطرة السليمة، وعليه فإن الجماع لا يجوز
إلا في الفرج الذي هو موضع الولادة والحرث، وقد روى البخاري، ومسلم عن جابر قال:
كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قُبلها كان الولد أحول فنزلت:
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (البقرة: 223).
وعلى الزوج ليلة
زفافه وهو وزوجته حديثا عهد بالجماع أن يفعل الشيء السهل البسيط الذي لا يؤذي
زوجته أو يؤذيه.
10- مراعاة احتياج الزوجة:
فلا يقتصر الأمر
على قضاء حاجة الزوج، بل يُراعى فيه حق الزوجة ومشاعرها، حتى يتحقق العدل في
الإمتاع، وتقوم العلاقة على التراحم والتكامل، فإذا قضى الزوج إربه، فلا يتعجل
بالنزع حتى تقضي الزوجة إربها.
11- تحريم وطء الحائض:
وهذا بإجماع أهل
العلم ولقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ
وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ) (البقرة: 222)، وروى الترمذي، وأبو داود، عن أبي هريرة أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: «من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً، فقد كفر بما
أنزل على محمد»، وإن كان في سنده بعض الضعف.
12- تحريم الوطء في الدبر:
وهو منهيٌّ عنه
شرعًا، لما فيه من مخالفة للفطرة، وخروجٍ عن حدود الإباحة التي رسمها الشرع الحكيم،
فقد روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ملعون
من أتى امرأة في دبرها».
13- تحريم إفشاء أسرار الفراش:
فمن أمانة هذا
الميثاق الغليظ أن تُصان أسراره، وألا تُفشى خصوصياته؛ إذ إن حفظ السرّ من كمال
المروءة، ومن دلائل صدق العشرة، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: «إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته
وتفضي إليه، ثم ينشر سرها» (رواه مسلم).
14 - التستر والتعري أثناء الجماع:
فكلاهما تصرف مباح لا حرج فيه، طالما يقع به المقصود من الجماع، أما حديث: (إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجردان تجرد العيرين) فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى وغيره بسند ضعيف
15- وجوب الغسل من الجماع ولو لم ينزل:
فإذا حصلت المعاشرة وجب الغسل، تحقيقًا للطهارة، واستعدادًا للعبادة، لتبقى حياة المسلم دائرةً بين طهر الجسد وصفاء الروح، ففي الحديث أبي هريرة قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل، وإن لم ينزل» (رواه مسلم)، ولمسلم أيضاً: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان، فقد وجب الغسل».
وهكذا تبدأ
الحياة الزوجية على نورٍ من السُّنّة، وعبقٍ من الأدب، فتكون أقرب إلى السكينة،
وأدعى إلى دوام المودّة والرحمة.
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً